|
قليلا من سارتر... ومن الهواء النقي |
|
|
|
هلوسات -
مختارات متنوعة
|
|
13 نيسان 2008 الساعة 15:10 |
|
عبدالسلام بنعبد العالي - الحياة
لم أستطع أن أقنع نفسي بأوجه الشبه بين ما نعيشه اليوم في عالمنا العربي، وبين ما كانت تعيشه فرنسا غداة الحرب الكونية الثانية. إلا أن أمرا ما جعلني أستحضر بقوة ما عاشه مثقفو فرنسا آنئذ، وما كان كتبه جيل دولوز على الخصوص بهذا الصدد. قد يكون التشابه هو جو الاختناق الفكري الذي أصبحنا نعيشه، والضجر الذي أصبحنا نحس به من جراء اجترار الأسئلة عينها، بل من استهلاك أسئلة تصاغ لنا، لنعيش عليها مدة ريثما تصاغ أخرى.
هذا الاختناق هو الذي يصفه دولوز بالضبط. ولم تكن تمثله في نظره آنئذ الدوغمائيات وحدها، وإنما السجن الذي حكم به الفكر والأدب على نفسهما حينما سجناها داخل تواريخ رسمية تغرق في الشروحات والتعليقات، وتبحث عن التأثيرات والامتدادات، وتنشغل بالتقسيمات والتبويبات... تواريخ خلصت في النهاية إلى اجترار الأسئلة عينها وطرق القضايا ذاتها.
كان طبيعيا أن يتحرك قليل من الهواء النقي خارج أسوار هذا السجن، خارج أسوار السوربون، وخارج أسوار تاريخ الأدب وتاريخ الفلسفة.
«ومن حسن الحظ كان هناك سارتر. كان سارتر يمثل «خارجـ»نا. كان مجرى هواء... من بين كل الاحتمالات الممكنة للسوربون، كان هو وحده الرقم الرابح. كان يزود نا بالقوة التي كانت تلزمنا لتحمل إمكانية إعادة ترتيب الأمور. لم يكن سارتر نموذجا أو منحى فكريا أو مثالا يحتذى. كان نسمة هواء، كان مجرى هواء. كان مثقفا تَمكّن من تغيير وضعية المثقف».
لم يكن سارتر بالنسبة لهذا الجيل، الذي سيحمل في ما بعد مشعل التغيير الفعلي، مبشرا بفكر جديد، لم يكن هذا على الأقل هو الأمر الذي يعني هؤلاء: «لم يكن من الأهمية بمكان أن نحدد بالضبط العلاقة التي كانت تربط سارتر بهايدغر على سبيل المثال... لم أكن أشعر بميل نحو المذاهب: لا نحو الوجودية ولا الفينومينولوجيا...».
ما كان يهم هؤلاء، وما لعلهم وجدوه في سارتر، وربما ما نحن أيضا في حاجة ماسة إليه هو: قليل من الهواء النقي... ومن سارتر.
|