|
الإيرانيون بين نجاد وباربي |
|
|
|
هلوسات -
مختارات متنوعة
|
|
02 أيار 2008 الساعة 10:53 |
|
حسان حيدر - الحياة
قبل أيام احتج النائب العام الايراني نجف أبادي على «الغزو» الذي تشنه الدمية «باربي» لبلاده، ودعا الى حماية «الشباب من تأثيراتها الثقافية الضارة»، وبعث برسالة الى نائب الرئيس الايراني تدعوه الى «ايجاد بدائل لمواجهة هذه الهجمة التي تستهدف اطفالنا وشبابنا الذين لا تزال شخصياتهم في طور التشكّل» وعلى «اتخاذ اجراءات لحماية الثقافة الاسلامية والقيم الثورية». وقد لا تكون الدمية «باربي» التي ابتكرها الاميركيون في العام 1959 وشاعت في انحاء العالم تناسب في ما يتفرع عنها من اسلوب عيش وملابس وعلاقات، اطفال المجتمعات الاسلامية عموما، لكننا كنا نتوقع ان يأتي التحذير من «مخاطرها» وما تشيعه من قيم اجتماعية، من وزير التعليم او الثقافة او من هيئة دينية في أبعد تقدير، وليس من النائب العام، أي الشرطي. ففي ذلك تهرب زجري من الإجابة عن السؤال الفعلي حول اسباب «نجاح» الدمية في ايران وفشل البدائل المحلية التي ابتكرت لها ولم تلق رواجا. ولن يفيد النائب العام ان يتهم مهربين باستقدام الدمى الى ايران و «تحقيق ارباح على حساب القيم الثقافية»، فالمشكلة ليست في التهريب، بل في كون القيم التي يروج لها النظام الايراني ويدافع عنها، لم تنجح في اقناع الصغار بالتخلي عن دميتهم، وفي اقناع الكبار بقبول السياسات المفروضة عليهم في كل المجالات، وخصوصا الثقافية، ما جعلهم يتلقفون اي بديل وارد، لا سيما انه لم يكن غريبا عنهم قبل ثورة العام 1979. أما «البديل» عن القيم الغربية التي تروج لها «باربي» فسمعناه على لسان الرئيس الايراني نفسه احمدي نجاد عندما اعتبر «ثقافة الشهادة» وسيلة لتسوية المشكلات الاقتصادية وإقامة «الدولة العالمية للعدل»، وقوله خلال لقاء مع ذوي قتلى سقطوا في الحرب الايرانية - العراقية «اذا أردنا بناء بلادنا وصون عظمتها وتسوية المشكلات الاقتصادية فنحن بحاجة لثقافة الشهادة». وفي اعتقاد نجاد ان الرد على الانتقادات المتزايدة لأدائه الاقتصادي والسياسي يكون بدفع الايرانيين الى «الشهادة» حيث لا شكوى ولا تذمر، فالموت هو الحل والثقافة المبتغاة والبديل. والموت يلغي الفوارق والمطالب والدعوات الى التغيير والاصلاح. وتنطوي هذه الدعوة الى «الشهادة» على تهديد مبطن للمعارضين والمعتدلين لأنهم «يلهون» الناس عن غايتهم المنشودة ويشغلونهم بتفاصيل حياتية لا قيمة لها في رأيه. وبدلا من ان يعيد النظر في كيفية تصرفه في عائدات النفط والغاز وإنفاقها على التسليح والمفاعلات وتمويل منظمات «الاستشهاديين» في لبنان والعراق وفلسطين، يبالغ نجاد في التطرف دفاعاً عن اخطائه الى درجة اضفاء صبغة «ربانية» عليها بدعوته «الطامعين الدوليين» الى «الاعتراف بالإرادة الالهية والانصياع الى حتمية سيطرة العدل على العالم، وحكومة الرجل الصالح المنتخب من الله»، معلناً «بدء العد العكسي لتدمير القوى العظمى» التي تلتهي شعوبها بتحسين وضعها المعيشي ورفاهها. ومن «يكلفه» الله لا يناقشه العباد. وهكذا تصبح الدمية المخصصة اصلا للاطفال، ذريعة بيد النظام للانقضاض على ما تبقى للايرانيين من هامش حريات ضيق، ولإلغاء اي قدرة لديهم على التعبير عن همومهم ومشاغلهم ورغبتهم في التغيير. لكن رد هؤلاء جاء حاسماً ايضا، فهم ازاء تخييرهم بين ثقافة الهباء وقيمه التي يدعو اليها نجاد، وبين «باربي»، عرفوا تماما من يختارون.
|