أخبار Google
Google News العالم العربي
Google News العالم العربي
 
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

مواقع سورية
في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow  مسألة المسيحيين في منطقتنا ومسؤولية المسلمين
مسألة المسيحيين في منطقتنا ومسؤولية المسلمين Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
23 آذار 2008 الساعة 19:01
اسامة العارف - السفير

في العالم العربي مشكلة لم يعطها المسؤولون ولا قادة الفكر حقها من البحث: تلك هي مشكلة المسيحيين في هذه المنطقة. فمن لبنان حيث بدأ المسيحي يشعر بتهميشه في الحياة السياسية اللبنانية منذ ان فرضت قوى الوصاية السورية تفسيرها لاتفاق الطائف بشكل مشوّه، وفي فلسطين حيث لم يطق مسيحيوها عسف الاحتلال الاسرائيلي دائماً وشيء من تعسف المتشددين المسلمين فيها نحوهم، مؤخراً، فهاجروا منها ليصبح عددهم لا يزيد عن واحد في المئة من السكان، الى العراق حيث يقوم الأصوليون المسلمون من جماعة «القاعدة» بنسف الكنائس وقتل الرهبان والمدنيين، الى مصر حيث ينتظر القبطي مرور النهار بسلام من دون ان يقوم المسلمون الملتحون بسرقة مصدر عيشه بداعي ان سرقته حلال ويدعو ربه ان لا تقوم مسلمة بالوقوع بحب شاب قبطي لكي لا ينعكس ذلك على محله وبيته إحراقا وتدميرا، الى السودان حيث يفرض على مسيحييها في الجنوب تطبيق أحكام الشريعة الاسلامية قسرا الخ...
والغريب ان هذه الحوادث تجري فلا يتحرك لاستنكار ما يحصل سوى المسيحيين وكأن المسلمين لا يعنيهم ما حدث او كأنهم راضون بما يحدث في حين أنهم ليسوا براضين.
إني أعجب مثلا كيف لا يقوم المسلمون في بيروت بحض المسيحيين في المناطق التي يغلب فيها التواجد الاسلامي على فتح كنائسهم في هذه المناطق ويساهمون في كلفة إعادة بنائها لتعود وتلعب دورها في خدمة أبناء رعيتها حتى لو كان هؤلاء قد تحولوا الى أقلية في هذه المناطق.
ولكن أنى لمستوى الوعي ان يرتفع الى المستوى الذي يجب ان يكونه بحمية المسلمين للدفاع عن حقوق المسيحيين وكراماتهم وحرياتهم في العبادة.
إني لا أزال أذكر ان الشيخ عبد الله العلايلي رحمه الله كان دوما من أبرز الخطباء في مهرجانات أعياد تأسيس حزب الكتائب ليس تأييدا للموقف السياسي لهذا الحزب بالضرورة بل إبراز لمعنى وجود شيخ متنور من مستوى عبد الله العلايلي في احتفال لحزب يشكل ثقلا اجتماعيا في الوسط السياسي المسيحي.
إن ما يحدث في العالم العربي تجاه المسيحيين يظهر ان هناك مشكلة لدى المسلمين في التعاطي مع الآخرين، وهي حال لم تكن معروفة من قبل. وأنا أذكر ان المسلم في لبنان كان ينظر الى المسيحي نظرة احترام وتقدير ويتمنى التماثل به على الصعيد الاجتماعي والثقافي بالرغم من اختلاف الديانتين ليعيش حياة منسجمة مع أحوال العصر الذي يتغير.
أما الآن فالحذر من المسيحي هو التيار السائد في المجتمعات الاسلامية خصوصا الأصولية منها التي أخذت قاعدتها تتسع.
فما هي الاسباب التي أدت الى تغيّر موقف المسلمين من المسيحيين الى حد عدم وقوفهم علانية وبجرأة ضد أي عسف صادر بحقهم؟ وهل المشكلة تكمن في الاسلام ام في سلوك المسلمين؟
في تقديري ان الاسلام لم يتغير، لكن من تغير هم المسلمون.
لا أريد أن أحلل سماحة الاسلام منذ فجره تجاه أبناء الطوائف غير الاسلامية خصوصا من مسيحيين ويهود، فقد كتب الكثير عن هذا الموضوع من قبل مختصين مطلعين أكثر مني على هذا الموضوع، وأشير بصورة خاصة الى الدكتور جورج قرم في مؤلفه «تعدد الأديان وأنظمة الحكم» الذي أكد في مؤلفه المذكور (وهو في الأساس أطروحة للدكتوراه في الحقوق قدمت في باريس ونال عليها تقدير جيد جدا) على الروح التحررية التي يتسم بها الاسلام من خلال المبدأ القائل «لا إكراه في الدين» بما يتضمنه ذلك الاقرار لغير المسلمين بحقهم في العيش وممارسة معتقداتهم وشعائرهم بكل حرية.
كما ألفت النظر الى ما عرضه أستاذنا الكبير الدكتور إدمون رباط في مقدمته للطبعة العربية لهذا المؤلف القيّم الذي نشرته «دار النهار» الى الدور الهام والكبير للخليفة عمر بن الخطاب تجاه أهل الذمة في المجتمع الاسلامي وتحديده الطبيعة التعاقدية لعلاقتهم بالسلطة في هذا المجتمع، حين يشير أستاذنا الى أن عمر بن الخطاب يعتبر أن أهل الذمة قد وضعهم الاسلام تحت حمايته ليس منة منه تجاههم بل لأنهم يشكلون مادة الاسلام التي تمد البنية الاقتصادية للمجتمع الاسلامي بأسباب البقاء، في حين يفرض على المسلمين ان ينشغلوا بالفتح الاسلامي ويشكلوا طبقة المحاربين. بحيث ان وجود الذميين في المجتمع الاسلامي ليس نتيجة تسامح فقط وسلوك يمكن نقضه وتغييره بين فترة وأخرى بل هو موقف سياسي يندرج كثوابت في إطار الشريعة الاسلامية.
لعل المسألة الأساسية في علاقة الإسلام تاريخيا بالمجتمع المعاصر هو الخلاف ما بين القائلين بأن الاسلام ذو طابع ديني روحي بحت منفصل عن الحياة الزمنية، وما بين القائلين بأن الاسلام دين وسلطة معا، أي وجود ترابط بين الزمني والروحي فيه، مما يعرقل نزع الطابع الطائفي عن المجتمع في مثل تلك الحالة.
فإذا أمكن فصل الروحي عن الزمني في المجتمع أصبح للمسيحي كما للمسلم الحقوق نفسها في ممارسة السلطة السياسية، أما إذا جرى القول بالتلازم بينهما، فإن تنظيم المجتمع سياسيا سيتم وفق قواعد إسلامية، الأمر الذي من شأنه تهميش المسيحيين وحرمانهم من المشاركة النشطة في تسيير شؤون الدولة.
إن هذه القضية تذكّر الى حد بعيد بمبدأ الفصل بين الدولة والكنيسة في أوروبا وخصوصا في فرنسا التي كرّست ذلك في قانون صادر عام 1905 يفصل بموجبه بين الدولة والكنيسة مكرّسا حرية المعتقد لجميع المواطنين.
ولعل أول من عمل على فصل الدين عن الدولة في العالم العربي هو محمد علي باشا الذي عمل على إضعاف رجال الدين ومنعهم من التدخل بشؤون الدولة حتى أنه قام هو بتعيين شيخ الأزهر، وهو تقليد لا يزال حتى الآن موجودا في مصر.
وقد نجح محمد علي باشا نجاحا كبيرا في فصل الدين عن الدولة والمجتمع، وأناط مهام تطوير المجتمع بالمثقفين التحديثيين متجنبا إعطاء أي دور لرجال الدين في ذلك، وجرى تحجيم هؤلاء عن طريق عمله على إرسال بعثات تعليمية الى أوروبا من أشخاص من طوائف وقوميات متعددة، وأناط بهؤلاء فتح مدارس علمانية، بحيث قطع الطريق على رجال الدين بإمساك المجتمع عن طريق التعليم والتوجيه الدينيين، كما يحدث الآن في لبنان حيث تقوم مؤسسات دينية وحزبية باستخدام التعليم كوسيلة لإمساك المجتمع، من حيث تخفيض الأقساط المدرسية لأبناء طوائفهم من جهة وتوجيه طلابهم دينيا وسياسيا واجتماعيا وفق ما يخططون.
ولا بد من الإشارة الى أن مبدأ انفصال الدين الاسلامي الروحي عن الزمني وجد ميدانه الرحب لدى قافلة الاسلاميين الاصلاحيين في القرن التاسع عشر، ويأتي الإمام الشيخ محمد عبده من أوائل القائلين بفصل الدين عن السياسة، فهو يطرح المسألة انطلاقا من ان المسلمين يتلقون دينهم من القرآن والسنة من دون أية حاجة الى سلطة دينية وسيطة بينهم وبين ربهم، الأمر الذي يجعل المؤسسات الدينية من إفتاء ورجال دين حالة اصطناعية ليس لديها أية سلطة على إيمان الأفراد.
كما يقول بأن عدم وجود سلطة دينية من شأنه ان يؤدي الى عدم وجود سلطة سياسية ذات طابع إسلامي، ليصل الى القول بأن تحديد السلطة السياسية منوط بإرادة المواطنين وعلى قاعدة الشورى وليس نتيجة حق إلهي خلافا لما هي الحال عند المسيحيين.
ويصل إلى أن كون السلطة ذات طابع مدني يعني وجوب عدم التفرقة بين المواطنين بسبب انتماءاتهم الدينية.
كما تناول هذا الموضوع أيضا الشيخ عبد الرحمن الكواكبي الذي عرف بمؤلفه الشهير «طبائع الاستبداد»، وقد تناول موضوع العلاقة بين الدين والسياسة منطلقا من ان الدين هو أمر وجداني لا علاقة له بالأمور المعيشية بما يؤدي الى القول بوجوب فصل السلطة الزمنية عن السلطة الدينية في الاسلام واصلا الى الاستنتاج ان القوانين المتعلقة بأمور الحياة في المجتمعات الاسلامية يجب ان تكون متلائمة مع قوانين البلاد المتحضرة وليس من الدين الاسلامي، مؤكدا بالتالي على أن السلطة السياسية تخضع للرقابة الشعبية وليس للهيئات الدينية.
الشيخ علي عبد الرزاق تناول هذا الموضوع بدوره بشكل تفصيلي في كتابه «الاسلام وأصول الحكم» الذي نشره عام 1925 حيث انطلق من سؤالين مفترضين طرحهما على نفسه هما: هل ان قضية الخلافة من أصول الدين؟ وكان بذلك يرد على محاولة الملك فؤاد في مصر إعطاء نفسه صفة خليفة المسلمين.
أما السؤال الثاني فكان: هل ان الاسلام وباقي الأديان السماوية صالحة كأنظمة حكم في العصر الحالي؟ وكانت أجوبته على هذين التساؤلين بأن السلطة السياسية والقضاء ووظائف الحكم لا علاقة لها بالدين الاسلامي، وأن سلطة النبي محمد صلى الله عليه وسلم انحصرت بإبلاغه رسالة الاسلام الى الناس فقط، وأنه لم يكلف بأية مهام أخرى ذات طابع سياسي. واصلا الى القول بأن السلطة هي من أغراض الدنيا وليس الدين، وأنه لا دخل للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالسلطة الدنيوية لأن سلطته دينية فحسب.
ثم يقول بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يعيّن خليفة للمسلمين لا عن طريق الشورى ولا عن طريق البيعة، وأن كل الخلفاء الذين أتوا بعده سلطتهم ذات طابع مدني سياسي وليس دينيا. متوصلا الى أنه لا شيء يمنع المجتمعات الاسلامية من بناء أنظمتها السياسية على أحدث ما أنتجته العقول البشرية وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم على حد تعبير الشيخ علي عبد الرزاق نفسه.
ثم ينتهي الشيخ علي عبد الرزاق الى القول بأن نظام الحكم الديني الذي اتبعوه في الماضي هو سبب تخلف المسلمين، وأن على هؤلاء اذا أرادوا ان يتطوروا ان يأخذوا بالقوانين الوضعية المتناسبة مع مستوى تطور المجتمع ويخضعوها لأعمال العقل.
وقد تناول هذا الموضوع في مصر عدد كبير من المفكرين من مؤيد لاستقلال الدين عن الدولة ومعارض له، الا ان السياق العام للحركة كانت باتجاه فصل الدين عن الدولة، وهو الأمر الذي حمى وحدة مصر وتعاضد أبنائه على المفاهيم الوطنية الاستقلالية في جميع مراحل تطور المجتمع السياسي في مصر لحين المرحلة الساداتية.
وهكذا، كما نرى، تم تناول هذا الموضوع منذ عشرينيات القرن العشرين باتجاه التيار القائل بفصل الدين عن الدولة، وكانت هذه الأفكار هي الارهاصات التي أوصلت للحكم عام 1952 قيادة سياسية ثورية في مصر تركت تأثيرها على العالم العربي هي قيادة الرئيس عبد الناصر. وأهم ما قامت به قيادته رفضه ربط النهضة العربية بنموذج الدولة الاسلامية التي وضع أسسها النبي محمد صلى الله عليه وسلم وربطه لها بالعلوم الحديثة المستندة الى أحكام العقل، ومن جهة ثانية رفضه اعتبار الاسلام ايديولوجيا متكاملة توصل الى قيام دولة حديثة ومجتمعها المتطور، وقبوله فقط باستخدام الشعور الديني للدفاع عن القضايا السياسية. كذلك رفض عبد الناصر مبدأ بناء الأوطان على الأسس الدينية معتبرا ان ذلك يصب في صالح الاقرار بكيان الدولة الاسرائيلية التي يقوم بنيانها السياسي على الدين اليهودي.
وقد توصل عبد الناصر عام 1955 الى ذروة انتصاره على التيار الداعي الى اعتبار الاسلام دين ودولة حين قام بإلغاء المحاكم الشرعية والمجالس المالية القبطية وأناط بالمحاكم المدنية تطبيق أحكام الأحوال الشخصية على المواطنين، وهذا يعني اخضاع المؤسسة الدينية لسيادة الدولة. هذا الأمر الذي عجزت عنه عديد من الدول بما فيها لبنان حين أضرب المحامون فيه عام 1951 احتجاجا على إقرار القوانين التي أدت الى إيلاء المحاكم الروحية الاسلامية والمسيحية واليهودية صلاحيات قضائية يجب ان تكون مناطة بالقضاء المدني وليس بالفرق الدينية. وقد استمر اضراب المحامين ستة أشهر من دون ان يتوصلوا الى نتيجة واضطروا الى التراجع عن مشروعهم الوطني والدستوري.
بعد موت عبد الناصر انكفأ المشروع الوطني وابتدأت تظهر علائم مرحلة جديدة سمّاها ألبرت حوراني مرحلة اضطراب النفوس حين بدأت ملامح تغيرات في المجتمعات العربية إذ تراجعت القوى العلمانية صاحبة مشروع التحديث الوطني الى الوراء بتأثير الاخفاق الذي أصاب المشروع القومي الذي قاده الرئيس عبد الناصر والقوى التقدمية منذ حرب 1967 وأخليت الساحة للتيارات الاسلامية التي أملت ان تكون بديلا للمشروع القومي.
ان القاسم المشترك لمختلف التيارات الاسلامية من الاخوان المسلمين في مصر والبلدان العربية، والجماعة الاسلامية في باكستان، وحزب التحرير في الأردن وأوروبا ولبنان، والجبهة الاسلامية للانقاذ الجزائرية، وحزب «النهضة» التونسي، و«حزب الله»، ومنظمة «القاعدة»، انها جميعا تعتبر نفسها نقيضا للمشروع العلماني التحديثي الذي انهزم مع رحيل الزعيم جمال عبد الناصر. وهم يعتبرون ان المشروع العلماني حمل الفكرة التالية: ان مشاكل الشعوب العربية والاسلامية وأمراضها سببها الاسلام الذي جاء لمرحلة معينة من التاريخ انقضت، وان خير هذه الشعوب هو في استئصال الاسلام من حياتها. في حين ان الحقيقة برأي تلك التيارات الاسلامية جميعها ان الاسلام على عكس ما يقول العلمانيون يمكنه وضع أسس لحياة معاصرة لأنه مستمد من كلمة الله.
وتستند غالبية هذه التيارات الاسلامية (باستثناء «حزب الله» طبعا الذي يسترشد بتعاليم الإمام الخميني) الى الأفكار التي وضعها الإمام أبو الأعلى المودودي الباكستاني الجنسية الذي اعتبر ان الله سبحانه وتعالى هو الذي يسيّر أمور الناس وقد نظّم شؤون الكون ووضع قواعد تنظيم حياة الناس في القرآن الكريم الذي وضعه على لسان نبيّه المصطفى محمد صلى الله عليه وسلّم، وأنه يقتضي العودة الى القرآن كلام الله والى سنّة رسوله للأخذ بما جاء فيهما والاكتفاء به. وأن لا سلطة سوى سلطة الله عز وجل بما أتى به عن طريق نبيّه محمد صلى الله عليه وسلّم.
هذه الأفكار تعني ان الاسلام هو الدين والدنيا وأنه لا حل لمشاكل البشر والمسلمين على الأخص إلا بتأسيس دولة اسلامية تستند الى الشريعة الاسلامية كمصدر وحيد وتعمل على تطبيق القوانين الإلهية المستمدة من هذه الشريعة المنزّلة في كل ما يتعلق بأمور الحياة والمجتمع.
ان هذه الأفكار تؤدي الى عدم القبول بما أفرزته تجارب البشر من أنظمة سياسية وأشكال للحكم سواء أتت قبل الاسلام او بعده مثل النظام الديموقراطي لأنها من وضع البشر ولا يمكن إحلال القوانين الوضعية التي وضعها هؤلاء محل سلطة الله.
وهكذا، فإن هذا الطرح أدى الى وضع الانسان بمواجهة الله.
من ناحية أخرى، فإن هذه الأفكار تؤدي الى رفض للتعددية والحق في الاختلاف ورفض لحرية التعبير، لأن كل ذلك يتعارض مع سلطة الله المطلقة التي قالها في القرآن. وهذا من شأنه ان يؤدي الى عدم التسامح الديني.
ان كلمة الله هي: الاسلام بحسب الفقيه والعالم أبو الأعلى المودودي، وبالتالي على غير المسلمين القبول بسلطة الاسلام والشريعة الاسلامية في تنظيم شؤون حياتهم والقبول بنظام الدولة الاسلامي.
وهذا يعني أنه لا يعود لغير المسلمين من يهود ومسيحيين وهندوس الذين يعيشون في دار الاسلام من مفر سوى القبول بسلطة الاسلام دينا ودولة.
وتعزو تلك التيارات الاسلامية السبب في حالة التخلف التي تعيشها المجتمعات الاسلامية الى اتباعها المنهج العلماني الذي يعتبر بحسب زعمهم نتاجا أفرزه الغرب المسيحي وسيطرة هذا الغرب عليهم بقيمه وعاداته وتقاليده. من هنا يتوجب على المسلمين بحسب هؤلاء رفض الثقافة الغربية وقيمها التي يعتبرونها ذات طابع مسيحي. من هنا موضوعة الصليبيين الجدد لديهم، إذ أنهم يجدون في المسيحيين (ويضيفون اليهم اليهود، مع ان اليهود كانوا دوما ضحية في المجتمعات المسيحية) مصدر الشرور في المجتمعات الاسلامية خصوصا في ارسالياتهم التبشيرية ومرسليهم ويعتبرونهم السبب في نقل أمراض هذا المجتمع الغربي المسيحي من انتحار وإدمان للخمور والمخدرات وخلاعة في مظاهر حياته الخ... الى المجتمعات الاسلامية.
