أخبار Google
Google News العالم العربي
Google News العالم العربي
 
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

مواقع سورية
في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow الإسرائيليون يتحررون تدريجاً من الفروض الدينية
الإسرائيليون يتحررون تدريجاً من الفروض الدينية Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
28 نيسان 2008 الساعة 16:44
رنده حيدر - النهار

حمل عيد الفصح اليهودي هذا العام خبراً سيئاً لجمهور المتدينين في اسرائيل. فقد سمحت محكمة القدس للشؤون المحلية بيع السلع التي تدخلها مواد تخمير مما يشكل خروجاً عما تفرضه الهلاخاه (الشريعة) اليهودية التي تحرّم أكل اليهود لأي خبز او معجنات او مواد غذائية أخرى تستخدم فيها مواد تخمير خلال عيد الفصح اليهودي وذلك انسجاماً مع تقليد قديم له صلة بتاريخ اليهود. والخبر الذي قد يبدو للمراقب الخارجي تفصيلياً وهامشي الأهمية يشكل في الحقيقة حلقة من حلقات الصراع بين جمهور المتدينين في اسرائيل والجمهور العلماني على طابع الحياة العامة في اسرائيل وعلى الهوية اليهودية. ويمكن القول ان قرار المحكمة الأخير الذي أثار موجة احتجاج واسعة وسط الجمهور المتدين والملتزم بتطبيق الشعائر الدينية، هو بمثابة انتصار آخر يسجله العلمانيون في اسرائيل في نضالهم من اجل الدفاع عن قيم الحرية الفردية ورفضهم لمبدأ الاكراه الديني الذي يمارسه المتدينون على العلمانيين منذ نشأة دولة اسرائيل قبل ستين عاماً.

شهد المجتمع الاسرائيلي منذ نشوء الدولة وبصورة خاصة بعد احتلال اسرائيل الضفة الغربية وغزة وقيام المستوطنات اليهودية، ثم بعد صعود حزب الليكود الى السلطة مكان حزب العمل للمرة الأولى عام 1977، تصاعداً كبيراً في نفوذ التيارات الدينية بمعسكريها: التيار الديني القومي المتمثل بصورة خاصة بحزب المفدال، والتيار الديني المتشدد او من يطلق عليهم اسم الحريديم ( الأتقياء) الذين باتوا يشاركون في الحياة السياسية بعد طول انكفاء وباتت لهم أحزابهم القوية مثل حزب "شاس" الممثل لليهود الشرقيين وحزب" يهدوت هاتوراه" ممثل الحريديم من الأشكيناز.

 وتفاقم الصراع بين هذه الأحزاب والأحزاب والتيارات العلمانية على الهوية اليهودية وعلى طابع الدولة. وكان ديفيد بن غوريون نظم العلاقة المتوترة بين المتدينين والعلمانيين باقراره اتفاقية تعرف باسم "الوضع الراهن" هدفها السماح للجمهور اليهودي المتدين ممارسة شعائره الدينية وحماية الجمهور العلماني من الاكراه الديني. ولكن استطاع المتدينون مع مرور الزمن فرض العديد من الممارسات الدينية، الى جانب فرض حرمة يوم السبت حين تتوقف المواصلات العامة وتغلق دور السينما والمسرح وتؤجل الرحلات الجوية ويعيش المجتمع حالة كاملة من الشلل لا يخرج منها الا عشية ذلك اليوم، مثل خوض معركة قانون من هو يهودي مع المحاولة الدائمة لفرض نمط الحياة الدينية على الناس، الأمر الذي أدى الى استياء الجمهور العلماني من محاولات الفرض والاكراه التي يحاول من خلالها المتدينون فرض نمط حياتهم على كامل المجتمع الاسرائيلي رغم الفروقات الكبيرة بين الشريحتين الاساسيتين اللتين يتكون منهما.

 ومع مرور الزمن تفاقم الاحتجاج على مواقف المتدينين لا سيما مع شعور الاسرائيلي العادي بأنه لا يحق للمتدين فرض شروطه على الآخرين وهو الذي يرفض القيام بالخدمة العسكرية، ورغم ذلك يحصل على مساعدات من الدولة التي لا يعترف بشرعيتها. وهو لا يساهم بصورة فاعلة في الدورة الاقتصادية للبلد نظراً الى أن الغالبية الساحقة من المتدينين او الحريديم لا يمارسون اعمالاً او مهناً معينة انما يكرسون حياتهم كلها، لا سيما الذكور منهم، لدراسة التوراة والتلمود ويأنفون عن الحياة الاجتماعية الاسرائيلية ويعيشون في احيائهم الخاصة التي هي اشبه بحياة بالغيتو، وهم يعتمدون في اعالتهم بصورة خاصة على المساعدات التي تأتيهم من أقرباء لهم او من مؤسسات دينية او من مساعدات حكومية. من هنا رَفْض الاسرائيلي العلماني الذي يؤمن بالحريات العامة والفردانية والمتشبث بقيم الحياة المعاصرة الحديثة الغربية ذات الطابع الاستهلاكي؛ ان يقنن اليهودي الحريدي نمط حياته انطلاقاً من قواعد دينية ومن تقاليد بالية قديمة مر عليها الزمن.

حرصت المؤسسات الحكومية في اسرائيل على المحافظة على نوع من الستاتيكو في التعامل مع التيارات الدينية سواء منها القومية ام المتشددة اي الحريدية. وذلك لتحقيق هدفين اساسيين: المحافظة على وحدة الشعب اليهودي واحتواء المتدينين ضمن اطار ملحق بالدولة يضمن رقابتها على هذه التيارات وسيطرتها عليها كي لا تخرج عن اطار العمل الشرعي، رغم ان العديد منها ينظر الى العقيدة الصهيونية على أنها نظرية "كافرة" و"آثمة" والى مؤسسات الحكم التي بنتها هذه الحركة بأنها خروج فاضح على تعاليم التوراة والدين، والى اليساريين الاشتراكيين الرواد الأوائل وبناة دولة اسرائيل باعتبارهم "كفرة" و"خونة" للديانة اليهودية. أما العلمانيون فتصورهم الصحافة الحريدية بأنهم "حيوانات، بهائم، وصراصير".

سياسات المسايرة للتيارات الدينية التي مارستها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة سواء منها العمالية اليسارية او اليمينية كانت نتيجتها تعاظم نفوذ هذه التيارات ونشؤ مجتمع متدين مواز للمجتمع العلماني في اسرائيل، له شبكة مدارسه ومحاكمه الشرعية وأحياؤه التي كانت احياناً تشكل "دولة ضمن دولة"، ولكن من ناحية اخرى ساهمت سياسة الاحتواء الرسمية هذه في الحاق هذه التيارات بالهيئات الحكومية الأمر الذي بدا مع مرور الزمن وانتشار قيم المجتمع الاستهلاكي وسيادة النمط الغربي في العيش أنه يعمل بصورة واضحة لمصلحة العلمانيين.

 وقد يكون سن قانون يسمح بتقديم المحلات للمأكولات التي تداخلها مواد مختمرة في عيد الفصح وبيع المحلات اللحم وفتح المقاهي ودور السينما ابوابها يوم السبت كل ذلك يدل بوضوح على ان تيار الحياة الاستهلاكية قادر على التغلب على نمط الحياة الديني المتزمت.

هل معنى ذلك ان المجتمع الاسرائيلي اليوم بات أقل تديناً من ذي قبل وبالتالي أكثر علمانية لا سيما ان كل استفتاءات الرأي العام في اسرائيل تدل على ان جمهور المتدينين يتبنى المواقف اليمينية وهو من اكبر المعارضين لعملية السلام مع الفلسطينيين والعرب؟ من الصعب الجزم لا سيما مع التزايد الديموغرافي الكبير لجمهور الحريديم وثبات التمثيل السياسي للأحزاب التي تمثل هذا الجمهور في الكنيست الأخيرة. الجمهور المتدين في اسرائيل لم تتغير ملامحه كثيراً ولكن يمكن القول ان الانسحاب من غزة وتفكيك المستوطنات هناك أضعف الى حد ما التيار القومي المتدين الذي شكل خلال الثمانينات والتسعينات النواة الصلبة المعارضة للإنسحاب من المناطق الفلسطينية المحتلة من اجل السلام مع العرب.

يظهر الحراك الذي شهده المجتمع الاسرائيلي في الآونة الأخيرة بصورة واضحة تراجعاً ما في نفوذ وتأثير التيارات الحريدية على الحياة العامة في اسرائيل التي تجنح أكثر فأكثر نحو قيم الحياة الغربية ومجتمع السوق ومظاهر حياة الاستهلاك والرفاه، وكل ذلك لا يكن ان يتم الا على حساب النظرة المتزمتة التي ترى الحياة من منظار ما جاءت به التوارة وما فرضه التلمود. المتدينون والعلمانيون في اسرائيل يعيشون اليوم في عالمين منفصلين منغلقين على بعضهما البعض مع اعتراف كل واحد منهما باختلاف الآخر عنه، وتراجع رغبة كل معسكر في فرض نمط حياته على المعسكر الآخر.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم