ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow  فراس سعد مرقطاً بالسياسة والشعر
فراس سعد مرقطاً بالسياسة والشعر Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
14 نيسان 2008 الساعة 16:32
منذر مصري - نشرت في السفير
24/08/2007

عندما سئلت عن فراس سعد، أجبت: (نعم .. صديقي، شاب رائع)! ولما تابعوا سؤالي، عمَّ أعرف عنه؟ أجبت: (لا شيء.. كاتب، زارني مرتين، ثلاثاً، في مقر عملي، لا أكثر).
لا أذكر تفاصيل اللقاء الأول الذي تعرفت فيه على فراس سعد، (أوغار) كما يلقب نفسه أسوة بعدد لا بأس به من شعراء وفناني الساحل السوري: (أدونيس وهيشون وسموقان و.. بابلو). أحسب أن صديقاً ما أخبره أني أعمل في مديرية كذا، شارع كذا، فجاء حاملاً لي كتابه (قداس سرياني ـ نص عن الحب والموت) الصادر عن دار البلد/دمشق/ .2003 ثم بعد ذلك بمدة قصيرة جداً أتاني بمخطوط كتابه الثاني: (سبيرتو ـ هزائم مرقطة)، يسألني أن كتب له كلمة الغلاف؛ فلم أجد بعد ما فعلت بي قراءتي للمخطوط سوى هذه الكلمات: (خلطة فظيعة من الشعر الذي يصرّ فراس ـ مكابراً ـ على أنه لا يعنيه بشيء، وإنشاء لغوي وفلسفي وسياسي وديني. مع نزوع قاس لشك ورفض وهدم، وبالكلام ذاته عموميات أفكار عن المقاومة والانتماء والفساد. قلت له يوجد شقٌّ كبير في وعيك ولغتك بآن، تلك الثنائيات التي لا يمكن فصلها كتوائم سيامية لكل منها رأسان ولكن بقلب واحد. إلا أن هذا لن يمنعني من الإشارة إلى أن فراس في أحد وجهيه، ينجح في ما يطمح له الجميع ويقصر عنه الكثيرون، ألا وهو تقديم كلامه الخاص جداً). صدر الكتاب وعليه كلمتي بتوقيع: (م م)، عن دار أمواج/ بيروت!/2004/، وقد يخطر للمرء أن فراس قد وجد في السطر الأخير: (ينجح.. كلامه الخاص.. ) المسوغ الكافي لقبول تقديم يصف الكتاب بأنه: (خلطة فظيعة.. وعموميات و..)، ولكن بالعكس، فكلام كهذا، كان رأيه، يعطي الصورة الأفضل لكتابه.
فراس سعد: في أول سني عقده الرابع، عازب، من قرية قريبة من اللاذقية لا أعرفها بالضبط، كما لا أعرف درجة تحصيله العلمي، أعرف أنه بلا عمل وبلا دخل، وهذا يبدو من مظهره؛ راسل بعض الصحف العربية دون توفيق يذكر، فاقتنع بنشر كتاباته في المواقع الإلكترونية مقابل لا شيء، بل مقابل عداء المحيط، ودعوات للتعرف من قبل الجهات الأمنية، ومن ثم اعتقاله، وسجنه منذ ما يزيد عن العام، لم يعرف أي سجن، ولا عن أحواله فيه! ففراس، كما يبدو، ليس بمستوى أولئك الذين تصدر بأسمائهم البيانات، وتقدم لأجلهم المناشدات؛ فعند البحث في شبكة الإنترنيت تطلع لك عشرات المواقع التي تحتلها مقالات فراس، وعشرات البيانات التي وقعها باسمه الصريح دفاعاً عن هذا وذاك، ولكنك لن تصدف مقالاً أو بياناً واحداً، يطالب بحرية أو حتى محاكمة فراس سعد طليقاً، كما ليس له ذكر في بيانات حقوق الإنسان على كثرتها في سوريا، سوى في بيانين، أولهما بيان المنظمة العربية لحقوق الإنسان، 200675: (تم استدعاء الكاتب السوري فراس سعد يوم السبت الماضي لمراجعة فرع الأمن... باللاذقية،ئربما على خلفية المقالات التي نشرها مؤخراً في موقع رزكار..)، الذي تكرر في موقع آخر، دون أن يفيد في معرفة ما إذا كان فراس قد اعتقل حينها أم لا!. أما البيان الثاني، وبعد مرور سنة كاملة، فقد صدر عن المنظمة السورية لحقوق الإنسان، ,2007629 ضمن أخبار المحاكمات الجارية ذلك الأسبوع: (... بعدها استجوبت المحاكمة فراس سعد من محافظة اللاذقية ويعمل كاتباً في بعض المجلات والصحف لاسيما الالكترونية، والمتهم بالنيل من هيبة الدولة والمس بالشعور القومي من خلال بعض المقالات المنشورة في موقع...( وفي نسخة أخرى من البيان ذاته وردت تفاصيل أوسع عمّا دار في المحكمة من أخذ ورد، حين قال فراس للقاضي: (أنا أحب بلدي، وقد يكون هناك عدم تقدير للحظة السياسية من قبلي، لكني على كل الأحوال عبرت من خلال كتاباتي عن رأي قطاع معين من الناس، والتعبير عن الرأي يحتمل الخطأ). بعدها علقت المحاكمة لجلسة: 28/10/.2007
المحرمات
تتخطى كتابات فراس سعد كل الحدود التي يتخذها الكتاب السوريون، داخل سوريا، ومن يزورها بين حين وآخر، خطوطاً حمراء تقتضي السلامة ألاّ يتجاوزوها. فهو لا يتردد بتناول المحرمات السورية الكبيرة، بل يكاد لا يتناول سواها، غير مبال بالعواقب الماثلة أمام عينيه كما أمام عيني الجميع؛ مقالات بعناوين نارية، يخشى الكثير من السوريين، مجرد تصفحها! وقد رأيت، نتيجة حسابات عديدة، أن أغضّ النظر عن فقرة كاملة في هذا المقال، أوردت فيها عناوين بعض هذه المقالات، وبعض ما يسوقه فراس من أفكار فيها، مع أني أظنها مجموعة في ملف الاتهام الخاص به. وأحسب مقاله: (ضد إعلان بيروت ؟ دمشق، دفاعاً عن ثلاثة أرباعه وعن كل الموقعين) يظهر انتقائية غير مسبوقة في موقفه، لكن ما فاجأني هو: (شخصياً لا يمكنني إلاّ أن أقف ضد إعلان بيروت ؟ دمشق) لماذا؟! لأنه: (يمرّر بعض العبارات التي دأب النظام والإعلام السوري على ترديدها)، في الوقت الذي كنت أحسب أن أشد ما يؤخذ على الإعلان بأن كاتبه أو كاتبيه لم يبدوا أي مراعاة، ليس للنظام السوري فحسب، بل لمعرفتهم بهذا النظام، وردود أفعاله!؟ الأمر الذي أدى إلى تحول الإعلان لكارثة على المعارضة والحراك الثقافي في سوريا. غير أن فراس يرى أنه ليس على المعارضة السورية مراعاة النظام ومواليه في ما يعتبره أكاذيب! ثم يختتم قائلاً: (نذكّر باقتراح الأستاذ رياض الريّس على الدكتورة نجاح العطار الدعوة لعقد ندوة تناقش إعلان بيروت ـ دمشق، وهو اقتراح جيد، ولا شك أن السيدة نائبة الرئيس تستطيع الدعوة إلى ندوة كهذه، لكن بعد أخذ موافقة فرع فلسطين بالتأكيد).
السؤال هو: ماذا يدفع شاب، موهوب، أصدر كتابين متميزين، للتوقف عن عمله الإبداعي والاتجاه لكتابة أشياء كهذه؟ ليكون على هذه الدرجة من التهور؟ ليعرض نفسه لهذا الحد من المخاطرة؟ ليكون على هذا القدر من الاستعداد للتضحية؟؟ هو الذي ناشد: (سيدي الرئيس، بكل ما تبقّى بي من عقل وروح، أناديك عسى أن تطلق عزيزنا د. عارف دليلة حتى لو تطلب الأمر أن أدخل المعتقل بدلاً عنه). وهو من بيَّن أن سبب: (أضفت توقيعي إلى لائحة التواقيع، بالرغم من اعتقال أكثر من عشرة مثقفين سوريين بسبب تواقيعهم، ليس من باب الشجاعة أو التهور، لكن لأن القضية تستأهل أكثر من مجرد توقيع، ولأنه ليس عندنا ما نخاف خسارته!). إذن السبب هو، ليس عند فراس ما يخاف خسارته، فلا بيت ولا عمل ولا زوجة وأطفال ولا رفيقة.. ولا مستقبل!! ولا حتى اعتراف به ككاتب!! أما القضية التي تستأهل أكثر من توقيع، القضية التي تستأهل أن يراهن عليها فراس بكل ما لديه، فهي وبكل خراقة، الحب والحرية والحقيقة و... الوطن.
من (قداس سرياني ـ نص عن الحب والموت) ,2003 كتاب أدبي، شعري، تأملي، يقارب به فراس النص الصوفي، لغة وموضوعاً، ناهلاً من (النفري) و(أدونيس) و(الكتاب المقدس) ونصوص أوغاريتية وسريانية متخيلة، فيقول: (سؤال واحد يحرق تلال كتب)، و(كلما وضعت قدمي على جواب، ظهر أمامي سؤال)، أما أسئلته فهي من نوع: (متى لا يكون ثمة متى ويموت الوقت؟)، أو (ما الذي يتركه الشهداء؟ دراجة بثلاث عجلات تقف حزينة على البرندة/ ما الذي يتركه الشهداء؟ صور زفافهم... معلقة فوق السرير الفارغ). أقول من (قداس سرياني) إلى (سبيرتو- هزائم مرقطة) ,2004 لم يكن لدى فراس الوقت الكافي ليغير من لغته، فبقيت منفعلة وذات عاطفة قوية، لكنه كان كافياً، كما يبدو، لأن يقوم فراس بكل تصعيد ممكن لمضامينه ومواقفه، ليصل إلى ذلك النتوء من الأرض، حيث (الجماهير) تحيا منبطحة على بطونها، والأشجار تنمو زاحفة، متخذاً وضعية الرامي واقفاً، مطلقاً نيران كلمات بندقيته الخلبية، على الأمة (المعطوبة الفصامية) /ص75/، والأجداد (قاتلي عمر وعثمان وعلي وأحفاده العشرة) /ص9/، والآباء (لا يفعلون سوى أن يعيدوا خلق صورهم في أبنائهم) /ص4/، والحاكم (تربطنا أجهزة المخابرات، نحن الجماهير، بحبل ملتف حول خصر الحاكم.. يهبط الحاكم درجة نهبط معه درجة.. درجة وراء درجة.. وهكذا صارت الهاوية وطن الجماهير) /ص68/. أما ما يقترحه فراس حلاً لهذا (الجحيم الأصلي) /ص40/ فهو المبارزة: (فليأت العدو.. إذا لم نستطع الذهاب إليه. فلتأت الحرب ولينته الجهل والخوف والنهب والتضليل.. لا يهم من ينتصر، المهم أن تكون باستطاعتنا المبارزة)، و(فلتأت الحرب.. فقد ارتفع الزؤان وليس من قمح، فلتأت النار المطهرة، علَّ الرماد يخرج فينيق قمح جديداً). ولكن فراس لا يبخل باقتراحات أخرى أقل وطأة: (الديموقراطية وحدها تحرر الأراضي العربية المحتلة، لأنها تحرر الشعوب العربية المحتلة)، وفي هدأة من مشاعره يقول: (قليلاً من الحق، قليلاً من الحب، قليلاً من الواجب، ... ونصنع زماننا الذي نحلم).
خلطة فظيعة
قلت: (خلطة فظيعة من الشعر.. ومن إنشاء لغوي فلسفي وسياسي وديني)، وأعجب الآن كيف قلت (سياسي)، لأنه لا يمكن لأي كلام أن يكون أبعد عن السياسة من هذا الخطاب الانفعالي والعاطفي الأشبه بمكابدات العاشق، ولكن ما يهمني الآن هو الجانب الشعري الضائع في خضم كل هذا الصخب والضوضاء، ففراس بالتأكيد شاعر ذو موهبة غريزية أصيلة، يكتب بتدفق حر للكلمات والصور والمعاني. وهو في شعره، بعكس اتجاه خطابه التصعيدي ذاك، يمضي نحو العميق والخفي. والحقيقة أن النصوص الشعرية التي كانت تحتل كامل (قداس سرياني) تزاحمها في (سبيرتو) صولات فراس وبياناته وعرائضه، إضافة إلى شذراته المرقمة: (سلام الذئاب... والشوارب ـ الدولة التي لن تقاتل العدو ـ أحوال الأفعال..)، وبسبب لهجتها الخفيضة غالباً ونهجها التأملي العميق، يغطي عليها ذلك الجزء الصاخب والفاقع الطافي على السطح!؟ وبإيرادنا لبعض الأمثلة، يمكننا أن ندرك مقدار الخسارة التي حاقت بفراس ـ ولن أقول بنا أو بالشعر، فالشعراء وافرون عندنا، والحمد للَّه ـ من هجره لكتابة الشعر وزج نفسه في عجيج ودجنة للسياسة.
أما في الشعر فإن فراس ينقلب إنساناً ذا تركيبة شعورية ولغوية مغايرة لحد لا يصدق عن فراس المعارض ـ المبارز! هو الذي يصفه: (ثلاثة أرباع الشعر صمت والباقي برق) /ص110/، وأحسب أنه لولا شدة ما يقاسيه وقسوة ما يضيق عليه، لاختفت تدريجياً تلك الجمل الاستفزازية والمباشرة التي تؤدي إلى اضطراب سطحه وتعكر قاعه، ولبدا النص في حالة مصالحة شاملة مع كل شيء، كما في:
(ينام قرب لحده... عيناه تخاطبان غيماً عالياً./ هذا الأبيض الكئيب/... قطن بارد يذوب في عينيه) قصيدة (مخطوفاً من صورته) /ص125/.
(العتم، العتم/ العتم الذي يرسل ضوءاً أصفر/ في الأوراق... أوراق العتم/ مثل بصيص في السواد/ لمبة صفراء/ وراء الأوراق السوداء/ الصامتة الصامتة طوال الطريق/ الذي يعبر الليل) /ص122/ .
ومثال أخير: (البيوت علامات/ وضعها الآباء فوق الأرض/ ومضوا... غداً عندما يعودون/ يدخلون من شقوق النوافذ/ ويمكثون في أعلى الغرف/ كي لا يزعجونا). /ص113/
أما كيف تغير فراس بعد (سبيرتو ـ هزائم مرقطة)، فإن كتابته الجديدة تظهر قدرته على القيام بانعطافات حادة في كل شيء! وما أتوقعه، لدرجة التيقن، أن فراس في حال إطلاق سراحه، سوف يتكشف عن رؤية عميقة ومضيئة، كحجر كريم يومض في قاع، بأنه لا جدوى ولا خلاص من ذلك الغول الحجري الأسود الذي يمد ساعده في حلوقنا، يريد نزع أرواحنا، إلا في العودة لجوهرنا الأصلي، جوهرنا الحر.. الشعر.
وها أنذا أطلق صوتي وحيداً، وحيداً دون مساندة ودون صدى. دون اتجاه ودون أمل، لأن أحداً لا يبالي، لأن أحداً ليس هناك ليلتقط الصوت! أطلق صوتي أصم وأبكم وأعمى... لكن عينيه تفيضان بالدموع التي لم أقدر على كبحها وأنا أقرأ فراس وأتصوره جالساً على كرسي الخيزران بجواري، يمد رأسه ليرى ماذا أكتب عنه.. أطلقوا فراس سعد، أطلقوا سراح شاعر تنتظره قصائده، أطلقوا سراح عصفور دوري تنتظره السماء والأشجار وأسطح البيوت وحبال الغسيل. فعصافير الدوري، كما يعلم كل مستعبدي الطيور، تموت في الأقفاص..

* كاتب من سوريا

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم