إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow ما معوِّقات تأسيس مجتمع معرفة عربي؟
ما معوِّقات تأسيس مجتمع معرفة عربي؟ Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
14 نيسان 2008 الساعة 16:46
الجزائر - حسين محمد - الإتحاد الإماراتية

الدكتور محمد الطيبي مفكِّر وباحث جزائري يكتب باللغتين العربية والفرنسية، متخصص في حضاريات العرب والمسلمين إنتاجاً وتوجهات، باحث بـ (مركز الإسلام وإشكاليات الفكر الجيوسياسي)، صدرت له 4 كتب، وله ثلاثة أخرى تحت الطبع، يعدُّ أحدَ أبرز المهتمين في الجزائر بموضوع ''إنتاج المعرفة''.

''الاتحاد'' التقته وسألته عن شروط نقل المعرفة وتوطينها وإنتاجها في الوطن العربي، ومعوقات نشرها باللغة العربية وإشكالات أخرى تطالعون إجاباتها في هذا الحوار.

 يجري الحديث عن نقل المعرفة وتوطينها في العالم العربي لإنتاجها لاحقاً، كيف يمكن تحقيق هذه الخطوات وماهي ضوابطها وشروطها؟

- مفهوم ''نقل المعرفة'' يشوبه نوعٌ من الغموض، ذلك أن المعرفة شأنها شأن الرمال لا توقفها دائما إرادة الرجال فهي تسري وتتسرَّب عبر فُوهات غير مرئية أحيانا مغترفة دوماً من نواميس المصالح، وسرِّ الرموز، وانفتاح الثقافات لتسافر، إن لم يكن في شكل مخطوط يوزن ذهباً، كما كان في عهد بني العباس، فمن خلال شبكة الانترنت في عهد العم سام، فنقلُ المعرفة هنا يوحي وكأن اللغة العربية غائبة تماماً عن المساهمة في إنتاجها. لم تكن المعرفة حكراً على حضارة، ولن تكون كذلك مستقبلاً، وإنما ناموس المعرفة مبني دوماً وسيظل كذلك، وإن بصفة مغايرة، على مبدأ التقاسم.

إن الذين صاغوا هذا المفهوم، إنما طرحوا مشكلة وليس إشكالية، فسوقُ المعرفة اليوم قائمٌ، ومنذ أن انتشرت الصناعات الثقافية انتشاراً مذهلاً، على استراتيجية تسويقية من جهة وعلى فكر جيو ـ استراتيجي يضمن التبادل غير المتكافئ للمعرفة من جهة أخرى، فنقل المعرفة هذا لا يعدو كونه خطاباً فضفاضاً يدل على عجزٍ وغياب تدبير، فالمفهوم الواقعي في نظري هو تقاسم المعارف كشرط لنجاح عولمة المعرفة، وهنا فقط ندخل في سوق المفاوضات الاستراتيجية بالنسبة للعرب، ذلك أنَّ الضوابط التقنية لتقاسم المعارف تحكمها حقوق الابتكار، وشروطها تحكمها موازين القوى بين أطراف المعاملات المعرفية.

الغرب صاحب السوق المعرفية الكبرى، لن يتقاسم معنا إلا ما تمليه عليه مصالحه التنموية المرتبطة بسوقنا وبمؤسساتنا وليس لسواد أعيننا، انظر كيف نُقلت التكنولوجيا النووية وغير النووية إلى إسرائيل؟، أو كيف تكفلَّت أوروبا بالتنمية السريعة لإسبانيا. هنا تجلَّى مفهوم التقاسم كحاجة استراتيجية طويلة الأمد.

ü ما هي أبرز المعوقات التي تحول دون التأسيس لمجتمع المعرفة ونشرها باللغة العربية؟

- ليس مجتمعُ المعرفة، كما يُروَّج له، حدثاً خارقاً ولا منقطعاً عن مسار التاريخ، إنما هو امتداد بنيوي وتنظيمي لمفاهيم عمران بشري حملتها مدنياتٌ متعاقبة ومتداخلة ومتجابهة أحياناً، معها نشأت اللغات ونمت بل وتنامت حاملةً، على عكس غيرها من المجتمعات المتأخرة، مفاهيمَ نمائها ودلالات فلسفتها، وتعابير قيمها، وجماليات خيالها.

