|
في عصر الاستبداد الإعلامي : إعادة كتابة الانحطاط العربي |
|
|
|
هلوسات -
مختارات متنوعة
|
|
24 آذار 2008 الساعة 20:53 |
|
مطاع صفدي - القدس العربي
بدون اللجوء إلي كتابة اللفظوية الملتوية والعبارات المتداخلة، واصطناع الارتجاعات العلموية، تلك التي يختلقها بعض الكتبة من النوع اليساروي القديم والوافد علي الليبرالية الجديدة، بطريقة الانحطاط الكلي عينه الذي يلف الحاضر العربي، بكل ظواهره وبواطنه، يدون كتابة الفراغ المعقد هذه، ينبغي التسليم بأن أصعب ما في كتابة الانحطاط هو نجاتها من المصير الانحطاطي الذي تترصَّدُه عبر تعابيرها عنه ومفاهيمها الكاشفة عن معانيه، أو الموبوءة بعاهاته عينها. وأخطرها ولا شك هو الهروب من الحقائق إلى أشباهها، وخاصة في مجال تسويق الصحافة الفكروية، أو هذا الفيض الغثّ من التصحيف الفكروي، الذي يُراد منه ليس تزوير الوقائع المنظورة وحدها بل تزوير العين الناظرة ذاتها، بحيث يغدو انحراف الرؤية سابقاً على تحريف المرئي. أي عندما لا يعود العقل قادراً علي تمييز الحق من الباطل فحسب، بل دون أن يدري قد يتمسك بالباطل المبذول والمفروض دائماً بديلاً عن الحق، إذ بات مجهولاً، لن يُعرفَ له وجهٌ بين كل الوجوه المحيطة، أو بالأحرى بين تلك الوجوه الأقنعة، ولا فارق بين اللفظين، أو المشهدين في تسونامي التحليلات العولمية الغازية للإعلام المكتوب، كما للمرئي والمسموع. يصير هو الحقيقة. والواقع هو المنسي لدرجة اللامبالاة الجماعية الفعلية بأحداثه، سواء صدقت أو كذبت معظم الخطابات الذائعة عنها. إنه تحييد الجماهير عن أحداثها. والأصح هو القول بعدم نسبة الأحداث إلى جماهيرها أصلاً، وإن كانت تتناول شؤونها الحيوية سلباً أو إيجاباً. هنالك دائماً فُعلاء آخرون ينتحلون صفة الوكلاء عن الناس. وقد يُصطلح عليهم بأسماء الشخصيات العامة. وفي المجتمعات المتخلفة يحتكر الحكام عادة وظائف الشخصية العامة للمجتمع. فهي الآمرة الناهية والصانعة لنموذجيْ العقل والإنسان المسموح بانتشارهما، والمطلوب النسج علي منوالهما لدى الكافّة. وقد تقبل هذه الكافّة مصير القطيع الذي لا يعلم من أمر راعيه إلا عصاه القائدة الضاربة، وإلا صيحاته الدافعة أو الزاجرة. تلك كانت حالة الخضوع المعروفة الحدود والأطراف والآليات. لكن مع عصر عولمة الإعلام الانحطاطي، تحولت العلاقة من الإخضاع الخارجي الرأسي إلى نوع الانقياد الطوعي للمكتوب والمسموع والمرئي، وخاصة لهذا الصنف الثالث الذي اختصر مشاهد العالم في شاشته الصغيرة. إنه أحدث أشكال الاستبداد الفاقد لمركزية ردود الفعل المعتادة عليه. بمعنى أن الاستبداد الإعلامي يجهض سلفاً كل ثورة عليه، هذا فضلاً أنه لا يمتلك ثمة مركزاً تجسيدياً يمكن أن تستهدفه حركات التمرد على وسائله ووصفاته المعلَّبة. وضحاياه من تلك الجماهير المغفلة، منساقة تلقائياً في تيار انطباعاتها المباشرة تحت وطأة سيول الكلمات والصور والمشاهد الهاطلة عليها من كل حدب وصوب. منابر البث والنشر والإرسال تتحول إلي مراكز قوة وسلطة غير منظورة بالرغم من كل فعالياتها المؤثرة في جماهيرها. فالإعلام في المجتمعات المتخلفة أو الانتقالية لن يحتل المرتبة الرابعة بعد سلطات الدولة الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، كما هو متعارف عليه، بل تكاد تغدو هي السلطة الأولى المتحكمة في الدولة نفسها كما في المجتمع. حتى عندما يرتبط الإعلام بالنظام الحاكم عضوياً، وهي الحالة السائدة خاصة في مجتمعاتنا العربية، فإن أصحاب النظام أنفسهم لن يكونوا في منجاة عن التأثر بإنتاج أجهزتهم الدعاوية، والتقولب حسب الأوصاف التي تغدقها على أشخاصهم وأفعالهم والمؤثرة حتى في تحديد مواقفهم وقراراتهم السياسية، حسب التحليلات المصنّفة والمنصبّة على سلوكاتهم اليومية.
يشكل الإعلام المعاصر ما يشبه تكوين عالم ثالث بين كل من عالم الإنسان وعالم الواقع حوله. وقد كانت الفلسفة، المعرفية منها خاصة، تخصص هذا العالم الثالث كمحلٍّ للأفكار والقيم والمعاني اللغوية التي تكاد تستقل عن العقل والواقع معاً، وإن كانت تبني جسور التواصل بينهما، لكنها لن تبقى جسوراً محايدة بالنسبة لما ينتقل عبرها من هذه الأقانيم غير المرئية لكنها الفاعلة في تخليق العقل المجتمعي وتفاهمه مع ذاته ومحيطه الإنساني في آن معاً. إلا انه مع تعاظم وسائل الاتصال فقد يحدث أن تطرد مفردات الإعلام سكان هذا العالم (الثالث) الأصليين، من الأفكار والقيم والمثل والدلالات التقليدية للغة، وتعمل على إفراغه من حمولاته الرمزية المشكلة لمعالم الشخصية الجماعية. أو على الأقل فإن ثمة صيرورة من الصراع المضمر، تتنازع السيطرة على المحلّ الأول والمُعلَّي من هذا (العالم الثالث) المعنوي، ما بين تلك الحمولة الراسخة من أصول الأفكار والمعايير، وبين أشباهها الغازية، في محاولتها اغتصاب العقل الباطن للفرد والجماعة والتفرد بإصدار إيحاءاته، دون أن تُواجه بأية رقابة واعية. وعندما تكون الشعوب فاقدة للقدرة على التعبير السياسي الحر فإنها تكون معرضة أكثر من من غيرها لغزو الأفكار المعلَّبة والانسياق في تيار الشائعات السارية ذات المصادر المجهولة. هنالك معارك دونكيشوتية حقيقية تفتعلها هذه الشائعات فيما بينها. فيتخاصم الناس حول مجاميع من الفكرويات المطلقة في الفضاء العام. يغدو التغير التاريخي عبارة عن نقلة من حزمة فكرويات أو شعارات إلي حزمة أخرى، بينما لا تطرأ على الإنسان المقموع أية تحسينات في ظروفه الفردية أو العامة، بل يزداد الواقع المعيشي والمادي من حوله تدهوراً وانحلالاً. هكذا يمكن اختصار الخمسين أو الستين عاماً من عمر النهضة الثانية كونها كانت سلسلة من الحلقات المغلقة على ذاتها، محكومة بأنظمة معرفية مصنّمة، تستولي على الخطابات السياسية والمعايير السلوكية ويتصاعد نفوذها إلي مستوي الحقائق المطلقة، ثم لا تلبث أن تتهاوى وتمَّحي آثارُها بذات سرعة شيوعها وصعودها. لذلك كان من السهل دائماً على مراكز البث الاستعماري ضخ دفعات من اللفظيات الخادعة الجذابة لا تلبث أن تتحول إلى معايير تُقاس بها، توافقاً أو رفضاً، تحركات الجماعات ومواقفها الفكرية والسياسية خاصة. في لبنان، وفي معظم الأقطار الحارة في المرحلة الراهنة، تكاد تطغى الخطابات المتواترة في وسائل الإعلام على حقائق الأشياء في أرض الواقع. فإن لفظيات من مثل التغيير والاصلاح والاستقلال وسيادة الدولة تملأ أجواء الصراع اليومي، بما يشبه حرباً أهلية كلامية. فخلال تجربة الاستقلال الوطني الحديث، المؤرَّخ مع نزوح النفوذ العسكري والسياسي السوري، كانت اللعبة الإعلامية هي القائدة لمختلف الأدوار التي انقسمت إليها الفئات المتخاصمة حول كل الأسس المطلوبة لإعادة بناء الدولة اللبنانية السياسية الجديدة. استطاعت حِزَمٌ اللفظيات المتطايرة في الفضاء العام أن ترسم لكل مرحلة ومنعطف خارطةً توزع للآراء والمواقف الجماعية مختلفة. فقد تمت صياغة شعارات ونحت مصطلحات لفظوية لها، وتسويقها بسرعة النار في الهشيم. فتسيطر على الأسماع والأبصار لغات ووجوه وحركات ممسرحة في كل شيء. حتي يخيل للمراقب أنه يشهد تمثلية شعبوية شاملة لجميع أطرافها، بما فيها التحالفات الرجراجة والخصومات العابرة أو العائدة، والالتفافات على معاني الصراع الأساسية، بحيث لا يتبقي لها اسم أو عنوان على لسان أو تحت قلم، تُعرف به. وقد ينتهي الصراع اللبناني قريباً إلى الاصطدام بالواقع المرير، وهو أن الجميع قد ساهموا، بل شاركوا بوعي أو بدونه، في تطيير القرار المصيري من أيدي أية فئة منهم، مهما تعملقت قامتها السياسية وهماً أو حقيقة. كأنما كانت عربدات الوطنيات المحلية اللفظوية مقدمة إعلامية لازمة لإعادة سحب مشروعية الوطن من أيدي أصحابه، بادعاء أن سكانه لا يستحقون أن يؤلفوا شعباً، ولا أن تكون لهم دولة دستورية معترف بها أولاً من قبل مختلف أطياف المجتمع، قبل أن تكون صنيعة للغير. لبنان المتميز دائماً بمحاسنه وأسوائه معاً، لا ينفك يقدم كل يوم جديداً في مسار نموذج عن الديمقراطية يفترض أن يعطي دروساً عنها رمزية للديمقراطيات العربية القادمة، إن قُدَّرَ لها أو لبعضها أن ترى النور ذات يوم. فالتحدي الحقيقي الذي يواجهه لبنان، في لحظة الخيار بين التوافق علي مؤسسات الدولة الدستورية أو الحرب الأهلية، إنما يتشخص في الأجوبة حول التوافق أولاً عما يربط الديمقراطية بالوطنية. فهناك من يرى أن الديمقراطية تملك كفايتها الأهلية الضامنة لشرط الوطنية. في حين أن الرأي العام السائد في الثقافة النهضوية الواقعة دائماً تحت تهديد التسلط الأجنبي، هو أن الاستقلال الناجز بكل دواعيه المشروعة لا يمكن تحققه أو نموه المستمر إلا في كنف الدولة الوطنية الحقيقية. هذا النوع من النقاش لم يعد لفظوياً أو إعلاموياً. إنه يتوقف عليه المآل المنتظر لمصير لبنان وتجربته الملتبسة الرائدة رغم كل شيء. إنه حوار الصراع الحاد الذي ينقسم إليه عملياً، ويزداد انقساماً، الوجود الإنساني اللبناني، وليس النخبوي السياسوي فحسب. ذلك أنه استناداً إلى حجة الديمقراطية هكذا عارية من أية شروط وجودية، إن صح الوصف، يعصف نوع الإعلام المشبوه، الذي يبرر تحقق الديمقراطية تحت الوصاية الأجنبية، أو بفضل التدخل الخارجي مهما كانت صفته عربية أو دولية. ولعل مثل هذا التوجه في رفع شعار الديمقراطية بديلاً عن أبسط شروطها الوطنية التي تمس وجود شعبها ومصيره الإنساني والنهضوي، هو الثمرة العليا للعاصفة الإعلاموية التي سيكابدها النهضويون العرب، في هذه اللحظة من الانعطاف التاريخي نحو التحول الديمقراطي الوطني. إنها العاصفة الراهنة وليست الآتية فقط، وهي المترافقة مع أقوي هجمة استعمارية عرفها الشرق منذ بداية الزحف الأوروبي على أصقاعه قبل ثلاثة أو أربعة قرون. وقد أُخذ، ويُؤخذ بها الكثيرون من المثقفين العرب، فيما يشبه الإصابة بحمي حزمة جديدة من الفكرويات المسمومة المالئة لأجواء الفضائيات والتصحيفات المكتوبة؛ إنها النقلة الأخطر من حقبة الدوران في الحلقات المفرغة من الانصياع الطفولي لبوارق الإيديولوجيات، إلى لحظة إيديولوجيا الانصياع وحده. فالعاصفة الفضائية لا تحمل إلى العيون إلا غبارها الشفاف لتصيبها هي وبصيرتها بعمي الألوان والأشكال والمعاني معاً. وهي لا تزال في مرحلة الإعداد والتجارب الميدانية. وتكاد تسجل نقاط نجاح هنا أو هناك. لكن لحظة الوعي الممانع هي المتلعثمة حتى الآن؛ والمفجع أنها لا تعثر إلا على بعض أسلحتها القديمة لتدفع عنها العدو الحداثوي الزائف، المسلح بأحدث تقنيات اغتيال العقل ببعض أسلحته المسمومة عينها.
|