|
أحمد علي المصطفى - شام برس
من خلال منظر وحشي , يهجم على الفور وهو ممسك بسكين جزار , ليسحب شقيقته من غرفتها إلى خارج الدار , وفي وسط الشارع , أمام أعين كل الناس , يقبض على شعرها , يسحب رأسها للخلف ثم يذبحها كالنعاج ويفصل رأسها عن جسدها , يسحب الرأس كي يستمر في إضافة مشهد فاق أي تصرف حيواني , ليسحله بأرض الشارع وهو يصرخ كالمأفون , غسـلت عاري ! يلون دم المذبوحة إسفلت الحي ليخط وثيقة عار على كل من شاهد وسمع وعاين وشارك بتلك الجريمة إن كان بالموافقة الضمنية أو حتى من خلال الصمت المتآمر الجبان , فالكل شركاء في الفعل القذر , والكل يحمل مقدارا نسبيا من المسؤولية يجعله في خانة المذنبين , والمصيبة بأن هذا الذي حدث هو بسبب كلام كاذب وصل لأذني الأخ السفاح , كلام يطعن في شرف شقيقته , وأن رائحتها قد فاحت وزكمت الأنوف . ثم تأتي النتيجة الفاضحة على لسان الطبيب الشرعي كي يثبت بأن الفتاة البريئة التي نحرها الجزار الجبان كانت ببساطة عذراء ! ثم تأتي الكارثة لتكتمل في حكم القضاء نفسه بعد دراسة ملف الجريمة كي يعلم الملأ بأنه أخذ بعين الاعتبار قبل إصداره الحكم النهائي في القضية الأسباب المخففة لصالح المتهم ! فمن قام بقتل تلك الفتاة البريئة المظلومة وفي تلك الصورة البشعة المرعبة التي قرنت مع القتل فعل التمثيل بجثة الضحية بشكل مغرق في العنف والسادية , لا يستحق برأي القضاء الـ ( ذكوري ) السامي قصاص القتل , بل وبعد أن يقضي بضعة سنوات قلائل سيخرج للمجتمع وكأن شيئا لم يكن ويسرح هذا الذئب الفاتك ويصول في خضم ( ذكوري ) مريض في شكله الأعم , لينظر إليه نظرة رجل فحل أشوس ثأر لكرامته وكرامة كل الرجال لا كمجرم متوحش , تسمع منهم من يقول مثلا : كيف يقتلها هذا الأحمق قبل أن يتأكد من عذريتها ؟ أو من يقول : يا لهذا المجرم الذي فقد العقل وطاش صوابه , فتنصب عليه كل ألوان اللعن كونه لم يتيقن قبل إقدامه على فعله الطبيعي في القتل ! عيب وعار على هؤلاء الذين ما أقلقهم سوى تسرع الجاني قبل اقتراف جنايته التي ربما يغلفونها بقشرة الشرعية والجواز , لا بل والوجوب أيضا فيما لو تأكد من مسألته فله الحق ساعتها , هنا تراهم يبررون بكل وضاعة أن يقوم هذا الشاذ المريض المنحرف بدور القاضي والجلاد معا ! إنه ا المجتمع الذي لا أعلم من أين يستقي عدالته ويصنعها , فإن كانت الجاهلية الجهلاء تصنع تماثيلها لتعبدها وإن جاعت ربما تأكلها , فهؤلاء يصنعون قوانينهم لتلائم أمزجتهم وترضي غرائزهم وتحافظ على تفوقهم الفيزيولوجي وتثبت دعائم الذكورة التي تكون دساتيرهم الاجتماعية , فالعدالة عوراء حين تمس جوانبهم , والعدالة قد رسموها لتواكب مسيرة ما يرون فيه تميزا وإن كان غير معلن في بعض الأحيان بطابع يأخذ شكل القهرية والإخضاع , حتى خارج المنظومة التي من المفترض أن تقمع شهواتهم وتكبح من جماح هياجهم وأقصد المنظومة الدينية التي حدد ووضح فيها الشارع بكل جلاء الكثير من الحقوق والواجبات وأبواب الثواب أوالعقاب على اختلاف تلك الأديان وتنوعها لكنها تجتمع على أمر رئيس هو الحفاظ على النوع من خلال تطبيق المنهج القانوني الإلهي في إرساء مفهوم العدالة بين الذكر والأنثى , ولعلي أطرح أبسط الأمثلة التي تتعلق بتلك المسألة من منطلق شرعي إسلامي , كي أحاول تفنيد تلك الأفعال الجرمية البشعة وخطورتها , فالشارع شدد مثلا عظيم التشديد على مسألة تطبيق حد الزنا , هذا إن كنا سنتكلم من مفهوم إسلامي بالطبع , فوضع صعوبات تكاد تقترب من الاستحالة في