ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

مجتمع
في سورية
البداية arrow مجتمع arrow دعوة لوجبة طعام...
دعوة لوجبة طعام... Print E-mail
هلوسات - مجتمع
بقلم: محمد نورالله   
23 شباط 2007 الساعة 07:03

من زمن ليس ببعيد أخبرني أحد الأصدقاء أنك اذا ما دخلت على أحد المقاهي في أحد المنشآت التابعة لأحد المنظمات الدولية في سورية ستقرأ على بابها عبارة انكليزية ظريفة تقول (من الأدب بالنسبة للسوري  أن يرفض دعوتك إلى الطعام أكثر من مرة). تلك العبارة الظريفة تنبه الأجانب عن مجتمعمنا ان عليه أن يكرر قوله بالدعوة لأن السوري لا يرفض الدعوة من أول طلب لأنه (يرفضها)، بل لأن القبول المباشر لها يعتبر قلة أدب. أثارت تلك العبارة في نفسي العديد من التساؤلات وإعادة النظر في العديد من أدبنا وأخلاقنا... لأنني كنت أعاني من مشكلة كبيرة، لم أنتبه لها لزمن طويل، وهي أني إن كنت قد دعوت أحدهم ورفض فلا أكرر الدعوة على اعتبار أنه قال (لا) لانه يقصدها فعلاً. وكنت بذلك بنظره بخيل أو أني لا اقصد الدعوة... وبذلك فأنا – وفقاً لمن حولي - أفتقد مهارات اجتماعية مهمة جداً.

ثم اكتشفت أن أبعاد الموضوع أكبر... المؤدب في مجتمعنا عليه ان لا يقول ما يقصد ولا بشكل من الأشكال، إن دعاك أحدهم للطعام عليك أن تقول لا إن كنت تود قبول الدعوة، لأنك ستصبح في نظره طفيلي وانتهازي وفجعان. الناس عندنا يا أجنبي لا تقصد ما تقول، وأنا لست بصدد مشكلة اللف والدوران المتفشي في مجتمعنا (وإن كانت هذه مشكلة كبيرة جداً) لكني أذكر نتائجها العظيمة على طريقة التفكير والاستنباط في بلادنا العظيمة.

المشكلة الكبيرة يا صديقي الغريب أن الناس صارت تعتقد أن كل ما يقال ليس هو فعلاً (ما يراد قوله).. وان كل ما يقال لا يقصد به المعنى الحقيقي للكلام،وعلى ذلك فقد قاموا ببناء قواميس دماغية كالأورام في عقولهم... بل إن هناك لغة جديدة تعتمد على التفسير الغريب لمفردات اللغة بحسب الظرف والمكان والإحساس والشعور والإنتماء والدين والفكر والتوجه والشعور بعقد النقص والإضطهاد ونظريات المؤامرة والتخوين القومي والتكفير الديني والوطني.. ولا يهم ما قيل... سحقا للكلمات ومعانيها الحقيقية وسحقاً لصاحبها.... فالكلمات ذات أبعاد تفوق أبعاد الكون بما فيه...مثلاً إن قلت مثلاً أن (فلاناً قدم فتوى دينية سيئة) فهذا لا يعني أنك تنتقد شيخاً أو عمامة، بل أنت تهاجم ديناً واتباعه وشعوباً وملايين.. لاحظوا معي التفسير الخطير والفهم ذو الأبعاد الألف للغة. إن طلبت (بعضاً من الليبيرالية والحريات الشخصية لأبناء الوطن في الحقوق والواجبات) فأنت خائن متعامل مع المعارضة والعدو تريد تدمير بلدك. إن طلبت بعض المساواة بين فئات بلدك الدينية وعدم الحكم على البشر من اعتقادهم أو فكرهم أو أيديولوجيتهم فأنت تقصد القضاء على الدين ومحاربة المسلمين والتآمر عليهم أو أنك تقصد الفرقة بين أبناء الوطن.. وربما أنك تدعو للطائفية والفتنة... وربما أن سلمان رشدي هو أحد أقربائك. إن قلت (لا للتطرف والتعصب وتمنيت بعضاً من الإعتدال) فأنت من صقور البيت الأبيض تركب دبابة أمريكية لتأتي عليها وتحتل مع الأعداء الوطن. إن طالبت بتحرير المرأة واعطائها حقوقها كبشر فأنت تقصد تعرية المرأة وكشف الأفخاذ لتشبع رغباتك الجنسية وتخدم المخططات العدوة (المجهولة الهوية) كي تنشر الفسق والإنحلال والدعارة والإباحية...و....و... و...  والأمثلة أكثر بكثير من ان أوردها جميعاً...

لذا فأنا أدعو كل المختصين العباقرة باللغة والكلام والفهم والإستيعاب أن يصدروا قواميس جديدة تفسر اللغة والكلمات بحسب ما يفهمها مجتمعنا الحذر والواعي والفهيم والمؤمن بكل شيء هنا فلا يختلط الأمر على أحد ويفهم الكلام بشكل مباشر وصريح كما قاله صاحبه، بل بشكله الذي يعتقد به المستمع وإن كان لا يمت لما قيل بصلة.وما فائدة أن نتحدث بلغة واحدة إن كنا لا نفهم بعضنا... وكل ما يقال لف ودوران، ولاننا نملك مترجماتنا الخاصة في أدمغتنا، والتي فاقت البشرية كلها في هدفها بوضع اللغة والتخاطب – اللغة التي ولسخرية القدر قد ابتكرناها في بلادنا من آلاف السنين. هذه المترجمات التي أود ان يقوموا بنشرها كقواميس لا تستطيع فهم اللغة والعبارات بأبعاد جديدة فقط، بل إنها تستطيع التنبؤ بالنوايا السيئة، بل وخلق تلك النوايا وتكييفها حسب عقل المستمع لا عقل القائل... عقول تستطيع إسقاط نظريات سياسية وجتماعية وفهم مخططات استعمارية ومؤامرات صهيونية وأجندة عولمية وليبيرالية وعلمانية شريرة وشيطانية ومعادية ومتهجمة فقط من كلمات مختلفة المعنى.. هذه هي العقول ذاتها التي تقول نعم وهي تقصد كلا.. تضحك وهي تضمر الكره...

لكني لا ألومهم.. الحق أن اللوم يقع على الأدب والعفة في قبول وجبة من الطعام نظهر رفضنا لها ونبطن قبولنا بها... ونحن جاهلون بطعمها حقاً.

محمد نورالله


هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم