|
|
ملحق كلنا شركاء
كلنا شركاء - الملحق الثقافي
المترجم الخائن | المترجم الخائن |
|
|
| ملاحق - كلنا شركاء - الملحق الثقافي | ||
| بقلم: ثائر دوري | ||
| 30 نيسان 2008 الساعة 12:19 | ||
|
يتابع الكاتب فواز حداد، عبر روايته الجديدة «المترجم الخائن»، نهجه الجديد في الكتابة الروائية الذي افتتحه بروايته «مشهد عابر» التي لاقت نجاحاً كبيراً في العام الفائت 2007. فتكاد البنية الفنية للروايتين تتطابق حتى يمكننا اعتبار الرواية الجديدة جزءاً ثانياً للرواية الأولى.
إذا كان الكاتب قد حذرنا في بداية رواية «مشهد عابر» من الخلط بين ما هو روائي وما هو واقعي فإنه لا يفعل ذلك في روايته الجديدة لأن لعبتها الفنية قائمة على هذا الخلط، فهناك شخوص وأحداث تغادر الكتب إلى الحياة وبالعكس هناك أشخاص من لحم ودم يدخلون إلى الكتب ليصيروا شخصيات روائية، كما أن حياة ومصائر الشخصيات الروائية والأخرى الحقيقية متداخلة فهي تبدل مصائر بعضها بعضاً. (كان التأثير الروائي بالغ الحدة حتى اعتقد أنه لا يزيد عن اسم في رواية، وكي ينجو مما دهمه، أراد امتحان ما راوده بإشراك فاروط معه في بعض ما انطوت عليه تخيلاته من شطط. سيسأله طالما موقف واحد يجمعهما، فيما إذا كان مثله يحس أنه في رواية. لكن السؤال سيكون خيالياً جداً، فتوخى أن يصوغه بتعبير تفرضه الجريمة التي هما في داخلها، فسأله: «هل تتقاطع الرواية مع الحياة؟». استغرب فاروط السؤال وابتسم شزراً، فاضطر حامد إلى التوضيح: «وهل تتصور مثلاً أن ما يجري بيننا الآن، يجري في رواية؟». «ما الذي تقوله؟ أضحكتني، قراءة الروايات أثرت فيك». ربما لو خفض عيار الخيال، وأعطى لسؤاله طابعاً أدبياً، فقد يساعده: «أنت تعلم أن الحياة لا تبخل على الرواية بالمادة الخام. ألا تقدم الرواية بالمقابل شيئاً للحياة؟». «الكثير طبعاً، المتعة، الفائدة». لم يتابع ما كان فاروط يقوله، كان قد تلمس خطأه، كيف يفكر بأسلوب روائي، بينما هو واقف على الأرض؟! وما سؤاله إلا أن الرواية تحتوي على واقع لا يمكن تجاوزه، بينما الواقع يحتوي على رواية لا يمكن تفاديها». تبدأ الرواية وتنتهي بشخصية المترجم «الخائن» حامد الذي يعمل بترجمة روايات عن اللغة الإنجليزية. وبما أن كل ترجمة هي خيانة فهو يمارس الخيانة إلى حدها الأقصى، فيتدخل بصياغة الجملة وبرسم الشخصيات التي يترجمها إن أحس أنها ناقصة، كما يبدل النهايات لينقذ رواية هامة من نهاية مبتذلة. تبدأ رحلة هذا المترجم «الخائن» في الرواية أو في الحياة (لا فرق) مع مقال كتبه الناقد صلاح حسني تحت عنوان «نصائح أدبية» انتقد فيه المترجم حامد سليم واتهمه بمسخ أعمال روائية قام بنقلها من الإنجليزية، لكن هذا الناقد الذي يسيطر على مؤسسة صحافية رسمية كبيرة لا يعرف الإنجليزية، وقد كتب مقاله تصفية لحساب قديم بينه وبين المترجم، حساب شخصي تافه كان يجب أن يقبر في مكانه لكن نرجسية الناقد دفعته لهذه المعركة. لم يسكت المترجم حامد سليم بل رد بمقال على الناقد دون أن يذكر اسمه. و كادت القصة تنتهي عند هذا الحد لولا المصادفة السيئة التي جعلت إحدى الروايات التي ترجمها حامد، وهي لروائي إفريقي يكتب بالإنجليزية، تفوز بجائزة بوكر فعرف الوسط الثقافي أنه قد غيّر نهايتها، فالرواية التي كانت تدور حول جامعي أسود ينهي دراسته في بريطانيا وبدل أن يعود إلى موطنه تزوج من فتاة شقراء وبقي هناك. لكن حامد جعله يعود إلى موطنه. وهنا بدأت الحملة لذبحه من أطراف عديدة متناغمة. وعندما دافع المترجم عن نفسه مستخدماً لغة يستخدمها الحزب الحاكم بأن كتب مقالة تشيد بالمثقفين الذين يعودون إلى وطنهم لم تقبل الجرائد نشرها بل تسربت إلى فروع الأمن فيستدعيه الفرع 312 وهو فرع أنشأ حديثاً للتعامل مع المثقفين تحديداً، وهناك يجد حامد ضابط أمن من نمط جديد ينتقد الوضع القائم ويقرر أن الحزب بحاجة إلى التفجير وكلمه عن الفساد المستشري، وحدثه عن الوضع الدولي وضرورات التغيير في البلد. فبدا حامد أمامه فاغر الفم. هل يعقل لقد سرقوا خطاب المعارضة بالكامل! لا بل إن خطاب المعارضة سيبدو قزماً بجانب ما يقوله الضابط. وفي النهاية يطلب منه الضابط أن يسحب مقالته بحق الناقد صلاح حسني. وألا يدافع عن نفسه. وتدريجياً يكتشف حامد أن هناك مافيا حقيقية تسيطر على الوضع الثقافي. مافيا يجب أن تكون أحد أفرادها حتى تضمن الصعود في الوسط الثقافي وإلا لن تقوم لك قائمة. فالروائي الموهوب دمروه لأنه لم يقدم فروض الطاعة. وكثر من عديمي الموهبة صعدوا إلى أعلى درجات المجد والشهرة دون أن يمتلكوا أية موهبة كل ذلك بفضل المافيا بعد أن يقدموا التنازلات المطلوبة ويرضخوا للعلاقات داخل هذه المافيا، القائمة على الخضوع وتقديم فروض الولاء والطاعة لعرابي هذه المافيا إن كان ذكراً، وعلى الذهاب إلى السرير إن كانت الباحثة عن الشهرة أنثى. وتمتد هذه المافيا على مساحة الوطن العربي وجرائده ومركزها الرئيسي في بيروت. يكفي أن ينطق أحد عرابيها بجملة سلبية بحق كاتب أو كتاب حتى ينطلق هجوم على الكاتب أو كتابه وبكل أنواع الأسلحة من المحيط إلى الخليج وبالعكس إن كان رأي العراب إيجابياً، فكم من المواهب دفنت وكم من عديمي الموهبة صاروا شعراء وكتاباً وروائيين. وكان قدر حامد أن المافيا غضبت عليه. فضاقت الدنيا بوجهه: زوجته تركته، وصار بلا عمل فجاع أو كاد، وضاعت سمعته. حتى أنقذه المفكر المستشار حكيم نافع الذي أنشأ دار نشر ضخمة بمساعدة السفارات ومراكز البحث الغربية، دار نشر تنشر كل شيء من الفكر والفلسفة حتى ترجمات لروايات عاطفية رديئة. عرض عليه المفكر المستشار أن يعمل معه بالترجمة سداداً لدين قديم لشخص أدى له خدمة بشرط أن يترجم تحت اسم مستعار هو عفيف حلفاوي، وهنا نتعرف على شخصية أخرى من شخصيات الوسط الفكري والثقافي هو المفكر المستشار الذي بدأ حياته يسارياً فحاز شهادة الفلسفة من جامعات الاتحاد السوفيتي ليعود مستقراً في الجامعة، وعندما أحس بتبدل الأوضاع في العالم قبل انهيار الاتحاد السوفيتي بقليل وبعده انتقل إلى أفكار جديدة آتية من الغرب، فصار متابعاً لكل مدرسة أو صرعة فكرية في الغرب وأخيراً كان مشروع النشر هذا المدعوم من أوساط في الغرب تعمل على صياغة مصير العالم الثالث فلا تترك أية فئة من فئاته بدون شيء تتابعه، فالنخب لها ما يخصها وكذلك ربات البيوت والطلبة والفئات الشعبية. وهذا أول انشطار لشخصية المترجم حامد، فقد صار شخصين: حامد الحقيقي، وشخص آخر هو مترجم الروايات الرديئة عفيف الحلفاوي. ثم يأتي الانشطار الثاني عن طريق رئيس تحرير يعرفه من سابق، حيث عرض عليه تحرير الصفحة الثقافية المحلية لكن تحت اسم مستعار آخر هو «أحمد حلفاني»، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل جاء الانشطار الثالث عن طريق الروائي الشهير سمير الفاروط الذي هو عضو أساسي وفاعل في المافيا الثقافية فهو ينتقل من التلفزيون إلى الإذاعة إلى المؤتمرات الأدبية خارج القطر، ولأنه لم يعد يجد الوقت الكافي للإبداع فقد قرر أن يستعين بالمترجم حامد ليعطيه أفكاراً من روايات إنجليزية غير مشهورة ولا معروفة ليعيد الروائي الشهير طحنها وهرسها في ذاته الأدبية ويضيف إليها وينقص منها ليخرج بعمل جديد من «إبداعه» ليصبح للمترجم حامد اسم جديد «حسن حفلاوي» وبهذا صارت ثلاث شخصيات تتقاسم ذات الكاتب وباتت تعوقه عن الحياة فهي تتصارع فيما بينها كل واحد منها يريد الوقت ليمارس عمله، حتى يقرر الكاتب أن ينتفض ويتحرر عبر قتله الروائي سمير الفاروط. لكنه يفشل بهذه المهمة ! يرسم الكاتب خلال الرواية صورة قاتمة للواقع الثقافي العربي، وهي صورة مماثلة للواقع السياسي الذي نتعرف على بعض ملامحه عبر شخصيات مثل الفنان العراقي الذي يبتهج لسقوط تمثال ساحة الفردوس ويعود إلى العراق «المحرر» فيصدمه واقع الاحتلال فيقرر العودة إلى المنفى من جديد لكنه لم يعد يحتمل فيموت على قارعة الطريق دعساً، أو الشاعرة ليلى التي تزوجت شاباً من منظمة التحرير انتهى مقتولاً برصاصة خاطئة في تونس. لكن تبقى شخصيات الرواية الأساسية تتحرك في الوسط الثقافي بين مبدعات يبعن أجسادهن في سبيل الشهرة، وبين لصوص احترفوا سرقة الأفكار، ومفكرين يعرفون من أين تؤكل الكتف، ومتى يبدلون أفكارهم فيتبنون الواقعية الاشتراكية، ثم نظرية الالتزام، ثم يتنصلون من كل شيء لصالح العدم الإمبريالي. يتداخل في هذه الرواية الواقع مع الرواية، فالشخصيات تخرج من الرواية إلى الواقع أو بالعكس، أو تخرج من كوابيس المترجم حامد إلى حياته اليومية. واقع قاس لا حلم به حتى بخلاص فردي إذ إن المافيا المسيطرة تسد كل الأبواب في وجهك فكان الحل بقتل أحد أبطال هذه المافيا. لكنه للأسف حل لم يكتمل.
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|