إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






قضايا وآراء
في سورية
البداية arrow قضايا و آراء arrow تأملات نصف مهاجر 2 - المفاهيم: صراع أم توافق
تأملات نصف مهاجر 2 - المفاهيم: صراع أم توافق Print E-mail
هلوسات - قضايا و آراء
12 نيسان 2008 الساعة 20:12
بقلم: د. نعيم هيلانة
 
 أسس، أسس، أسس حتى ليظن المرء نفسه واصلاً إلى مركز الكرة الأرضية لاعتقاده بشدة رسوخها، فيما نظرة واحدة - عميقة بشكلٍ كافٍ – تُظهر أن كل تلك الأسس على درجة كبيرة من الهشاشة ولا يتجاوز عمقها القشرة السطحية.
أسس اجتماعية، أسس أخلاقية، أسس فلسفية، أسس أدبية، أسس سياسية، أسس جمالية، أسس اقتصادية، أسس عاطفية، أسس دينية، أسس مهنية، أسس عائلية، أسس تربوية، كل تلك الأسس والمفاهيم التي تشكل الخطوط الحديدية التي تسير عليها حياة الفرد- أي فرد- وتحيط به لدرجة الاختناق من أين أتت؟ كيف تجمعت وتراكمت وشكّلت هذه المتاهة من الجدران المفاهيمية؟ ومن أين أتتها كل هذه المناعة والقداسة الظاهرية؟

رغم أن الفرد هو حصيلة الأجيال الإنسانية السابقة على المستوى المعرفي والوراثي إلا أن الأسس والمفاهيم التي تحدد مجرى حياته الفردية والاجتماعية، هي أسس ومفاهيم نسبية زمانياً ومكانياً، وما التمسك بها رغم نسبيتها إلا دليل عجز عن استنباط أسس ومفاهيم جديدة تؤدي إلى تحرير الفرد وتجعل مسيرة حياته أكثر يسراً، وما الموروث الديني - بما هو مجموعة من الأسس الناظمة لحياة الإنسان والتي تحاول الإجابة عن أكثر تساؤلاته غموضاً ودون الدخول في متاهة الخلفية الإلهية لهذا الموروث- إلا الصورة الأكثر وضوحاً لتلك النسبية، فمنذ أن بدأت السلالة الواعية للإنسان بالتفكير في أسباب وجودها حتى بدأ تشكّل هذا الموروث وتطوره  من جيل إلى جيل مسايرا لتطور الأجيال الإنسانية مرة ، متخلفا عنها مرة، ومتقدما عليها  مرة ، إلا أنه كان في النهاية يتغير حسب الزمان والمكان ساحبا معه مختلف الأسس  التي كانت تبنى عليها حياة الإنسان مغيرا المفاهيم التي تشكل العمود الفقري للعقل البشري، وحتى لا نتكلم بالمجهول يجب القول أن هذا الموروث بمختلف مراحل تطوره كانت نتاجاً وتجلياً لتطور العقل البشري ، وانطلاقاً من ذلك كانت يتغير ويتبدل بتغير مستوى الوعي الإنساني وتطور إدراك الإنسان لوجوده في علاقاته مع محيطه الطبيعي . وفي كل منعطف تطوري كان العقل الإنساني يبتدع أسساً ومفاهيم جديدة تتناسب والحالة الحضارية التي وصل إليها وكان يمنحها بعداً ما ورائيا ليتمكن من تعميقها وتجذيرها في اللاوعي الفردي وبالتالي الجمعي ثم نراه في منعطف تطوري جديد يخوض ضدها حرباً شعواء ويعمل على تدميرها وإزالتها ليُحلّ محلها أسساً ومفاهيماً أخرى تتناسب والحالة المعرفية الجديدة التي وصلها ولتمنح بالتالي حياته بعداً إنسانياً أسمى.
في العصر الحالي ومع التزايد الهائل للكم البشري وتركّزه في تجمعات مختلفة، إضافة إلى تعدد ونسبية الأسس والمفاهيم على اختلاف التجمعات التي تضم هذا الكم، أصبح الإنسان يعيش حالة من الانفصام والضياع بين الأسس والمفاهيم المختلفة للتجمعات المختلفة فالتمسك بأسس ومفاهيم محددة في مجتمع ما بغض النظر عن الأسس والمفاهيم السائدة في مجتمع آخر يعني التقوقع وإغلاق الأبواب أمام التأثر والتأثير وبالتالي أمام استنباط أسس ومفاهيم إنسانية مشتركة ، أما التغيير بحرية حسب التغير المكاني فيعني التمزق والتخلي والخيانة - بالمعنى الأشمل – لما تراكم من أسس ومفاهيم في اللاوعي الفردي، ما يؤدي إلى انفصام في الوعي وشعور بالعجز عن التأقلم وعدم القدرة على الانخراط  في توجه مفاهيمي إنساني واسع. وإذا كان كلّ ذلك يجري تحت ذرائع الخصوصيات المختلفة والمتخلّفة اجتماعية كانت أم ثقافية أم دينية فإنه في النهاية  سيؤدي إلى مواجهة إنسانية عنيفة بدأنا نشهد بوادرها بين حالة أصولية محتضرة تحاول التمسك بأسس ومفاهيم تجاوزها تطور العقل البشري وبين وعيٍ إنساني يحاول استنباط   وتجذ ير أسس ومفاهيم جديدة تتناسب والحالة التطورية التي وصلها المجتمع البشري، وتمنح الحياة بعداً إنسانياً واقعياً  جديدا بعيداً عن الحالة الماورائية المؤجلة ، فهل من الممكن تجنب مثل هذه المواجهة والوصول إلى توافق إنساني شامل حول أن الاختلاف على وجود أو عدم وجود جنة في السماء لا يمنع ولا يتعارض أبداً مع محاولة بناءها على الأرض ؟ لا شك بأن الأمر ليس سهلا ، خاصة مع وجود هذا الفارق التطوري الهائل بين الجهتين المتصارعتين إن على المستوى التكنولوجي أو على مستوى المنتج الثقافي- الحضاري بما هو انعكاس لتراكم مفاهيمي سائد في مجتمع ما متخلفا كان أم متطورا .

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم