|
بقلم: خليل صارم - سوريا ( متابعة مع نماذج عن الديمقراطيات ) . - إن المتابعة في موضوع الديمقراطية لايعني الخروج عن الموضوع الأساس ( العلمانية * في هذا القسم وعبر محاولة القاء نظرة على بعض الديمقراطيات الغربية بقصد محاولة فهم تناقضاتها ( في الثقافة والممارسة ) بحيث لايمكن أن نقع في نفس المطب ولكي لا نأخذ بها كمثال وقدوة بالمطلق أو كما هي عليه في واقع الحال كونها في كثير من جوانب تطبيقاتها تقدم أمثلة ضارة لنا كشعوب تحلم بالديمقراطية وترغب في اللحاق بركب الحضارة .. والقصد من بحث هذه الديمقراطيات وتطبيقاتها محاولة صياغة ديمقراطيتنا بحيث نتجنب السلبيات والألاعيب التي يمارسها زاعمي الديمقراطية في الغرب فلا نقع في نفس الفخ لنعود بعد عدة عقود فنندب أخطائنا على عادتنا .
- الديمقراطية البريطانية : على الرغم من أنها تعتبر متميزة ..ً فإن نظام الحكم فيها يعتمد صيغة الحزبين الرئيسيين حيث يصل الى السلطة بالأغلبية ومن دورة اقتراع واحدة وتشكل الحكومة من مجموع الأغلبية البرلمانية , السلطة الأساسية لرئيس الوزراء حيث أن الحكم بصيغته الأصلية هو ملكي بدون تأثير مباشر على السلطة وان كان الملك يملك حق الاعتراض في بعض الحالات . وهي توصف بأنها ديمقراطية برلمانية . - هناك أمر جدير بالملاحظة والاهتمام وهو أن هناك لجنة انتخابية تقوم بانتقاء المرشحين للنيابة ومنحهم الثقة وقد تأسست منذ العام 1867على يد الليبرالي ( عضو حزب الأحرار ) جوزيف تشامبرلين ثم اقتدى به المحافظون وهي فكرة ممتازة ..ثم أصبحت تقوم بدورها على الصعيد الوطني عامة . وبقي الحزبان ( الأحرار والمحافظون ) يتناوبان السلطة حتى ظهرت أحزاب جديدة غيرت من هذه النمطية أو بالأصح شوشت عليها وأضافت اليها نكهة جديدة على يد ( اليانور ماركس ) ابنة كارل ماركس التي أسست عام 1881 أول حزب اشتراكي اطلقت عليه اسم ( الاتحاد الديمقراطي ) وفي العام 1884 ساهم ( جورج برنارد شو ) و(آل ويب) بايجاد المجتمع الفابي أو الفابية التي تدعو الى الاشتراكية الديمقراطية والى تشكيل حزب يستند على الحركة النقابية وفي العام 1889 دعا مجلس نقابات العمال المجتمعات والجمعيات الاشتراكية والتعاونية الى الانضمام اليه وكذلك النقابات لتطوير وتنمية التمثيل العمالي وزيادة عدد أعضاء حزب العمال في مجلس النواب وقد تشكلت لجنة تمثيل العمال وهي الشكل الأول لحزب العمال , وقد تميز بأن الانتسابات الجماعية اليه هي التي كانت مقبولة . وهكذا سيطرت النقابات على الحزب وفي العام 1906 أصبح رسمياً وبشكل نهائي حزب العمال (labour party ) وهكذا حل مبدأ الأحزاب الثلاثة بدلا ً عن الحزبين . الا أن حزب العمال تمكن بمرور الوقت من الحلول محل الأحرار في لعبة تداول السلطة وبات يتداولها مع المحافظين . والواقع يؤكد أن الديمقراطية هنا تتكيء على الأغلبية وينتج عنها رئيس وزراء يكاد يكون منتخباً من الشعب وفق برنامج واضح ومحدد وملزم .الأمر الذي يوفر استقرار نظام يمكن تقييمه والحكم عليه بعد انتهاء ولايته .. مع ذلك فإن رئيس الوزراء ليس منتخباً تماماً من الشعب ولكن حزبه الذي فاز بأغلبية المقاعد هو الذي يختاره زعيماً له ليشكل الحكومة , وبهذا فإن الحزب يمكن أن يقيله في أية لحظة يراه فيها بات خطراً على الحزب من الناحية السياسية ( لاحظ ..مصلحة الحزب هي الأهم ) , وهكذا نرى أن رئيس الوزراء البريطاني يتمتع بالقوة لكنه ليس مطلق الصلاحية اذ أن مجلس النواب من جهة والمعارضة من جهة أخرى يعدلان ويحدان من سلطاته اضافة لحزبه , وهو يرأس الحكومة ويديرها كمؤسسة أما من الجانب السياسي فهو يرأس الحزب الذي يتمتع بالأغلبية . - باختصار فإن الديمقراطية البرلمانية البريطانية توصف بأنها ديمقراطية تعتمد على الأغلبية فالرئيس مسؤول أمام أغلبيته , أي أمام حزبه , لأن الأغلبية تنبع من الشعب وتريد أن ترى بنفسها مؤكدة ومثبتة في السلطة وفي الحكم . وهكذا أنه في حالة الأزمات يتم القياس على الأوضاع السابقة , بدلا ً من الانخداع بامكانيات التكيف والقدرة على البقاء والاستمرار وحسب . وأكثر من ذلك فإن ديمقراطية الأغلبية البريطانية قد شكلت بطرق أخرى غير الاقتراع الذي يعتمد على الأغلبية بدورة واحدة مدرسة ً للديمقراطيات الأوربية الأخرى التي تحاول الاقتداء بها بما يسمى نمط ( ويستمنيستر ) أو النمط ( الأنكلو سكسوني ) . • ( المصدر أوليفيه دوهاميل – كتابه الديمقراطيات ) . على صعيد التطبيق تتميز بالتالي : 1- لايمكن أن يسجن أحد دون أن يحاكم قضائياً بصورة شرعية . 2- قوانين الطواريء مستحيلة التطبيق في زمن السلم . 3- لايجوز أن تكون العقوبات مبالغاً فيها ولاقاسية أو غير طبيعية . ( وهذا مستمد من ضرورة وواجب دراسة أسباب ودوافع الجريمة وفيما اذا كان المجتمع والأنظمة والقوانين مسؤولة ًبالاشتراك مع العادات والأنماط السائدة عن ظهور المجرم وانحرافه ). (يمكننا القول بتجرد أن هذا تطور في آلية الديمقراطية يحسب لبريطانيا في داخلها وكان يتوجب أن يأخذ الطابع الثقافي الحقيقي في التعامل مع الشعوب الأخرى إلا أن ذلك لم يتعدى حدود بريطانيا وقد عمل بعض الفلاسفة أمثال جورج برنارد شو على انتقاد هذه الازدواجية بحدة فاضحاً عقلية السياسة البريطانية الاستعمارية ). - قد تكون هذه الديمقراطية ملائمة ومريحة للمجتمع البريطاني ولكن.. مالذي فعلته على الصعيد العالمي .. هل تطابقت خارجياً مع ماتؤمن به وتطبقه في الداخل .. ماذا عن المستعمرات .. ماذا عن تجارة العبيد والعصف بحقوق الانسان خارج حدود بريطانيا .. ماذا عن دعم العنصريات والديكتاتوريات والاعتداء على حقوق الانسان ونهب ثروات الشعوب . ألم تقف خلف انشاء كيانات عنصرية هي الأسوأ تاريخيا ً (اسرائيل وبريتوريا ). اذا ً فغالبية الشعب البريطاني دعم حكوماته وأيد الديمقراطية في بلاده مقابل كل هذه الموبقات .. معنى ذلك أن الشعب البريطاني شريك بشكل أو بآخر .. ترى هل هي حالة شيزوفرانيا . ؟. أليس هذا نسفاً للديمقراطية على اعتبار أنها تعبير عن تراكم ثقافي في المجتمع .. الآن هم يحاولون تسويق الديمقراطية في الخارج .. ولكن .. كيف..؟ كيف يمكن للعالم أن يثق بهم وهذه الموبقات وقائمة طويلة من الجرائم البشعة بحقها ماتزال ماثلة ومايزالون يمارسونها عبر سياستهم ..؟ ترى هل يمكن أن تكون العلمانية ومتلازمتها الديمقراطية مفصلة على القياس فقط وذات وجهين وجه خاص بهم ووجه آخر قبيح يقدمونه للعالم .. على كل حال هم أبناء ثقافة ( د. جايكل ..و..مستر هايد ) . كيف يشجعون تشظية المجتمعات في الخارج ويدعمون السياسة الأمريكية في خلق كيانات طائفية وأثنية في منطقتنا بينما هم يرفضونها عندهم ..ماذا عن ايرلندا ..؟ أليس الايرلنديين ينتمون للطائفة الكاثوليكية بينما بقية المقاطعات البريطانية تنتمي للطائفة البروتستانتية .. اذا ليمنحوا الايرلنديين استقلالهم طالما أنهم ينادون في منطقتنا باستقلال الطوائف والاثنيات . . هذا اذا لم نتحدث عن بقية المقاطعات والاختلاف بينها ..؟!! - لنلقي نظرة على مايسمى بالنظام الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية ونستعرض تطبيقاته وتجلياته ثم نحكم : - جاء في مقدمة الدستور1787 مايلي : ( نحن شعب الولايات المتحدة , في سبيل تشكيل اتحاد أكثر كمالا ً ومن أجل إقامة العدالة , وتوكيد الطمأنينة الأهلية , وتأمين الدفاع الوطني المشترك والعام , وتحسين الأوضاع العامة , وتوفير نعم ومباهج الحرية لأنفسنا ولذريتنا , نضع وننظم هذا الدستور للولايات المتحدة الأمريكية ) . - يقولون عن الدستور الأمريكي أنه ( تاريخ بلاد لاتاريخ لها والدستور خلق أمريكا ) . - نظام رئاسي يخضع لمراقبة سلطات متعددة : الرقابة الشعبية ( الانتخابات ) الرقابة القضائية ( المحكمة العليا ) . سلطات أخرى منفصلة . - في 4 تموز 1776 أعلن استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا وقد جاء في الاعلان مايلي : - يولد جميع الناس متساوين , مستمتعين من قبل خالقهم ببعض الحقوق التي لايمكن انكارها أو تجريدهم منها , من بين هذه الحقوق , حق الحياة , والحرية والبحث عن السعادة , ويشكل الناس الحكومات لضمان هذه الحقوق , وتنبع السلطة الصحيحة والعادلة لهذه الحكومات من تقبل وموافقة المحكومين . وفي أية مرة يصبح شكل حكومة ما مخرباً لهذا الهدف , يكون للشعب الحق في تغيير هذه الحكومة أو بالقضاء عليها . - هذه مفاهيم ومباديء يمكن أن توصف بالرائعة قياساً لما هي عليه الحال أو الواقع الحالي . ونسأل هل أن هذا حقيقة مايطبق على أرض الواقع : - الولايات المتحدة دولة حديثة لاتملك أي تاريخ وهي تحاول أن تبتدع تاريخاً لمجموعات بشرية وصلت اليها من شتى بقاع الأرض واستوطنتها على حساب سكانها الأصليين الذين تعرضوا لأسوأ أشكال الإبادة التي لم يحصل لها مثيلا ً عبر التاريخ الانساني ..ففي التاريخ القديم حصلت حملات تهجير أو مذابح بحق مدن كانت تشكل دولاً لكنه لم يحصل ابادة لعرق أوشعب بكامله كما حدث في الولايات المتحدة وهذه هي من أهم الأسس التي تنسف شكل ومضمون هذه الحضارة التي يحاولون التباهي بها على العالم .. لقد كان البديل للهنود الحمر ( السكان الأصليين ) في البداية ..مجموعات من شذاذ الآفاق وقطاع الطرق والمغامرين الملفوظين من مجتمعاتهم الأصلية , قدموا اليها في وقت كانت الاغراءات كبيرة للغاية في أرض مفتوحة مليئة بالثروة ثم ومع بدء استثمار تلك الثروة استقدم اليها العبيد المخطوفين من افريقيا على يد القراصنة والنخاسين للعمل في الأرض مجاناً ثم جيء بالصينيين الذين كانوا يرزحون تحت نير الاستعمار البريطاني ( سيء الذكر ) ليستثمروهم كعمال يدويين في تمديد السكك الحديدية وشق الطرقات والعمل في المناجم , فيما كان قطاع الطرق قد بدأوا بتنظيم أنفسهم كنخبة لهذا المجتمع الهجين مسيطرين على الأرض والثروة بدءاً بمزارع القطن والتبغ وقطعان الماشية وانتهاء بالذهب والنفط وبقية المعادن . - هذه هي ثقافة المجتمع الأمريكي الحقيقية التي تتباهى علينا بديمقراطيتها مع أنها الآن وفي بعض الولايات مازالت تنظر الى السود أو الملونين نظرة فوقية على اعتبار انهم عرق أدنى لايستحق أن يتجاوز مرتبة الخدم ومازال هناك حنين لمرحلة عصابات الكوكلوكس كلان التي كانت تطارد السود وتضطهدهم وتقيم لهم المحارق , هذا على الرغم من صدور القوانين التي تحظر التمييز العرقي وتفرض المساواة لكنها بالحقيقة مساواة على الورق في كثير من الأحيان بسبب وجود مايشبه الثقافة المتجذرة في وعي من يطلق عليهم بالنخبة , والواضح أن هذه الثقافة ( ثقافة الكاوبوي والقرصنة والتعالي ) نراها واضحة بشكل فاقع من خلال تعامل نظامها على الصعيد الدولي وفي نظرتهم للشعوب الأخرى - ماأوردته أعلاه كان من باب القاء نظرة على تلك المجتمعات وكيف بدأت بداية ديمقراطية وكيف تطورت هذه الحالة بمرور الوقت مع مايشوبها من انحرافات لكنها تبقى ديمقراطية وقد تستمر في حالة من التجاذبات لغاية الوصول الى أساليب جديدة متطورة في ممارسة السلطة تصل الى حال أفضل مما هي عليه من منظورنا كشعوب تتحمل الآثار السلبية للممارسة المنحرفة لتلك الديمقراطيات من خلال سلطاتها . - السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو : هل بامكاننا الدخول في الممارسة الديمقراطية وهل نحن مؤهلين لها .: إن تلك الشعوب عندما بدأت لم تكن بحال أفضل منا لكنها دخلت الباب من خلال حراكها ..بمعنى أنها دخلت بالقوة وليس بالتوافق والاتفاق مع مايسمى برموز المجتمع السابق .. لقد كانوا يملكون تراثاً طويلاً من المعاناة ربما كان أسوأ مما نحن عليه بكثير وقد أنتج الظلم البشع الذي كانت تمارسه السلطات المطلقة للملوك وبالتحالف مع القوى المتشددة دينياً ذلك الضغط الهائل الذي فجر كل شيء وأطاح بكل شيء لتبدأ التحولات بالظهور على أيدي رموز الثقافة الجديدة التي ساهمت في هذا الحراك العنيف ( الثورة الفرنسية ) ومااستتبعها من تمدد لهذا الحراك خارج حدود فرنسا ليشمل القارة الأوربية تدريجياً وإن لم يكن بمثل عنف الثورة الفرنسية وعلى الرغم من التحالف الدولي المضاد للثورة الفرنسية الا أن رياح التغيير كانت قد هبت ونشطت وانتهى الأمر ليظهر التحول التدريجي في مفاهيم وثقافة تلك الشعوب ويتمدد ويتجذر بحيث اكتسح كافة القوى التي حاولت مقاومة التغيير على الرغم من الوقت الطويل الذي استغرقه هذا التغيير والتجارب الفاشلة ومحاولة ركوب الموجة من قبل القوى القديمة وظهور قوى انتهازية ذات طموحات خاصة الا أن كل ذلك تمت الاطاحة به لمصلحة الافكار الحداثوية على الرغم من أن ذلك قد انتج حروب متعددة ( حروب نابليون .. الحرب الأهلية الأمريكية ثم الحربين العالميتين الأولى والثانية ) . - فهل نحن بحاجة لكل تلك المراحل لكي ندخل في الحالة الديمقراطية .. لاأعتقد بالتأكيد ..نحن الآن نتعامل مع نتائج التجارب العالمية وخلاصة ماوصلت اليه البشرية.. بنفس الوقت فإننا كشعوب نملك الكوادر المثقفة من الباحثين والمتخصصين والفلاسفة والمنظرين وكذلك القواعد المتعلمة والمتخصصة وكافة أشكال وأنواع الخبرات الأخرى كما أن ثورة الاتصالات وتقنيات التواصل قد أتاحت لنا المجال واسعاً لاستقراء واقعنا بصورة أفضل واجراء المقارنات اللازمة والضرورية مستفيدين من الحصيلة والنتائج التي وصل اليها العالم .. كما أن رقعة الوعي والتعليم تتوسع عندنا باستمرار بل أن بعض البقع العربية ( سوريا مثلا ً ) تكاد تقضي تماما ً على الأمية , معنى ذلك أننا بتنا مؤهلين تماماً للحراك المنطقي والعلمي السلمي ويمكننا أن نناقش حاجاتنا الايجابية وسلبياتنا بشكل مريح دون خشية من ردات فعل متخلفة وغرائزية الا في الحدود الدنيا والتي لاتشكل خطراً على المجتمع . لكن مشكلتنا الحقيقية تكمن في النخب المؤهلة لقيادة هذا التغيير , هذه النخب يجب أن تخرج من قلب الشارع وتبقى فيه لاأن تقبع في حضن الخارج لتصبح رهينة توجيهاته .. نحن بحاجة لنخب تقوم بدورها الحقيقي في توعية الشارع وتنظيمه لاأن تتركه نهب تجاذبات القوى المتشددة التي تسخف وعيه وتعكس صورة بشعة مغرقة في التخلف عنه وفق نمطية القرون الوسطى الأوربية . يتبع ...
Powered by AkoComment 3.0! تنبيه جميع التعليقات تعبر عن آراء اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
|