تنفيذ الحكم الذي قد يقع على الطرفين , وكأن الله برحمته أراد أن يفهمنا بطرق كثيرة قدسية الدم البشري وحرمته , فطلب مثلا في تلك الحالة أربعة من الشهود العدول يجتمعون على قول واحد فيما شاهدوا ويجب أن يروا الحالة كاملة ( كالميل في المكحلة ) ويتثبتوا ويتأكدوا تماما , ثم ينظر القضاء في ذلك , ثم يحكم هو بالحكم , ثم ينفذ العقاب من قبل الجهة المختصة , هذا لو تكلمنا من الناحية الشرعية في الإسلام , فإن كان هؤلاء من المسلمين وأقصد من يقومون باقتراف تلك الجرائم الخطيرة , يتوجب فيهم معرفة كل تلك الأمور , ومن يشذ عنها ليقتل كيف يشاء هواه ثم يحكم ولأسباب مخففة بتلك الأحكام التي نراها , فهذه أمور تقترب من الكارثة كون من حكم أعطى الضوء الأخضر لقتلة آخرين افتراضيين كي يلجوا تلك السبل ويطبقوا عدالتهم العوراء التي يرون من خلال هذا المدخل الميسر لأفعالهم الدموية , فنحن كنا نتكلم عن حالة زنا ورأينا بأن المشرع أحال الأمر لأولي الأمر , لا إلى شقيق أو أب أو أخ أو زوج أو غيرهم من الأقرباء , فكيف بنا في حالة فتاة هي بالأصل بريئة ولم تقترف ذنبا وفوق ذلك , قام المجرم ممن ذكرنا بإيقاع الحيف عليها بتلك الأريحية التي ذللها له قضاء مزاجي صدىء ؟ دعوني أفترض هنا هذا الافتراض المنطقي , لما كان العقاب هو ذاته من خلال منظار العدالة الإلهية , أو حتى من خلال منظار القانون الوضعي , فلنتخيل بأن الفتاة ذاتها في بداية قصتنا هنا قد سمعت من الناس بأن شقيقها على علاقة زنا بفتيات كثيرات , وقد ذاع صيت تلك العلاقة , فدخلت وقد تسلحت بساطور لتنقض على أخيها وتقطع رأسه وتسحله في الشارع وتقول غسلت عاري ! فإن كان غشاء البكارة هو صك طهارة للأنثى ينجيها من القتل أو يوصلها إليه , فما هو صك الطهارة للذكر فيما لو باشـر فعل الزنا ؟ فالذكر الفحل القوي العضلي لا يمتلك ذلك الغشــاء ولا يمتلك بطنا ربما تتكـور أثر حمـل من سـفاح , فهـل هـذا يجعلـه في مرتبة أعلـى مـن الأنثـى ( المتهمة والمشكوك بها) أصلا منذ ولادتها , وهل يزيح ذلك عنه الإثم ؟ تبا لها من عدالة إذن هذا ديدنها وذلكم دستورها . الأمر جد بسيط , لو شدد القضاء في أحكامه ضد هؤلاء الساقطين لما تكررت تلك الفظائع المشينة التي يندى لها جبين الإنسانية وضمير البشرية , فلو كان القضاء يتوخى بالفعل سمت الحق وينتحي جادة العدالة لما طالعتنا تلك الجرائم القذرة التي ما كانت لتحدث لولا تلك الإجازة التي يبيحها سلطان الذكورة لهؤلاء الهمج كي يستقووا بها , جريمة كالتي بدأتُ بها هنا يستحق فيها من اقترفها القتل قصاصا لفعلته ولا شيء سوى القتل , وسأضيف ( حتى لو انتفت عذرية الفتاة ) فهذا لا يخوله أن يرتقي سدة القضاء ويتسلح بسيف الجلاد ليضرب عنقها حتى بلا نطع , الله شدد في الأمر ليقترب من الاستحالة كي يفتح باب التوبة والمغفرة والرحمة لو علموا . أغلب الظن أن كلامي سيستنفر غضبة تلو الغضبة , وربما يخوض البعض كي يلبسني ثوب من يدعو للانحلال و يشجع الرذيلة ويعمل على إشاعة الفاحشة بين الناس الأخيار الأطهار الأشراف , وقد أرمى بقذائف من أعيرة ثقيلة يصنعها بالي إرثهم وكليل منطقهم وسيء تقاليدهم وتوحش غرائزهم المنتفخة المنتشية بوهم كاذب صنعوه هم لإشباع تسلطهم الظالم ضد مخلوق لطيف يفترض فيهم أن يحموه ويحبوه ويستوصوا به كل الخير ويترفقوا به رفقهم بالقوارير , فمنه أمهم التي صنعت رجولتهم ومنه أختهم وبناتهم وغيرهن , أختم بالقول : ما أبأس من تمضي به الحياة دون أن يتذوق نعمة الرحمة.
|