ويخلصون الى ان المسلم لا يستطيع العيش تحت وصاية هؤلاء المسيحيين الذين يسمونهم كفاراً (مع أن القرآن أتى على ذكرهم كأهل كتاب)، وبالتالي على المسلمين ان يقيموا دولتهم الاسلامية ويعرضوا على المسيحيين إما الالتحاق بهم او الرحيل عنهم.
وفي حال عجزهم وبقاء المجتمعات الاسلامية غير قادرة على إقامة الدولة الاسلامية الموعودة فان على المسلمين ان يهاجروا من هذه المجتمعات اقتداء بالرسول حين هاجر من مكة الى المدينة لمتابعة نشر الاسلام، وأن يقوموا بتدمير تلك المجتمعات من الخارج.
إلا أن ثمة تيارات إسلامية تبدو أقل تشنجا تجاه المسيحيين، فتيار الجماعة الاسلامية في باكستان متأثرا بفكر الإمام أبو الأعلى المودودي يبدي تسامحا تجاه الهندوس، كما ان الإمام الخميني أشار بوجوب التسامح تجاه الأرمن حتى أنه سمح لهم بصنع الخمور وتناولها طالما أنها لا تشمل المسلمين، وهؤلاء يشاركون في الخدمة العسكرية مثلهم مثل باقي المسلمين الايرانيين. كما أنه لم يفرض على المسيحيين واليهود الحماية التي يطلق عليهم بنتيجتها تعبير أهل الذمة التي لا يزال الاسلام الأصولي السني مصرا عليها.
ثمة تيار اسلامي اصلاحي يعتبر المطالبة بإقامة نظام الدولة الاسلامي ينحصر في الدول الاسلامية التي لا يوجد فيها الا مسلمون، أما إذا كان في البلد الذي يعيش فيه مسلمون فيه تعدد أديان فان العلمانية تصبح في تلك الحال الخيار الأفضل. الا ان هذا التيار موجود في البلدان التي لا تضم الا مسلمين فقط، مما يعني ان هذا الموقف نظري بالنسبة لجماعة هؤلاء التيار.
وهكذا، فإن العالم العربي أضحى يعيش تحت ظلال تيارات اسلامية متشددة تعمل على انشاء نظام دولة مبني على أحكام الدين الاسلامي. من هنا فإن من شأن هذا الهدف الذي يعملون له الى ايجاد مناخ اسلامي متشدد ضد غير المسلمين وعلى الأخص المسيحيين، وهو السبب في تحول المسلمين الى حالة اللامبالاة التي يتصرفون فيها تجاه ما يحصل للمسيحيين في المنطقة لأن تلك التيارات الاسلامية المتشددة أضحت تمارس تأثيرا كبيرا في المجتمعات الاسلامية. وهو شيء يلمسه كل انسان نتيجة الزيادة الكبيرة في عدد المصلين التي لم تعد المساجد تتسع لهم والتعديل في طريقة لباسهم بما في ذلك استخدام الحجاب لدى النساء. هذا المناخ يصعب معه خلق حالة انفتاح على غير المسلمين في هذا العالم العربي وتفهّم لهم ولظروفهم. هو السبب في تلك الحالة التي أشرنا اليها في مقدمة هذا المقال عن تغير علاقة المسلمين تجاه المسيحيين وعدم وقوفهم في وجه العسف الذي يمارس ضدهم. من هنا وجوب العمل على مواجهة هذه المخططات التي تعمل لها تلك التيارات الاسلامية المتشددة بما يؤدي للمحافظة على الوجود المسيحي في المنطقة وإشعارهم بأنهم جزء أساسي من هذه الأوطان العربية يتساوون في الحقوق والواجبات مع المسلمين والخلاص من حالة أهل الذمة التي أوجدت عند ظهور الاسلام في ظروف محددة ولم يعد لها من مبرر. وكل ذلك لأجل إبقاء حالة التنوع والغنى في البلاد العربية اللذين يوفرهما الوجود المسيحي فيه.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم