|
تأملات نصف مهاجر 3 - تنقيب عن النقابات |
|
|
|
هلوسات -
قضايا و آراء
|
|
14 نيسان 2008 الساعة 20:30 |
|
بقلم: د نعيم هيلانة حين يحاول المرء الحديث عن النقابات يجد نفسه في حيرة أمام الطرق التي سيتناول بها الموضوع، فهل النقابات تتبع للسلطة التشريعية ؟ أم تتبع للسلطة التنفيذية ؟ أم أنها تتبع للسلطة القضائية على اعتبار أن من أهم أهدافها الدفاع عن مصالح أعضائها على اختلاف مجالات عملهم ؟ أم أنها لا تتبع لأي من السلطات المذكورة سابقا وتشكل بالتالي سلطة مستقلة بذاتها تمتلك مشروعيتها ومقومات وجودها انطلاقا من تنظيمها لمجموعات ضخمة من الأعضاء الذين يشكلون الأعصاب الأساسية للنسيج الاجتماعي كما يشكلون البنية البشرية الفاعلة على المستوى الإنتاجي بشكليه المادي والمعرفي ؟ أمام هذه الافتراضات يجد المرء نفسه مضطرا للتعبير عما يجول في فكره أيا كانت الوضعية التي تشغلها النقابات ، فأين هي بالفعل ؟
تنعقد المؤتمرات العامة للنقابات، تأتي قيادات جديدة تركب سيارات جديدة أو تعود قيادات قديمة بسيارات جديدة ! رائع.... إذن لا أحد يستطيع اتهامنا بغياب النقابات! ولكن أين هي بالفعل؟ الأسعار تسلخ الجيوب والجلود ، والحكومة بفريقها الاقتصادي الساعي إلى اقتصاد السوق الاجتماعي ولو على جثة المجتمع وأهله، غير مبالين بنتائج سياساتهم و.... و....والنقابات ؟!!! أذنٌ من طين وأذنٌ من عجين فلا صوت ولا صورة !!! ربما يظن القائمون على هذه النقابات ـ وإن بعض الظن إثم ـ أن الحديث عن مثل هذه الأمور واتخاذ موقف حيالها في مثل هذا الوقت الذي يتعرض فيه البلد لضغوط شتى ليس موقفاً وطنياً ! فهل الموقف الوطني يتطلب صمّ الآذان عن الأنين الصادر عن جموع الفقراء؟ وهل يتطلب منا الموقف الوطني الانتظار حتى يتصاعد التوتر الاجتماعي وتنفلت الأمور من عقالها ؟ هناك في بلاد الرأسمالية المتوحشة والديمقراطية المزيفة (وهما غير موجودتين عندنا والحمد لله !!) تجتمع النقابات سنوياً أو في أوقات تتطلبها الظروف ، مع أصحاب الشركات وأرباب العمل لتقرير نسبة رفع الأجور بما يتناسب وارتفاع الأسعار أو ازدياد التضخم ، وحين لا تجري الأمور بسهولة ومن خلال المفاوضات يتم اتخاذ الإجراءات العملية التي يتطلبها الموقف . كذلك لا يتم صرف عامل أو مجموعة من العمال من معمل أو شركة دون الاجتماع بتلك النقابات وبمبادرة من أصحاب الشركات أو بضغط من النقابات لدراسة أوضاع أولئك العمال وكيفية التعويض لهم أو تدريبهم على أعمال جديدة يتطلبها سوق العمل لاحتوائهم من جديد تلافياً لزيادة نسبة البطالة في المجتمع وعدم تصعيد التوتر الاجتماعي واحتراماً لجهود أولئك الناس وتأميناً لمعيشتهم ومعيشة أسرهم. هناك في بلاد تلك الحكومات المتوحشة والنقابات الشكلية !! لا يتم الحديث عن قيام العامل أو الموظف أو المدرس بعملين أو ثلاثة لتأمين لقمة عيشه وعيش أسرته وتأمين سقف لإيوائهم وتأمين مستقبلهم، ولا يتم الحديث عن حجم إنتاجية العامل أو الموظف وانخفاضها لأنه ليس مضطراً للتقاعس أو الهرب للقيام بأعمال إضافية. أما في بلادنا ، بلاد اقتصاد السوق الاجتماعي ! والديمقراطية الحقيقية ! فلا نسمع بوجود النقابات ولا نرى من ممارساتها إلا ما تعرضه علينا الصحف ويتحفنا به التلفزيون عن مؤتمرات تلك النقابات واجتماعاتها وغداءات وعشاءات عملها ، أما مصالح الناس وأوضاعهم المعاشية فيبدو أنها من منسيات نقاباتنا ونقابيينا أو أن الحديث عنها يجري في أوقات الفراغ أو في فترة الاستراحة ما بين غداء وعشاء ، وحين تتخذ الحكومة إجراءات معينة تضر بمصالح الناس وتزيد من صعوبة حصولهم على لقمة عيشهم ، يتم التداعي إلى غداء أو عشاء عمل فيأكل الفم وتستحي العين ، ويتم اتخاذ موقف وطني ـ في هذه الظروف الصعبة ـ يقتضي الصمت !!! أو في أحسن الأحوال يتم الحديث عن أن ما يتم اتخاذه من قرارات أو إجراءات اقتصادية تحت ذريعة الإصلاح أو التحول الاقتصادي إنما هو لمصلحة تطور البلد وتحسينا لمستوى حياة الناس ولابدّ من تحمل الأعباء التي تتطلبها المرحلة الانتقالية من أجل الوصول بسلام إلى برّ النهايات السعيدة التي سوف تنعكس برداً وسلاماً على جموع الفقراء والعاطلين عن العمل والبردانين والمحتاجين من أبناء البلد.... هذا إن بقوا ـ حتى ذلك الوقت وبهمة النقابات ـ على قيد الحياة.
|