أخبار Google
Google News العالم العربي
Google News العالم العربي
 
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

مواقع سورية
في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow السلام والمقاومة والهرولة بين نزار قباني ونجيب محفوظ !
السلام والمقاومة والهرولة بين نزار قباني ونجيب محفوظ ! Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
22 نيسان 2008 الساعة 17:00
د.وحيد عبد المجيد - جريدة أوان

لا يحتاج نزار قباني إلى من يذَّكر الناس به في الذكرى العاشرة لرحيله. فقد تربع على عرش الشعر العربي طويلا. أجلسه الجمهور على هذا العرش، في الوقت الذي اختلف عليه النقاد والمثقفون بوجه عام. بدأت شهرته مع ديوانه الثاني «طفولة نهد»، وهو بعد في الرابعة والعشرين من عمره. ذاع صيته في عالم الغزل والعشق عندما جعل الشعر الذي كان رومانسيا قبله شهوانيا ونقله من الحلم إلى الواقع، ومن المحسوس إلى الملموس.

ولكن شاعر الغزل المشهور لم يكتف، فاقتحم عالم السياسة. وكانت قصيدته عقب رحيل جمال عبد الناصر «قتلناك يا آخر الأنبياء» معبره إلى هذا العالم، مثلما كان ديوان «طفولة نهد» مدخله إلى عالم الغزل. ومثلما تميز غزله الشعري بالجرأة الشديدة، اتسم شعره السياسي بالحدة والهجائية.

ويري بعض منتقديه أن شعره في عمومه منظوم بالحد الأدنى من أدوات النظم، ومعتمد على الحد الأقصى من وسائل التأثير الجماهيري غزلا كان أو سياسة. ولكن أياً ممن انتقدوه لا ينكر أنه أكثر الشعراء العرب شهرة على الإطلاق. يعرفه العرب «من المحيط إلى الخليج» أكثر من أي شاعر، ومن أي أديب آخر.

فإذا كان المثقفون ومنتدياتهم لم يذكروه في ذكراه العاشرة، فهو مذكور بما يكفي ويزيد على المستوى الشعبي العربي كما هو واضح من أرقام مبيعات الطبعات المتلاحقة من دواوينه، ومعدلات الإقبال على قصائده المغناة. وهذا واقع يدركه من لم يحبوا شعر نزار مثلما يعرفه من فتنتهم قصائده، إن في الغزل والنساء أو في السياسة وأهلها. فهو الشاعر الوحيد الذي وصل إلى عقل الجمهور وقلبه في آن معاً. وهو أيضاً الوحيد الذي كان في الشعر ما كانه محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وأم كلثوم وفيروز في الموسيقى والغناء.

وبالرغم من أن شعراء عرباً آخرين أثروا في المشهد السياسي العام بدرجة أو بأخرى، فقد تميز نزار قباني بأنه الشاعر الذي أثار شعره السياسي من الجدل ما لم يثره غيره قبله أو بعده حتى الآن.

وأذكر، في ذكراه العاشرة، قصيدته المدوية «المهرولون» التي نشرتها صحيفة «الحياة» في 2 أكتوبر 1995، وقال في مطلعها: «سقطت آخر جدران الحياء .. وفرحنا .. ورقصنا .. وتباركنا بسلام الجبناء».

كانت القصيدة مؤثرة إلى حد أنني فكرت، من موقعي حينئذ كمدير لمكتب هذه الصحيفة بالقاهرة، في فتح حوار حولها. وخطر لي أن أسأل أمير الرواية العربية نجيب محفوظ رأيه في قصيدة أمير الشعر العربي حينئذ. وساعدني الصديقان جمال الغيطاني ويوسف القعيد في قراءة القصيدة للأستاذ نجيب، وسؤاله عما إذا كان يحب التعليق عليها.

ولأن القصيدة كانت حافزة للتفكير، فقد صمت الأستاذ نجيب برهة متأملاً، وقال: «إنها قصيدة قوية جداً .. قنابل تفرقع في وجه عملية السلام، ولكن دون أن تقدم بديلاً عنها». وأكد أن القصيدة أعجبته، وأن «من يشارك نزار قباني موقفه، سيجد فيها تعبيراً قوياً عن هذا الموقف. ولكنه موقف يبدو أضعف من القصيدة بكثير. فهي قصيدة قوية تتبنى موقفاً ضعيفاً».وأبدى تقديره لما حوته القصيدة ضمناً من نداء للعرب بأن يتحركوا، ولكنه رأى أن «هذا لا يكفي بدون طرح بديل لعملية السلام». وقال أنه لا يستطيع الاقتناع بأن يكون البديل هو أن نوقف هذه العملية و»نقعد ساكتين»، ملاحظاً أن نزار قباني لم يدع للحرب ولم يقدم أي بديل أخر.

وعندما سألته عما إذا كان مفروضا على الشاعر أن يطرح بديلا، قال: «نعم. في مثل هذه المواقف. لابد أن يقدم البديل. لا يكفي أن يهاجم من يقول أنهم يهرولون ويلهثون، ويقَّبلون حذاء القتلة، ويفرطون في كل شيء. فالأهم هو أن يقول لهم ماذا يفعلون».