والعربية، وأكثر من اللغات ذات الأصول الإغريقية واللاتينية، تصدَّرت قبل غيرها جبهة انتاج مفاهيم الحضارة سواء بالنحت أو التركيب فاحتضنت حواضنُها كلها ميادينَ معرفية وصلت إلى البشرية دقيقة وبقيت كذلك إلى يومنا هذا.

المجتمع المعرفي الذي تُصاغ مفاهيمه اليوم في حقول الفلسفة والفكر الجيو ـ سياسي ليس بآلة تقنية، وإنما هو مجموع عجائن اجتماعية حضارية كما كان شأن المجتمع الصناعي وقبله المجتمع الزراعي في قرون سابقة.

ü برأيكم، لماذا تمكنَّت النمور الآسيوية من توطين المعرفة بلغاتها ثم إنتاجها بينما فشل العرب في ذلك؟

- إن التوطين إجراءٌ يجمع بين الفكرة المجردة وبعمليات زراعتها في أرحام المجتمع، وثمار المعرفة مشروطة بالتربة التي تزرع فيها. ومجتمعات آسيا، وعلى اختلاف نظمها، جعلت من التنمية شرط نماء ومقصد قوة ومنهج نظام. هذه المآلات المرسُومة للمعرفة حولتها إلى مجهود استراتيجي وليس إلى هدف تجاري فكان أن ارتبطت المعرفة بالتحدي وبتحقيق الوجود وبصياغة نمطٍ حضاري كان الإسلام وأهله هناك من الرابحين. فإن كان أنموذجُ رجعة العرب قد انحصر في ثنائية الانتقال من حالة البيع أي التجارة كامتداد في ذاكرة العرب ومهنهم وواقع الريع، فإن النمور الآسيوية بُنيت بالذكاء وليس العصبية، فثنائيات التنمية العربية هي بالأساس ثنائيات ثقافية لم تتمكَّن فيها النُّخبُ السِّياسية من الفصل بين شروط الحداثة ودغدغات التراث، فكان أن وُظفت اللغة العربية لتسيير شؤون العتاقة والتراث واللغات الأخرى للتقرُّب من الحداثة، ولو من موقع الانبهار والاستهلاك.

صحيح أن هناك مدَّاً تحديثياً ظاهرا للعيان، خصوصاً في المجتمعات قليلة الديمغرافية والمشرفة على الديمقراطية مثل الإمارات وقطر، لكن صناعة النخب وتنمية الإبداع يصير هو الرهان الذي ينتظر تقويم التجربة على المدى المتوسط. وهنا أؤكد على قابلية النخب العربية لإنتاج المعرفة وصهرها في مشاريع إنمائية رائدة كما يحدث في المجتمعات الأوروبية.

إن مشكلة المعرفة مرتبطة بإشكالية حضارية تشكل نظرية النظم وعلومُها قلبَها النابض، وعلاقة الذهنية العربية عموماً بإشكالية النظم في حدِّ ذاتها مسألة مجتمعية وحضارية تنسج في عمق الذات العربية هشاشة تعيق فرص النمو، وتحجب سبل الوصول إلى صناعة شروط القوة والمناعة، كما أن إنتاج المعارف عاملٌ حيوي من عواملها.

ü ألا يمكن أن يُفضي نقل المعرفة والمعلومة الجاهزة إلى ترسيخ الكسل العقلي والاتكال لدى العرب؟ أليس الأفضل تركيز الجهود على محاولات إنتاج المعرفة مباشرة، كما فعل الأجداد في العصور الماضية، بدل استيرادها أو نقلها؟

- المعرفة سواء نقلت أو أبدعت تبقى وليدة حاجة وغاية حضارة ورؤية نظام. هي بالأساس ليست مسألة أريحيات جمالية لأنها مرتبطة في إنتاجها برؤية أمة من الأمم إلى وزنها في المعادلات الجيواستراتيجية من جهة وإلى ميزان الفكر في انجاز العمران المنظم والمتماسك. إن المعرفة لم تعد قضية خيار وإنما مسألة مصير. والمجتمعات التي تركن إلى الكسل لن تحقق شروط المناعة أبدا وستبقى كالدودة الزائدة تتغذى من غير جهد حتى ترميها الأجسام الحية في النهاية. أجدادنا فهموا، وبقدر ما أوتوا من علم ومن إيمان عملي، فضل نعمة المعرفة في صفاء الدين وانتصار الحضارة.

ثمة قضية جوهرية يطرحها المفكر الجزائري محمد أركون وقد طرحها بصيغة غير إشكالية المفكر الجزائري الآخر مُلهمِ نمور آسيا المسلمين مالك بن نبي تصب في مسألة تفسير انكفاء بل وانتفاء العقلانيات الإسلامية؛ هذا التفسير من شأنه أن يفتح لنا أفقاً جديداً مع المعرفة بعدما أن نتجاوز تهويماتنا في مسألة الاجتهاد.

ü هل نقل المعرفة شرطٌ ضروري لإنتاجها لاحقاً على المستوى المحلي؟ وهل يقبل الغرب ببساطة انتقال جوهر معرفته إلينا؟

- المعارف يحكمها معيارُ النقل أحياناً وبخاصة في جوانبها التطبيقية لكنها تنتهي في حاضرة العقل الذي يستثمرها ويحوِّرها بل ويحاكيها. لم تعد المعرفة ومن خلال اقتصادها جغرافية بل أسواقاً فقط. كل التقنية اليابانية انبثقت من النقل الياباني المُرتكِز وجوباً على العقل الياباني الخلاق. والصين تسير على نفس المنوال، فالمسألة ليست في النقل ولا في التوطين وإنما في المشروع الحضاري المرسوم وفي نجاعة النخب ودورها في تصميم الجديد انطلاقاً من محاكاة القديم. إن استيراد الجاهز من المعارف صار قانون سوق لكن العبقرية تكمن في صناعة جيل العبقرية وتمديد القواعد المادية للمعرفة والعلوم.

الغرب لا يحتكر من المعارف سوى ما تعلق منها بالمسائل المرتبطة بأمنه الاجتماعي والقومي، أمَّا ما تبقى فهو يسوِّقها سلعة تدرُّ عليه فائض قيمة تبني له اقتصادَ معرفة ذا قيمة تراكمية هائلة.

ü إلى أي مدى يعيق ضعف الاهتمام بقطاعي التربية والبحث العلمي في الوطن العربي عملية إنتاج المعرفة وبقائه عالة على الغرب في هذا الجانب؟

- هنا بيت القصيد ومربط الفرس؛ النظم التربوية العربية وبخاصة في التجمعات الثقيلة سكانيا والخفيفة ديمقراطياً والمُغيَّبة استراتيجياً، كمصر والجزائر والمغرب، خرجت من مضمار التنافس العلمي وما يقتضي من دور معلوم وريادي للجامعة في صناعة التنمية وتحقيق الرفاه. وبالمقابل، تتوفر شروطٌ كبيرة في بعض دول الخليج تسمح ببروز بؤر علمية من أرحام المنظومة التعليمية إن هي اندمجت في المناهج التي تنمِّي الذكاء ولا تكتفي بتوزيع شهادة المكانات، فالدكتورات التي لم يكتب أصحابُها نصا، وكراسي الأستاذية التي لا يبدع حاملوها فكرة، شوَّهت وإلى حد كبير المشهد العلمي وأدخلته مسرح الرياء والريوع.

لن تقوم للعرب كلهم قائمة إلا إذا أصلحوا بحزم وعزم شؤون نظمهم كلها، خصوصاً النظام التربوي والتعليمي وهو أمر حصل في الهند وكوبا الجنوبية وماليزيا وأعطى ثماراً طيِّبة صارت تجنى مدنية ووعياً وشموخاً.

إن العقل الذي تلقى القرآنَ وحمله وتمكن من كنز تراث بحجم التراث العربي ثم الإسلامي، واللغة التي بواسطتها تعلمت نخبٌ مهمة من الغرب لولوج حداثة اليوم، هو عقل أنوارٍ قبل غيره، وعقل تجريد وخيال وتدبير لا ينقصه سوى نظام تربوي سليم وقاعدة علمية ليتمكن وبسرعة غير منتظرة من مواكبة مسار الإبداع وهو يبدع اليوم في دول أخرى حيث وجد شروط الإبداع وأساسه النظام والتراتب القائم على الكفاءة وليس على اعتبارات زائفة تسيِّرُها المحاباة.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم