|
تأملات نصف مهاجر - ثقافة الفهلوة |
|
|
|
هلوسات -
قضايا و آراء
|
|
10 نيسان 2008 الساعة 21:02 |
|
بقلم: د.نعيم هيلانة " بلد ليس فيه صناعة بالمعنى الحقيقي للصناعة ، وليس فيه زراعة ذات مردود اقتصادي يؤدي إلى تحسين الحالة المعيشية للقائمين عليها، وليس فيه موادا أولية كافية لتأسيس صناعات جديدة تؤمن فرص عمل لجموع العاطلين عن العمل . بلد غير قادر على تنظيم تجمعات السكن العشوائي وتأمين مساكن لمواطنيه ، بلد فسدت مدارسه وجامعاته وأصبحت تنتج مكتبات متجولة على قدمين، الكهرباء بحالة مأساوية مزمنة وليست هناك أية حلول جدية ، والمياه حدّث ولا حرج والعطش آت لا محالة، الفساد متفشي ومحاولات تحجيمه باءت بالفشل فكيف بالقضاء عليه ، لا نظام ولا قانون ، و.. و.. و.. و "
تتكرر هذه الكلمات في أية جلسة تضم أكثر من شخص واحد وأحياناً بين هذا الشخص الواحد ونفسه ، ويبدأ التساؤل وقدح زناد الفكر ما العمل؟ الهجرة ! هذا هو الحل السحري ! هاجرنا إلى بلد فيه صناعة وفيه تجارة وفيه مواد أولية وفيه نظام متكامل للعمل والبطالة ، للصحة والمرض ، للأطفال والشيوخ ، للأمن والأمان ، للكرامة الاجتماعية والإنسانية،فيه نظام يسير وفقه الجميع وفيه قانون يطبق على الجميع ، وكل ما علينا فعله هو دراسة وفهم تلك الأنظمة والقوانين التي توجّه هذا المجتمع والعمل على الاندماج به للحصول على أفضل المكاسب والوصول إلى أفضل النتائج . ومع ذلك .. نشتم ونلعن هذا البلد والظروف التي دفعتنا إلى الهجرة وتحمّل الغربة وكربتها! فماذا نريد بالضبط ؟ ولماذا نبقى في ذاك البلد ؟ لم لا نعود إلى حيث كنا و نحاول تحسينه أو نقنع بما يتصدّق به علينا على الأقل بدلا من الشتم وصبّ اللعنات على الغير وكأن هذا الغير هو المسئول عما نحن فيه ؟ و إذا قررنا البقاء هناك- في ذاك البلد- لم لا نعمل على فهم السيرورات المعرفية-الاجتماعية الناظمة له و نعمل بالتالي على الاندماج به بشكل يوفّر لنا ما كنّا نسعى إليه ونحلم بتحقيقه عندما كنا نبحث عن حلول لمشاكلنا ؟ لكن يبدو أن الخلفية المعرفية-الاجتماعية المتراكمة في اللاوعي الفردي وبالتالي المجتمعي ترتكز على فكرة اتكالية قوامها الجلوس والدعوة للسماء كي تُمطر ذهباً وفضة والتحرك – في حال الضرورة- ضمن حدود ضيقة جداً ، والعمل ضمن الحد الأدنى قدر الامكان وذلك تحت ذرائع مختلفة ، فدائما هناك من يجب تحميله مسؤولية ما نعاني منه وهو دائما ليس نحن . هذا الكلام الذي ينطبق على الممارسات الفردية إنما ينطبق أيضاً على المجتمع ككل بما هو خلاصة لتلك الممارسات التي تطبع بطابعها السيرورات الناظمة لمجتمع ما لتشكل في النهاية توجّه هذا المجتمع نحو الانحدار أو نحو التطور. وإذا لم يتم تغيير هذه القناعات وبالتالي الممارسات بما يؤدي إلى تغيير الصيرورة العامة للمجتمع ،فإننا سنبقى نراوح في المكان، حيث تشكّل تلك المراوحة تخلفاً على مختلف الأصعدة الثقافية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية بالنسبة للمجتمعات الأخرى .والأسوأ من ذلك حين نحافظ على تلك الخلفية المعرفية-الاجتماعية المتراكمة فيما نحن نعيش ضمن تلك المجتمعات التي تتطور وفق سيرورتها الخاصة بغض النظر عن وجودنا – رغم محاولات دفعنا للانخراط والمساهمة في هذا التطور- وهذا ما يشعرنا بالتشتت ، فلا نحن قادرون على الاندماج ولا نحن قادرون على العودة ، ونبدأ بتكرار الأسطوانة المشروخة ذاتها مع استمرارنا باستخدام أساليب الفهلوة والشطارة للقفز فوق القوانين والأنظمة تحت ذريعة أن لها أهلها بينما لنا خصوصياتنا التي حملناها معنا ، تلك الخصوصيات التي تتألف من مجموعة من القناعات والممارسات المتكونة نتيجة انعدام - أوفي أحسن الأحوال - ضعف المنجز الإنتاجي- المعرفي وضياع بوصلة الأفق المستقبلي في مجتمعاتنا السابقة إضافة إلى عدم وجود أو في عدم تطبيق القوانين الناظمة لتلك المجتمعات ـ مجتمعاتناـ مما يدفعنا إلى سياسة "تدبير الرأس" التي ننقلها معنا ظناً منّا أنها تفيدنا أنّا توجهنا وتحمينا بالتالي من الانخراط في سيرورات مجتمعية مقوننة تعيق حركتنا السائبة ، وعندما نصطدم بالواقع نبدأ باختلاق الأعذار واستخدام الجمل الطنانة عن العلاقات الاجتماعية والحميمية المفقودة "هناك" وعن الفردية وعن وعن... وكلها"هناك وهناك فقط " وكلها سمات سلبية "باعتقادنا" نسم بها مجتمعاتنا الجديدة لتمنحنا بالتالي الراحة النفسية لتشكيل بؤرً متخلفة تجتر قناعاتها – إن كانت تملك قنا عات - إلى أن يقضي الله أمرا ًكان مفعولا .
|