ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow هديّة «الشيطان الأكبر»
هديّة «الشيطان الأكبر» Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
20 آذار 2008 الساعة 18:52
غسان شربل - الحياة

الرئيس محمود أحمدي نجاد جدي. صارم. متجهم. لكن من حقه اليوم أن يبتسم. ومن دون شعور بالذنب أو رغبة في الاعتذار. من حقه أن يحتفل على طريقته. انهم يطفئون الشمعة الخامسة للغزو الأميركي للعراق. المناسبة تعنيه وتعني نظامه وبلاده.

ثمة محطات تاريخية تحتاج إلى واقعية استثنائية. وإلى روح الدعابة. وقدر من السخرية. ليس غريباً أن يشعر بامتنان شديد حيال سيد البيت الأبيض. وان يعتبره صاحب اياد بيضاء على بلاده. وان يعترف ان أحداً لم يظهر مثل هذا السخاء نحوها. وأنها يجب ان ترد له الجميل.

النظام الإيراني متجهم. يلجم مشاعر التعبير عن البهجة. والرغبة في الاحتفال. مخيلة المحافظين مشدودة وكئيبة. كان يمكن الاحتفال بطريقة أخرى. يدعى جورج بوش الى إيران. يستقبل بحفاوة بالغة. يمنح وساماً رفيعاً. ويصفق له من لوحوا بالقبضات وهتفوا «الموت لأميركا».

يضحك أحمدي نجاد. لو زرعت إيران رئيساً في البيت الأبيض لما استطاع أن يخدمها على هذا النحو. أدى بوش لـ «الثورة الإسلامية» خدمات لا تقدر بثمن. خدمات لم يقدم مثلها جنرالات الحرس. والمفارقة أن بوش أدى كل تلك الخدمات وهو يرفع شعار العداء للنظام وبعدما دفعه الى محور الشر.

يغرق أحمدي نجاد في الذكريات. في 1980 توغل جيش صدام حسين في لحم الأمة الإيرانية. قصفها بالطائرات وأمطر مدنها بالصواريخ. لا ينسى مؤتمراً صحافياً عقده السيد الرئيس المهيب القائد. جاء مرتدياً بزته العسكرية تتقدمه ابتسامته وفاحت رائحة الغطرسة من اجاباته. سأله أحد الصحافيين عن مستقبل ايران التي يرابط الجيش العراقي داخل أراضيها. رد مبتسماً: «هذا الأمر يرجع إلى ما تقرره الشعوب الإيرانية». وبدا واضحاً ان صدام يراوده حلم تفكيك إيران وتصفية حسابات التاريخ معها.

يتذكر أحمدي نجاد. تطوع في «الحرس الثوري». كان يحلم بمعاقبة جيش صدام. بالانتصار والثأر. لكنه لم يجرؤ حتى على الحلم بإسقاط ذلك النظام. لم يحلم بالتأكيد أن يكون رئيساً لإيران. لم يحلم ان يهبط في بغداد قبل احتفالات الشمعة الخامسة. وان يخاطب العراقيين والعرب والعالم من عاصمة الرشيد فيما تتمدد جثة صدام حسين في قريته في تكريت.

يبتسم أحمدي نجاد. رجل آخر يستحق الشكر. اسمه أسامة بن لادن. فلولا غزوتا نيويورك وواشنطن لما فقدت القوة العظمى الوحيدة صبرها وعقلها واتزانها. ولما تمكن المحافظون الجدد من دفعها الى هذه الوليمة القاتلة. كان سقوط نظام «طالبان» تحت الضربات الأميركية هدية جميلة ثم حان موعد الجائزة الكبرى.

يسخر أحمدي نجاد. يخرج ورقة من جيبه ويسرح في الأرقام. عدد الجنود الأميركيين القتلى. التكاليف الباهظة للاقتصاد الأميركي. مأزق التورط في حربين يستحيل الانتصار فيهما كما يصعب الانسحاب. صورة أميركا في العالم اصيبت بأضرار فظيعة. غزو العراق جاء بلا تفويض دولي. ولم يعثر المهاجمون على أسلحة الدمار الشامل. والدراسات الأخيرة برأت صدام من أي علاقة بـ «القاعدة».

النموذج الذي حلمت أميركا بزرعه في العراق وتعميمه على الشرق الأوسط كان مجرد حلم ليلة صيف. الشرق الأوسط الجديد مختلف تماماً. نجومه يشبهون مقتدى الصدر أو يفترقون عنه في الأسلوب لا الجوهر. يربط بين هؤلاء العداء لأميركا وللديموقراطية التي حاولت دسها في المنطقة.

العراق السابق راح. راحت البوابة الشرقية. وراح من كان يسمي نفسه حارس البوابة. لم يعد العراق خطراً. لم يعد سداً. لم يعد قادراً على انجاب صدام أو من يشبهه. لإيران في العراق نفوذ يفوق الثلث المعطل. لا أمن هناك ولا استقرار ولا تركيبة حكومية من دون ختم إيراني. الغلة وفيرة. إيران تقيم على المتوسط. القدرة على تعكير أمن النفط أكيدة. القدرة على تهديد أمن إسرائيل امتحنت ونجحت. إيران حاضرة هنا وحاضرة هناك. لا شيء ينقصها للتحول دولة كبرى في الاقليم غير الوسادة النووية وهي آتية.

مع اطفاء الشمعة الخامسة يشعر العربي انه يتيم في الاقليم. المناخ مختلف في طهران. كان حرياً بأحمدي نجاد أن يدعو بوش الى حفل تكريم. لقد حصلت ايران من «الشيطان الأكبر» على هدية فاقت كل طموحاتها. هدية تنذر بتغيير ملامح الشرق الأوسط.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم