أخبار Google
Google News العالم العربي
Google News العالم العربي
 
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

مواقع سورية
في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow الوزير والرقابة
الوزير والرقابة Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
31 آذار 2008 الساعة 19:25
عبده وازن - الحياة

إنها المرة الأولى يواجه فيها بجرأة وزير ثقافة لبناني قراراً رقابياً يمنع عملاً إبداعياً. كان الأمن العام في السابق يملك الكلمة النهائية في شؤون الرقابة ولم يكن يتراجع عن أي قرار يعلنه.

وعجز وزراء الثقافة مرات كثيرة عن إقناع هذا الجهاز الذي يتولى الرقابة عن العدول عن قراره. بل إن وزراء ثقافة كثراً ما كانوا يجرؤون على مواجهة الأمن العام فيغضّون الطرْف عن القضية أو يبقون على الحياد وكأن الأمر لا يعنيهم. ما عدا المفكر غسان سلامة الذي كان طليعياً في توليه هذه الحقيبة. وكم من وزراء فشلوا في محاولاتهم إبطال قرار بالمنع.

الكاتب طارق متري، وزير الثقافة اللبناني، لم يهب قرار الأمن العام في منع فيلم «برسبوليس» للمخرجة الفرنسية – الإيرانية مرجان ساترابي العالمية الشهرة. وقف ضد القرار فور صدوره قبل أيام معترضاً، ودان المنع جهاراً (وليس في الخفية) وأثار القضية في جلسة مجلس الوزراء طالباً من وزير الداخلية العمل على السماح بعرض الفيلم في الصالات.

طبعاً أعلن الوزير متري موقفه انطلاقاً من قناعته أن الفيلم لا يسيء الى الجمهور ولا يوقظ «النعرات» العنصرية والدينية ولا يمسّ الأخلاق العامة، بحسب ما يفترض قانون الرقابة في لبنان. ومما قال: «في العالم المعاصر لا يجوز منع عرض الأفلام ما لم يكن هناك سبب وجيه جداً». هذا كلام نادراً ما سمعناه من وزير ثقافة سابق. فالوزراء السابقون الذين تعاقبوا على حمل «حقيبة» الثقافة لم يكونوا معنيين مباشرة بما يسمى «ثقافة» وبعضهم كان على جهل بها وقد حُمّل الحقيبة لأسباب سياسية أو تمثيلية أو طائفية ومذهبية...

بدا جهاز الرقابة في الأمن العام مرتبكاً حيال القرار الذي اتخذه «مزاجياً» أو نزولاً عند رغبة أشخاص ما أو جماعة ما أو إرضاء لهؤلاء الأشخاص وهذه الجماعة. فهو أصدر أكثر من بيان معلناً مواقف مختلفة بين المنع والتريث في المنع... ولم يبرر القرار موضوعياً ولم يوضح – كعادته – سبب المنع ولم يعلله كما يفترض به. قيل إن الفيلم لم يرق سياسياً لأحد المسؤولين الكبار في الأمن العام فأصدر القرار وفي ظنه أنه سينفّذ من دون اعتراض، وفاته فعلاً أن لبنان لم يخلُ من أصوات جريئة تعترض وتحتج وترفض... ولم يلبث الأمن العام أن تراجع عن قراره مؤدياً هكذا «خدمة» كبيرة للفيلم الذي سيشهد إقبالاً جماهيرياً بعد منعه ثم السماح به. هكذا دوماً يروّج الأمن العام الأعمال التي يرفضها، عن غير قصد طبعاً ومن دون إرادته. لن أقول إنه «الغباء الثقافي» كما عبّر بيان الحزب الاشتراكي الذي دان المنع بل أقول إنه نقصان في الوعي والفطنة وحسن التصرف. والطريف أن الرقابة الإيرانية أعملت المقص في فيلم «برسبوليس» ولم تمنع عرضه في الصالات.

قدّم الوزير طارق متري مشروع قانون الى الحكومة يحظر الرقابة المسبقة على الأعمال الفنية والإبداعية عموماً. هذا مشروع مهم. ولكن ليته يمضي في سن مشروع يقضي بنقل مهمة الرقابة على الفن والأدب من الأمن العام الى وزارة الثقافة. وليتجشم الأمن العام مهمة الرقابة على الصحف والمجلات والكتب السياسية. لقد أثبت الأمن العام طوال أعوام أنه عاجز فعلاً عن إدراك معنى الفعل الثقافي وعن التمييز بين العمل الإبداعي والعمل الرخيص.

فالرقابة الثقافية تحتاج الى متخصصين ونقاد وأشخاص ذوي معرفة وخبرة، لا سيما أن قانون الرقابة الذي لم يتطوّر منذ أكثر من ستين عاماً (1947) لا يضمّ معايير أو مقاييس واضحة للفعل الرقابي. كل ما يضمّه أشبه بـ «الشعارات» والجمل – المفاتيح التي تتيح للرقيب أن يجتهد بنفسه في المقاربة والتأويل والتعليل... ويا له من اجتهاد!

يستحق الوزير طارق متري كل تحية. إنه أول وزير حقيقي للثقافة في لبنان على «قصر» عمر هذه الوزارة التي انطلقت منذ أعوام قليلة، وما برحت إسماً بلا مُسمّى. ويمكن القول – كما جرت العادة – ان في لبنان وزيراً للثقافة وليس وزارة أو وزير بلا وزارة. جاء طارق متري هذا المنصب من إرث ثقافي واختصاص أكاديمي ومراس طويل في حوار الأديان والثقافات والحضارات. باحث وكاتب خبر العمل السياسي في معناه العميق والتزم القضايا الحقة داعياً الى تحرير الإنسان سياسياً وفكرياً واجتماعياً والى ترسيخ دوره في قلب الجماعة. مناضل «إنسانوي» يدعو الى الحوار والعدل والإخاء مع الإيمان الشديد بالحق في الاختلاف. وخلال تولّيه وزارة الثقافة في الآونة الأخيرة استطاع أن يرتقي بهذا المنصب منجزاً خطوات مهمة لم تكن مألوفة في السابق على رغم «الفقر» المدقع الذي يحاصر وزارته.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم