|
هلوسات -
قضايا و آراء
|
|
بقلم: حسام مطلق
|
|
16 آذار 2008 الساعة 15:13 |
دور المفكر دائما التنبيه وتقديم الحل وفقا للحظة، ودور الاجيال أن تتنبه الى ما هو صائب كي يبنى عليه وما هو متجاوز كي يلقى جانبا. حين نطبق هذه النظرية على الفكر الماركسي, وانا هنا اتحدث عن الاقتصاد, فإن نظرياته هي ما ساعد على الوصول الى تطبيقات مثل الضمان الاجتماعي والصحي والتقاعدي وما الى ذلك من وسائل تكافل المجتمع مع الفرد وعدم القائه للطريق ومائلات الزمان. الدول الاسكندنافية هي الاكثر فاعلية في تطبيق هذه النظريات وليس من خلال التطبيقات اللينينة القائمة على مصادرة الاملاك الفردية ولكن من خلال الضريبة التصاعدية, وهو ما يعني عمليا إعادة توظيف المال على أساس انه ملك اجتماعي حين يصل لمرحلة معينة من التنامي.
قد يقول البعض ولكن الحركة الاقتصادية اثبتت ان المشروع الفردي, أي غير الحكومي , هو الناجح وتاليا ما لم يكن السقف مفتوح فإن العمل الفردي لن يؤدي دوره في تنشيط الاقتصاد, الجواب بسيط, لان صاحب المشروع في مرحلة من مراحل النمو يكون امام خيار تحويل مشروعه الى المساهمة المغفلة, اي أن مشروعه إداريا يبقى فردي ولكنه من حيث العوائد يصبح اجتماعيا ولذا يصح ان نطلق على هذه الطريقة في إدارة الحياة الاقتصادية اسم الاشتراكية الاجتماعية. وهي برأيي اشتراكية متحررة من عقد ستالين النفسية, وهي ضمانة لكلا الأمرين, الفرد والمجتمع. فلا المشروع الفردي إبداعيا يتعطل بالمصادرة والتأميم ولا المجتمع يحرم من العوائد عبر المساهمة المغفلة والضريبة التصاعدية. أما لماذا هذا النمط الاقتصادي هو الانجح, أيضا الجواب بسيط: الدول الاسكندنافية هي الاقل حظوة من حيث الموارد الطبيعية ومع ذلك فإن معدل عائد الفرد من الاقتصاد الوطني هو الاعلى آخذين بعين الاعتبار أنها أيضا الاعلى مساهمة في العالم في المساعدات الانسانية وفي تقبل اللاجئين. نعرف ان اللاجئين العراقيين زحفوا نحو سوريا والاردن ومصر ودول عربية وإسلامية كثيرة ولكن الحقيقة ان تلك الدول لم تتكلف قرشا واحدا من اقتصادها بل ان معاناتها جاءت عبر فضح هذه الاعداد الوافدة بروؤس أموال خارجية للاقتصاديات المحلية غير القادرة على استيعاب هذا العدد من المستثمرين أو السياح. ففي النهاية كل من ياتي ومعه ماله هو سائح او مستثمر لا تسمية اخرى له. إن اردنا إلا نهرب من مشاكلنا الذاتية. هناك في الدول الاسكندنافية قدم لللاجئين السكن والمرتبات والضمانات الاجتماعية المختلفة بما فيها الصحي , اي أنهم كانوا عبئا على الاقتصاد الوطني والمواطن الاسكندنافي, وارجو الا يغيب عن احد انه لا رابط ديني او قومي بين اللاجئين وبين المواطن الاسكندنافي ووحده العامل الاخلاقي الذي دعا الى تقديم العون له بعكس ما هو الوضع في العلاقة بين مواطننا والمواطن العراقي.
خلاصة الامر أن الماركسية محاولة لتحصيح الظلم الاجتماعي مثلها مثل الاديان والفرق بينها وبين الاديان انها لم تسبغ على نفسها صفة إلهية كي تمنع باقي الناس من التصحيح ولذا حين طبقت بالاستفادة من التجارب الفاشلة في الشيوعية او الانتهازية الرأسمالية نجحت في صناعة حياة مستقرة لمطبقيها الاسكندنافين. بقي أن أذكر أن الدول الاسكندنافية ذات التطبيقات الاشتراكية الاجتماعية هي الاقل تسجيلا للجريمة في العالم رغم ان دستور بعضها ينص على أن اقصى عقوبة متاحة للمحكمة هي 15 سنة وأن عقوبة الاعدام ممنوعة وان هناك اطراق سراح مشروط يمكن للسجين ان يطلبه في مراحل محددة من مدة تنفيذه للعقوبة وهو ما يعطي الفرصة لاعادة دمجه في المجتمع. العلاقة بين التطبيقات الاقتصادية وبين الماركسية وبين العقوبات الجنائية لمن فاته إيجاد الرابط, إن غرض الماركسية هو تصحيح الاوضاع الاقتصادية في المجتمع باعتبار ان الظلم الاقتصادي هو المدخل لكل أشكال الظلم الاخرى وحين طبقت الاشتراكية الاجتماعية بصورة صحيحة أعطت ثمارها فحصلنا على مجتمع ملتزم أخلاقيا من الناحية الانسانية, واللاجئ العراقي دليل, واقل نزوع نحو العنف, ونسبة الجرائم دليل, واكثر كفاءة اقتصادية, بدليل معدل حصة الفرد من الناتج القومي . أي أن الماركسية على طريقة الاشتراكية الاجتماعية التي تحفظ لكل قومية وثقافة خصوصيتها وتعيد توزيع الدخل الوطني بصورة تعاون اجتماعي بين أفراد الوطن تعطي النتيجة التي ارادتها الاديان والنظريات الاجتماعية ألا وهي خلق مجتمع يجنح نحو السلم والتعاون. فقط من باب المعلومة أذكر بان استطلاع للراي أجري في أوربا قبل ثلاث سنوات عن رأيهم بمن يشكل خطرا على السلام الدولي قال فيه سبعة وستون بالمئة من الأروبين أن أسرائيل هي الخطر وأن هذه النسبة كانت في بريطانيا قرابة الأربعين في المئة وأن ارتفاعها الى ما يعادل الثمانين في المئة في الدول الاسكندنافية هو ما جعلها في المحصلة 67% وربما هذا ما دفع الى افتعال قضية الرسوم الكاريكاتيرية كي يدق اسفين بين تلك الشعوب وبين القضية الفلسطينية ولن اقول أن المنظرين الصهيونين وحدهم مشاركين في هذه الجريمة بل سأذكر برذاذ لعاب الشيخ القرضاوي على الجزيرة وهو يقول : ( دي غضبة امة, اي عايزين الناس ما تتظاهرش عاوزين يخلو الناس في الذل.). وهنا اسأل يا " سماحة " الشيخ : حين استدعاك الاميركيون الى قاعدة العديد بعد فتواك بإباحة دم المرافقين للقوات الاميركية في العراق لم لم تصر على فتواك وتقول انها كرامة الأمة واستقلال اوطانها؟. ام انك وجت الدنمارك ديكا فذبحته ولأن أميركا أسدا وقفت امام الكميرا بعد أسابيع تعتذر عن فتواك وتفتعل المبررات لتغيرها؟. رغم ان كلمتي في القياس العام لما يحدث لا مكان لها ولكنه إبراء للذات وتسجيل لموقف.
أحيي الدول الاسكندنافية على اخلاقها وعلى احترامها للقوانين وانظر بكثير من الاشمئزاز للمتاجرين بالضمير والحقيقة من امثال القرضاوي المنافق. العلاقة هنا ليست مفقودة ولكنها قائمة. الماركسية ليست دين, انها تطبيق اخلاقي لادراة الاقتصاد وما يجعلها مميزة امام النظريات الاخرى انها لا " تنزل " من السماء بملائكة ولكنها تعترف بفكر هيغل وتأثرها به وتعترف اجيالها التالية بفشل الشيوعية وبدور العقد النفسية لستالين في حرفها تطبيقها ولدينا نتجية رائعة في الوصول الى مجتمع ذو خصوصية وطنية وتكافل داخلي وانساني تمثلها الشعوب الاسكندنافية علنا نستفيد من التجربة وننحني امام نجاحهم بدلا من ان ننفس عقدنا فيهم. ***
|