ونشرت هذا التعليق، الذي كان مدوياً بدوره، في «الحياة» في عددها الذي صدر يوم 5 أكتوبر 1995 تحت عنوان: «نجيب محفوظ رداً على نزار قباني: قصيدة قوية.. وموقف ضعيف». وكأن حواراً بين المثقفين العرب حول عملية السلام الفلسطينية – الإسرائيلية (عملية أوسلو) كان في انتظار إشارة للانطلاق. وأي إشارة أقوى من مناظرة بين أميري الشعر والرواية؟

فقد توالت المقالات في «الحياة» وصحف عربية أخرى، انطلاقاً من القصيدة وتعليق نجيب محفوظ عليها ورد قباني على هذا التعليق، والذي اختار له عنواناً موحيا هو: «الشاعر يصنع القصيدة .. ولا يصنع القرار». ويبدو أن تعليق محفوظ أغضب قباني كما يتضح من حدة الرد الذي لم يتجاوز، مع ذلك، أدب الحوار عندما قال «أستاذنا نجيب محفوظ قمة روائية 
لا يجادل فيها أحد .. ولكن نظرته إلى الشعر نظرة ساذجة وملتبسة، وتحتاج إلى بعض التصحيح». وعاب على محفوظ ما اعتبره «خلطاً عجيباً بين الشعري والسياسي»، وعدم إدراكه أن «الشعر دولة ليبرالية لا سلطان فيها إلا للجمال والعدالة والحرية. وليس من وظيفة للشعر سوي أن يكون شعرا، وأن يكون صادقاً مع الناس ومع نفسه ومع الحقيقة».

كان في إمكان محفوظ، بطبيعة الحال، أن يعود للرد عليه مذكراً بتاريخ الشعر العربي، بل غير العربي أيضاً، وبأنه ليس في هذا التاريخ إلا القليل مما اعتبره قباني وظيفة الشعر الوحيدة.

غير أن محفوظ لم يكن من أولئك الذين 
لا يطيقون نقداً. كان واسع الصدر، وليس فقط رقيقا كنسمة الصيف وفق وصف قباني له في بداية رده عليه.

ولكن امتناع محفوظ عن الرد على الرد لم يحل دون توسع نطاق الحوار، الذي شارك فيه على صفحات «الحياة» فقط جهاد الخازن ومصطفي الفقي وفيصل جلول وسعد الدين إبراهيم والعماد مصطفى طلاس وعبدالمنعم سعيد وعبدالله بلقزيز وشاكر عبدالحميد وعبدالعليم محمد وعبد الحسن الأمين، فضلاً عن عشرات آخرين في صحف عربية عدة.

وبالرغم من مرور أكثر من 12 عاماً على ذلك الحوار، وانهيار عملية أوسلو التي أثارته، مازال الخلاف على المسار السلمي قائماً بين من يرونه طريقاً لحل قضية فلسطين ومن يعتبرونه مضيعا للوقت أو مؤدياً للاستسلام.

وفي امكان من أيدوا نزار قباني في هجاء «المهرولين» أن يتفاخروا بسلامة موقفهم. فقد ثبت بالفعل أنه لم يكن ثمة ما يبرر ما بدا حينئذ اتجاها عربياً زائداً إلى مد جسور مع إسرائيل وتبادل مكاتب تمثيل معها والبحث في مشروعات مشتركة خلال سلسلة المؤتمرات الإقليمية التي عُقدت اعتباراً من 1994 تحت شعار التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويستطيع من أيدوا نجيب محفوظ أن يدفعوا بأنه لم تحدث هرولة أصلاً، وبأن ما بدا استعداداً للتطبيع مع إسرائيل تبخر فور تراجعها عن التزاماتها في أوسلو، وبأنه لا ضرر في تجربة المسار السلمي طالما أنه لا بديل عنه.

وهنا، تحديداً، يكمن المأزق العربي اليوم حيث لا مسار سلمياً يبعث على أدنى أمل، 
ولا مساراً مقاوماً يمكن الاطمئنان إليه، بعد أن انقسم الفلسطينيون إلى «كانتونين» يزعم أحدهما أنه يقاوم ويدعي الآخر أنه يفاوض، بينما لا هم لهذا ولا ذاك إلا تكريس سلطته في غزة ورام الله.

فكأن ما حدث خلال 12 عاماً بعد هذا الحوار، وعشر سنوات على رحيل صاحب القصيدة التي انطلق المتحاورون منها، هو فشل المسار التفاوضي وتضعضع مسار المقاومة في آن معاً وبالتوازي، بحيث أصبح المرء في حاجة إلى تعطيل عقله تماما ليقتنع بأن من يرفعون شعارات المقاومة في غزة يقاومون، وبأن من يراهنون على حل سلمي يعرفون طريقاً إليه!

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم