|
(نشر هذا المقال سابقاً في موقع الرأي) يستغرق الأكراد في إقليم كردستان العراق بشعور أثني عميق, يدفع المراقب إلى السؤال: هل هم في مرحلة التي اسماها ماركس بحاجة الإشباع القومي الذي تدرك بعده الأمم بعدها الإنساني؟. " أي أكل التفاحة بعد التفاحة من قبل المحروم حتى الإشباع ومن ثم النبذ " أم هم يدخلون كما باقي الأمم المحتضرة في دوامة التطرف والجمود وصولا إلى النهاية؟.
هذا السؤال قد يبدو شديد الغرابة للقارئ ما لم يدرك أن الأكراد مازالوا يعيشون في القرن الثامن عشر حيث النقاش يدور حول وحدة الأصل او تنوع الأصول, مستسلمين إلى أنه في حال صح معتقدهم بتنوع الأصول فهم في رفعة الأمر منه كونهم آريون كما يكررون دون ملل .
ولعل اعتقادهم بانتمائهم إلى العرق الآري هو ما يدفعهم إلى تقديس الأشخاص, علهم يجدون هتلرا كرديا بينهم. متأخرين بذلك عن أمم متأخرة, كحال المصريين الذين يسقطون تمثال مبارك, فيما يتبارون هم في بناء النصب لألهه يزوجونها فيؤلهون أنسالها وهكذا حتى صرت تعتقد أنك في سوق عكاظ زمن الجاهلية حيث لا يباع التمر إلا بعد أن ينصع منه إلهاً. فهم فرق متحمسة بعضها لهذا وبعضها لذاك . والإقليم من الناحية العملية إقليمان وفي كل قسم منه رؤوس تقتسم النفوذ فيه, وتحت عباءة تلك الرؤوس مراكز قوة لرجال يرتكز بعضهم على بعض ليستقوي أحدهم على من لا حول له ولا قوة بنفوذ من هو أعلى في سلسلة لا يدركهاإلا الله.
فمدير أسايش "أمن " أحد الأحياء قادر على أن يوجه لك رسالة تحذيرية, حادة وخطرة, بضرورة أن تنهي علاقتك بفتاة دون أن يوضح لك المخالفة القانونية في أن تعشق فتاة. وحين تسعى للدفاع عن نفسك يقال لك أنه مسنود من فلان, وفلانٌ هذا هو رجل فلانٍ آخر, وحيث أنه ينافس فلاناً غيرهم فإن المساس بهذا المدير هو إرباك للمنظومة بأسرها. مما يعني أن الحل الأفضل هو أن تفر بحبيبتك من المدينة, وإلى حيث لا نفوذ له أو لأصدقائه . أو أن تقبل بتركها والعيش بسلام, تماما كما كان الأغوات يفرضون على القرويين مضاجعهم. إنه نموذج علاقات المسئولين في الأنظمة الشمولية بالمواطنين. فكما أن قيم الثورة أهم من الأخلاق والحرية الشخصية للمواطنين, وبما أن خير من يمثل قيم الثورة هم المسئولون, وتحديداً الأمنيون منهم. فهنا أيضا حيث الاستغراق الأثني خير من يمثل مصالح العلية للأمة هو مدير الأسايش هذا . ففي بلاد تغرق في الأثنية والتطرف يكفي أن تزايد ببضع جمل, في الغالب كاذبة, ولكن ذات ألفاظ قومية رنانة لكي تصبح بطلاً, فالعبرة ليست للعقل والمنطق إنما للاقصائية والتطرف. هذه العلاقة بين الأثني والتطرف, بين الأثني وقتل الكرامة الإنسانية, بين الإثني والانتهازية, بين الإثني والديكتاتورية, بين الإثني وذبح الحب والمشاعر الإنسانية الجميلة, هي ذات العلاقة بين الشمولي والانحطاط والتطرف وقتل الكرامة الإنسانية وشيوع الانتهازية وتجريد الحالة الإنسانية من المشاعر الجميلة لحساب ما هو قبيح بشرط أن يكون شمولي .ذلك أن الإثني المطلق يقود بالضرورة إلى الشمولي, ليكون الأمر أشبه بانتحار ذاتي لما يمكن أن يكون في بواطن الإثني المقيد من تنوع مفيد بدل أن يكون قتل عمد له من قبل الشمولي. لتظل النهاية واحدة ألا وهي اضمحلال المجتمع وركوده عن الإبداع بفقده للحرية, طوعا في الإثني وقهرا في الشمولي, وبفقدان الحرية تنتهي النزعة الإبداعية لدى أفراده. فالعبقرية تحتاج إلى حضارة لتقرئها وهي ظاهرة لا يفهمها إلا المتحضرون. ومع شيوع الركود لا يبقى للمجتمع من وسيلة للدفاع عن نفسه سوى التطرف, بوصفه رد فعل غريزي وبدئي يحركه اللاوعي الجمعي للمجتمع الذي يحس بالفرادة والهشاشة في آن. ذلك أن التركيز على ما هو أثني ليس سوى صورة مشوهة , طبيعية وحتمية, لما هو في ضمنه شمولي, عبر تنصيب القيم الخاصة بالمجتمع وتعينها كقيم شاملة ونهائية, وذلك بغير وجه حق طبعاً. وهذا التعين هو سقطة في المحاكمة العقلية يرفضها الفلاسفة وأهل المنطق ومن في حكمهم فلا يحل الخاص آمراً على العام إلا أهلك أهله, تماماً كما لا يجوز تذويب الخاص بالعام حفاظاً على التنوع . واجتماعيا فإن فعل ذلك يعني أن يمتلك أفراد المجتمع الشعور النهائي والحاسم بالحقيقية وهو ما يدفعهم إلى بذل أقل , هذا من جهة , ولكن من جهة أخرى فإن سيادة الركود والإقصاء والتطرف هي بذاتها نحر لما هو متنوع. والتنوع والحرية جناحا الإبداع وبغير الأجنحة تتساوى الديدان النسور. وهكذا يصبح المجتمع عبارة عن فرد واحد يعتقد أن قيمه هي الأسمى فلا يحتاج بالتالي إلى البرهنة عليها ولا يقبل من الآخرين نقاشاً فيها. فالمساس بها مساس بما هو أثني, وعقوبته التخوين والنبذ . والنبذ عقوبة يخشاها الجميع, إلا من يسمون في عرف الجهلاء بالسفهاء. هكذا يختزل المبدعون إبداعهم بتزين السائد, ليؤسسوا لعقلانية المديح عبر إقرار الدارج ولو كان باطلاً. فهم يكتمون الخاص المنوع لحساب السلامة, وهكذا يصبح المجتمع مرتكزا على قيم أعرق, وإبداع أقل. ويستمر المسير عبر نفق يضيق حتى يحبس أنفاس الجميع. فيصبح المجتمع صورة للمشدود أو الواقف على حبل, كل حركة قد تجعله ينتفض, حتى الدعابة تصبح قنبلة وتتطلب الكثير من التحليل والتفكير لمقاومة تغلغلها ومساسها بقيم المجتمع. أقول هذا بالنظر إلى كثرة الذين اقتنعوا بضرورة مواجهة هذا المدير, وأن مواجهته هي في ذاتها واجب اجتماعي يتجاوز الحدود الشخصية, كون المطلوب تنفيذه هو انتهاك واضح وفاضح لقيم الحرية الشخصية ونبل العلاقات الإنسانية. ولكنهم جميعا تراجعوا عن المساندة لأن من عليه ترك الفتاة التي يحب عربي الأثنية, والسند الاجتماعي والسلطوي للمدير قوي, فالعلاقة في نهاية سوف توصف بـ"عربي يصادق فتاة كردية " إنها جريمة القرن الواحد والعشرين.
|