|
|
مختارات متنوعة
محرِّكات ذهنية الغرب وكابحات ذهنية العرب | محرِّكات ذهنية الغرب وكابحات ذهنية العرب |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 30 آذار 2008 الساعة 23:25 | ||
|
خليل احمد خليل - السفير
«اللي علمُه من كتابه خطأه أكثر من صوابه» (تمثل لبناني). ÷ بمقارنة معرفية ـ اجتماعية، ربما توصل العلامة اللبناني فريدريك معتوق ([) الى تقديم اجابات علمية جديدة عن سؤال التطوّر، منذ خمسة قرون ونيّف: لماذا تفوّق الأوروبي، ثم الغربي او الشمالي عموما، على جاره العربي، ثم الشرقي او الجنوبي خصوصا؟ بعودة الى مصادر التفوّق البشري، كشف معتوق في وقت واحد موارد الانحطاط البشري ايضا، مستندا لا الى فرز جيوبوليتكي للعالم منذ ,1492 بل الى فرز معرفي، عقلاني بنسبة، وتخيلي ـ فانتازي ـ بنسبة أخرى. وعنده ان محور الفرز هذا هو بذاته ارشادي، خصوصا بعدما تخطى المحرك الذهني للبشر هُوامَهم الجنسي وتوابعه: السحر، الخرافة، العبادات، المحرمات او المقدسات. اننا نعارض سيطرة الغرب على عالمنا، مثلا، لكننا لا نسعى الى استكشاف مرتكزاتها او محركاتها الذهنية، حتى نشخّص من جانبنا ـ ونحن على حق في رفض مثل هذه الهيمنة التي صارت مزمنة ـ الكابحات الذهنية او الخنّاقات الميتولوجية «المقدسة» لتاريخه، التي تحول دون تطوّرنا وتقدمنا باتجاه معرفة عالمنا، والكدح فيه بعلم وموضوعية لتغييره وتغييرنا في آن. هذا العمل العلمي لفريدريك معتوق ربما يكون ذروة بحثه العلمي. اذ انه في صفحات محدودة (187 صفحة) تمكّن، بمنهجية تحليلية ـ نقدية صارمة، من ابراز موضوع الساعة المعرفية بين عالمين يتباعدان، عالم الحضارة المهيمنة وعالم الحضارات الاخرى التي تكبح نفسها وهي تلهث وراء المكتشفات العلمية ـ التقنية، فتستهلك الموضوع، لكن من دون الاقدام، كذات، على ابداعه وصنعه. بمتعة عقلية قرأت هذا الكتاب ـ على ما فيه من عورات مطبعية، تستلزم طبعة جديدة في بيروت، هذه المرة ـ وفرحت صارخا: لقد وُلِد علم اجتماع المعرفة عربيا. هذا ليس تقريظا لزميل ولا ترويجا لكتاب. انه فرح بولادة علم. فأنا ما صادقت في حياتي سوى اثنين، عقلي وعلمي والعمل بهما. وها هما قد اجتمعا فجأة. وعندي ليس مصادفة ان يهدي معتوق كتابه هذا الى «لؤلؤة حياتي». فهو يعي ماذا أنجب. وليس لعالم ان يشكر نفسه بنفسه، إذ على علماء الحالة والمرحلة ان يتوقفوا عنده. لماذا كل هذا التقريب؟ .1 لأن «مرتكزات السيطرة الغربية» يفسر بشكل غير مسبوق ماذا حدث لمجتمعات الغرب ومجتمعات العرب وغير العرب، على مدى خمسة قرون. .2 لأن النقد الذكي الذي استبطنه الكتاب هذا للجماعات المطوقة بكوابحها، يعادل في نظرنا ما ذهب اليه الفتى الاشتراكي، إتيان دلابويسي (القرن السادس عشر) في «مقال في العبودية المختارة»، والذي أعلن فيه ان كل البشر أحرار، لكن بعضهم يختار بنفسه عبوديته، ويزعم او يجهل ان «آخرين» فرضوها ـ لم يفرضوها ـ عليه. .3 لأن الفكر الاجتماعي ـ المعرفي العربي لم يذهب بعد الى هذا المستوى من الدقة في تحليل ظواهر السيطرة الفائقة ونقائضها. II ÷ يصعب تقويم عمل علمي بهذا المستوى في مقالة صحافية. ومع ذلك سنغامر. فالمرتكزات المعرفية هي محركات ذهنية (السيطرة، المجادلة السياسية، التنظيم، المعرفة، الربح) سمح تناسقها التزامني والتعاقبي بانتاج غرب مهيمن، فيما أفضى عكسها الى انتاج جنوب مهيمن عليه. ولجواب عن سؤال: «الى متى»؟ يسعى معتوق الى عتق الذهن العربي مما يكبحه. فاذا كان الغرب قد فعل بنفسه ما فعل، فإن العرب مسؤولون عما فعلوا ويفعلون بأنفسهم. وبلا أسطرة او أدلجة، تقوم إشكالية المعرفة ـ ذات الموضوع الموجود دائما ولكنه يحتاج الى كاشفين ـ على ان قوة الغرب تنبع من جهده المتواصل لإعادة تأهيل بُناه المعرفية تأهيلا متناسبا مع كل عصر، وتقوم الفرضية المعرفية هنا على ما ذهب اليه التوحيدي في «مقابساته»: لماذا أشكل الانسان على الانسان، وعلى ما بلوره ف. معتوق: «فتماما، كما ان الغرب يعرفنا، علينا نحن أيضا ان نتعرف اليه» (مرتكزات، ص10). يشبّه الغرب بقوس ذات أوتار، منها المحرّك الجنسي والمحرّك الذهني، أي الغريزي وغير الغريزي، واستنادا الى «تيبولوجيا السيطرة» التي أنشأها ماكس فيبر (الاقتصاد والمجتمع)، يمكن التفريق بين طاعة اختيارية وفقا للمصلحة في الرضوخ لسيطرة، وبين طاعة اكراهية منافية بذاتها لمصلحة العامة، وتشي بعبودية تبدأ قمعية، وفي المجتمع تتحول الى عادة، ثم عبادة، ثم اختيار قدري، عنوانه: اسقاط التدبير، أي اسقاط المسؤولية الشخصية بعد تعطيل الكوجيتو. حسب فيبر هناك ثلاثة أنماط للهيمنة: قانونية، تقليدية، كاريزمية. يضيف اليها ب. سوروكين (الديناميتان الاجتماعية والثقافية) نمط «الدمج المنطقي الذهني» المعبر بدوره عن تدامج الجغرافيا والوظيفة والعلم. وفي تطبيقه لنظرية «الأنظمة الاجتماعية ـ الثقافية» يستكشف ف. معتوق النمط التوليدي الخاص بكل نظام او نسق، ويضيف اليها دور الأحداث التاريخية ـ وهي جغراسية بامتياز ـ في إعادة تأهيل الأفكار وتوظيف تصوراتها في منظار جديد، نسبي او كلي، يفسر ديناميتها؛ ودور الجبلة (Habitus) عند بيار بورديو، في حياة الافراد والجماعات، لا بوصفها فطرة مألوفة، بل بصفتها «بنية استعدادات منظمة تلعب دورا ناظما». وأخيرا دوران للتهذيب الأخلاقي وللتنشئة الاجتماعية. III 1 ـ المحرّك الأول للغرب ذهنيا هو مبدأ الهيمنة، المتماس مع غريزة البقاء (أكل الطعام واستهلاك الجنس)، والمتطوّر عند البشر من البيولوجي الى السوسيولوجي، والمتلبس دوما ملابس الهيمنة الحضارية بقصد «القوامة الثقافية والعلمية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية»، إخفاء لقوامته الغذائية والجنسية. تقوم معادلة السيطرة الذهنية على غير الغربي، على اشعاره دائما بأن ثقافته هي الأدنى، وتهدف الى جعله يائسا أبديا من امكان التساوي به. غربا، حل منطق الكنيسة محل منطق الدولة، بعد سقوط الامبراطورية الرومانية؛ ثم حدث العكس منذ نهاية القرن الخامس عشر، حين شكلت كليات العلوم الانتصار الأول للعلمية ـ أو ما سماه اليسوعيون العلمانية Locicisme ـ التي يخال العرب، مثلا، انها تسمية لادينية، بل ضد الدين. ما حدث عندهم هو ان رجال العلم والفكر ـ لا رجال الدين ـ راحوا يسيطرون أكثر فأكثر على سوق الأفكار، فارضين منطقا عقلانيا على منطق ايماني (لامعرفي) آخذ في التراجع حتى اليوم. وما حدث عند العرب، مثلا، تحوّل الخلافة الى لادولة، وتحللها الى سلطنات ووصايات سلالية محلية وخارجية غربية وغير غربية؛ وحلول منطق الايمان مكان منطق العلم وعلمانيته ـ أي النظر الى العالم بعلم موضوعي، بهدف التفوق على الطبيعة واستثمارها، فكانت العسكريتاريا الغربية جشعة، تدّعي تحضير غير الغربيين، فيما هي تبخل في نقل نماذجها النوعية المتقدمة اليهم: «لماذا لا ينقل الغرب عدالته الاجتماعية واحترامه للحريات السياسية الى البلدان التي ينتقل اليها، بل يُصدّر الى هذه البلدان ما هو معاكس تماما لهذه القيم العليا؟» (مرتكزات، ص41)، انه مرض التفوق، مرض احتكار الفكر الخلاق، الدينامي بذاته، واغراق غير الغربيين في دوّامات «التفكير الدائري»، دوّامات السلفي والأصولي، الهارب من التاريخ الى السماء. ومن نتاجه، بنظرنا، مرض التخلف، مرض اللاعلم او الكسل الذهني عند غير الغربيين عموما، والعرب خصوصا حيث يقوم التفكير السلفي الآمن، الرجعي والتنويري، الثوري والإرهابي، بـ«تجميد الحاضر وإلباسه صورة الماضي... وتمجيد هذا الماضي بحيث يضحي أهم من الحاضر» (مرتكزات، ص43). وبدلا من عودة مزعومة الى «ينابيع» يذهب دعاة الأصالة الى دوائر مغلقة، في زمن البث الفضائي، منجمين جمهورا بلا نخب علمية فاعلة ـ بسبب الأمية غير القابلة للمحو، رغم تكاثر الثروات ـ: جمهورا مدجنا على «تقديس» قواعد السلطة الموروثة، ومغلوبا بالالتباس الذهني وبالتعبئة الايديولوجية المضادة للعلم والمعرفة، بدعوى «التعبئة الدينية» كما هي الحال في المشرق العربي وغير العربي. حالة الغرب الفوّار علميا ومعرفيا، شخّص كارل مانهايم منصاتها الذهنية: العقلانية النسبية، ثم النسبية الاجتماعية (حيث حلّت غربا ثنائية العلمي/ الديني مكان ثنائية القرون الوسطى المؤمن/ الكافر، المتمادية عند العرب والمسلمين بثنائية الله/ الشيطان، الخير/ الشر... الخ، والمنفصلة نسبيا عن إطارها المرجعي الجديد، العقل الذي أقيم له عيد ـ عيد العقل ـ منذ ,1790 اثر الثورة الفرنسية). طبعا ما انفكت البشرية غربا وشرقا تحتفي بأعياد الله ومتعلقاتها؛ لكن التفوّق بالله، غربا، استضاف اليه شعورا بتفوّق الذات، جرى تسويقه لدى غير الغربيين على صور «تفوّق» على الآخرين. غربا، اقترنت التفوقية بعنصرية، فسجل أول اخفاق لعقلانية الغرب التي غادرت حقول ابتناء انسانية جديدة، الى مسوّغات تدميرها، بدءا من رفض مساواة البشر في التفوّق. لماذا حدث ذلك؟ لأن ذاتية غير الغربيين (وهي غريزية/ نفسية مشتركة) لم تتحول الى فردانية عقلانية، ثبتت كعنصر أساس في تكوين شخصية الغربي، زمن الحداثات وما بعدها (منذ 1970)، في مجتمعات المخاطرة وفردنة اللاتكافؤ الاجتماعي. فردانية الغربي علنية وعامة، أما ذاتية غيره، لا سيما العربي، فقد ظلت خاصة، خارج إطار المجتمع وضد منطق الدولة المجتمعية. المفارقة هي ان تلازم الفرد والحرية غربا أفضى الى مواءمة ذهنية بين الفردانية والجماعية، والى ترابط المدنيات بالأخلاقيات (Cirisme et Ethique). وان تلازم الفرد والعصبية، أفضى الى فوبيا الأفراد والجماعات للمساس بالتنظيم المجتمعي القائم ـ بلا زمن ـ وببناء السلطات المقامة وشكليات الحياة الدينية. أي أمراض التخلّف الفكري، الذي يطغى عليه خطاب سياسي هجين او مُهجّن. فالغربي قد يماشي العربي او المسلم، ظاهريا، في منطق أفكاره ضمن بلده؛ لكنه يرفض جذريا نقل هذا المنطق الالتباسي الى داخل الغرب ومرتكزاته المعرفية. إن العولمة الراهنة «تحمل في جوهرها جميع معاني فكرة الهيمنة الغربية... (فكرة) ان الكلمات هي مجرد أشياء نلجأ اليها لتمويه أفكارنا الحقيقية» (الأب تاليران، مرتكزات، ص57)، ومنها ان جودة الغرب في سلعه المصدّرة، تكمن أيضا في استرداده الأدمغة المؤهلة عنده لتصديرها ثانية الى بلدان المنشأ حيث تكون في خدمته. نهوة القول في الهيمنة: ان استراتيجية الاختراق التسويقية التي يقودها الغرب اليوم تحت مظلة العولمة تقوم على الامتياز العلمي والمعرفي معا؛ وإن الاقناع الخفيّ، بأكثر الوسائل علمية، هو الذي يتوسله الغرب الراهن لاستثمار الجنوب؛ وحين الفشل، معاودة تدميره في دوائره المغلقة؛ وإن النماذج الذهنية الغربية باتت تغتذي ذاتيا، معتمدة على استنفار ذهني دائم، يبدو انه أصعب من لعنة سيزيف التي يعانيها عرب اليوم؛ لكنه «ثمن ديمومة الهيمنة» الذي لا يتردد الغربي في دفعه. 2 ـ في المجادلة السياسية (Polemique) غربا، يجري الانتقال النسبي من الفرض الى الاقناع، بحيث تُستدخل السياسة ضمن ارادة المجتمع، وبحيث يولد «البرلمان» في المجتمع، ويستولد البرلمان الدستوري والتشريعي، ولا يلغى الآخر السياسي (المعارض الأقلي) بل يُستدمج ويُثمّر سياسيا في المجتمع لصالح البناء الاجتماعي العام. أما عندنا، فالآخر السياسي «عدو» كما آخر في عصبية قبيلة او طائفة، له السجن حين يُهزم، ولغيره القصر حين ينتصر. عندنا المونولوج يقابل الديالوغ المفتوح عند معظم الغربيين. الوظيفة الديموقراطية للمجادلة السياسية هي إذاً دمج الاجتماعي بالسياسي، أما عندنا فوظيفته معاكسة: محاكمة السياسي للاجتماعي، اذ لا مكان هنا للمقالة السياسية النقدية اللاذعة، إذ توصف بأنها تشهير او تحقير، او بمثابة «خيانة»؛ وطالما ان الانسان لا تحكمه الحرية، فأنى له الاندفاع خارج حدود ذاته، حدود بلاده المنهوبة، فضلا عن بلاده المفقودة؟ حين ينمو الشأن السياسي برعاية العقل، يسهم في تكوين كتلة بشرية خلاقة، باحثة دوما عن تناقضات بنّاءة تسمح لها بتجديد مقولاتها دونما خوف. أما عندنا فيجري ـ طبعا ـ تكفير الغربيين وتضخيم فسادهم الأخلاقي (ملائكتنا مقابل شياطينهم)، وتعقّب من يلوذ اليهم بمعرفة، واعلان فتوحات «التصلّب الديني»، وقصر السجال على أهل المجال: «الكلمة السياسية في برلمانات الغرب مسؤولة عن مستقبل مجتمعات هذه البلدان، في حين ان الكلمة السياسية إياها، في برلمانات بلدان الجنوب، مسؤولة عن ماضي مجتمعاتها» (مرتكزات، ص80). 3 ـ تقبع المعرفة بين ثقافة ماض ميت وثقافة حاضر حيّ؛ وتشي الانتظارية عندنا لا بقطع معرفي مع قرون وسطى، إلهية ـ شيطانية، بل بموجات انشطارات تفجّر عنقوديا المجتمعات المدنية ودولها الحديثة الوجود. فكيف الاستقلال؟ بالمعرفة السياسية، بالمعلومات والمعارف التي تؤسس ثقافة مقاومة، حين لا تندرج في مشروع هيمنة. المعرفة مخزون عندنا، يفتقر الى المهارة؛ وعندهم هي شبكة لفهم المعلومات الجديدة الوافدة. مخزوننا واحد: تقليدي. لم تعد مجتمعاته القديمة قائمة إلا في الفانتازيا. مخزونهم متنوّع، توليدي وفوّار، قاطع معرفيا مع قرون وسطى. والحال، فإن المعرفة الغربية هي في آن: مكتسبات، مهارات، كفاءات، مبنية على التخطي الإلزامي لمخزون الجيل السالف، بمنطق الاستيعاب التوليدي التجديدي. عندهم الماضي يموت ويُعرف؛ عندنا الماضي لا يموت، فيقدّس ويُعبد. وبعد، كيف نعرف ونحن نحول دون ولادة القول الذكي؟ لا تجدد المعرفة إلا المعرفة: «فالمكتسب المعرفي تصاهر وظيفيا، على الدوام، مع عملية التخطيط السياسية الكبرى التي رسمها الغرب لنفسه على المستويين الداخلي والعالمي» (مرتكزات، ص89) وتلازم المشروع التكنولوجي مع مشروع سياسي كولونيالي ـ ما زال قائما في فلسفة الهيمنة على العالم ـ وقامت دينامية المعرفة على فكرة البحث العقلاني، فكرة البحث في البحث او اختبار الاختبار. أما عندنا فالمعرفة توهيم وحدّها التصديق... او القتل (كما هي حال المأساة الجامعية العربية وانعدام مختبراتها ومراكز أبحاث، مقابل إسرائيل على الأقل). 4 ـ أخيرا، ربحوا وخسرنا. فإلى متى؟ ربحوا الدنيا، حين قرنوا العمل بالحرية، وقرنوا الانتاج بالربح، المرتبط بفكرتي الحرية والأسواق. العامل ربح ادخارا وهو يعمل؛ وعندنا، نعمل ونعمل، والمدخر الأكبر ليس من العاملين. الذهنية الربحية غربا تترجم قيمة العمل الاجتماعي. وعندنا العامل والعديم واحد، لأننا بدون عقلية اقتصادية عامة، قوامها ان الربح هو وسيلة للتقدم، وان فكرة التقدم اجتماعية ـ سياسية، لا اقتصادية بحتة، وان ربح العامل يؤول الى تقدمه الاجتماعي. عندنا الربح يسعى الى نفسه، لا الى التقدم، وهو كالمأذون السياسي الذي يجيز طلاق الفرد والاقتصاد، تمهيدا لطلاق بينه وبين سلطة الحاكمين، المسماة خطأ «دولة». فهل هذا كافٍ لفهم بؤس التخلف العربي؟. ÷ أخيرا، نختم بمساءلة: لقد حدد الغربي نفسه بنفسه. كائنا تاريخي ما بعد القرون الوسطى، منتم الى قوة مستعمرة، في بلد رأسمالي، اقتصاده ليبرالي، وبلده صناعي كليا او جزئيا، ودولته دولة قانون (للداخل) ذات عقد اجتماعي ومجتمع مدني؛ وهو حر في ان يكون مسيحيا او علمانيا، وناطقا باحدى اللغات الأوروبية المعروفة، وبلغات العلم والتكنولوجيا، لغة المعرفة العالمية الراهنة، ولا سيما لغة التجارة ـ، فكيف يحدد العربي نفسه مجددا، مقابل جاره وخصمه ومنافسه العالمي؟ إن الحرب من ثوابت علاقات الغرب بالجنوب، وخصوصا بالعرب والمسلمين؛ وإن غيلان الحروب البينية والخارجية، ظاهرها محلي ولبُّها دولي، يحوكها الغرب على منوال مصالحه هناك، لا على منوال مصالح أحد هنا؛ ولا يرى منظوره ـ بعد ماركس ـ ان زمن المساواة العالمية قد أزف بين الأخوة البشر؛ وهو لن يغيّر هيمنته تجاهنا، ما لم نؤسس على أرضنا لمرتكزات وجودنا، بدءا من كسر كابحاتنا الذهنية. فماذا ننتظر؟. ([) فريدريك معتوق، مرتكزات السيطرة الغربية؛ دمشق، دار المسبار، 2008
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|