إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






مقالات مختارة متنوعة
في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow سلام في سورية من أجل سلام لـ سورية
سلام في سورية من أجل سلام لـ سورية Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
04 أيار 2008 الساعة 17:51
ياسين الحاج صالح - الحياة

من شأن سلام سوري - إسرائيلي، تتوسط فيه تركيا اليوم، أن يدخل تغييراً عميقاً على بيئة الشرق الأوسط وصراعاته. وهذا أمر مرغوب فيه، حتى لو كانت أولى ثماره، بل الدافع السوري إليه، تأمين النظام وضمان سلامته. والأمر كذلك من وجهة نظر سورية داخلية لما قد يترتب على تغير البيئة الإقليمية من تغير إيجابي في البيئة السياسية والقانونية والثقافية الداخلية. وهذا بالضبط ما يبدو أن الطرف السوري يرفض التفكير فيه أصلاً. فمن وجهة نظر النظام، تغير البيئة الإقليمية مفضل لأنه يربط ربطاً محكماً بين مصير النظام ومصير السلام، فيمنح كفالة دولية، أميركية أساساً، لأمن النظام الذي يحمي «السلام». وفي النتيجة تغدو قضية التغير السياسي أشد استعصاء على السوريين مما هي اليوم.

ما يرجح أن نحصل عليه هو مزيج من سلام غير عادل ومن أوضاع داخلية تماثل الوضع الراهن، وتتفوق عليه في أنها أشد منه حصانة وأمنع منه على التغيير. ما الذي سنستفيده إذن؟ ربما فقط تبدل «مرجع» حال الاستثناء من: اخرسوا، نحن في حال حرب! إلى: اخرسوا، نحن نبني السلم!

أما القول إن من شأن سلام سوري - إسرائيلي أن يطلق ديناميات سياسية وفكرية ونفسية تتجاوز مقاصد النظام، وقد تبطلها، فليس صحيحاً إلا بقدر ما ينخرط سوريون كثيرون منذ الآن في إبداء رأيهم في ما يجري، ويدرجون «السلام» المحتمل في تصور أعرض لمستقبل بلدهم. من شأن السلبية العامة الراهنة، بالعكس، أن تفضي إلى المزيج المتوقع: سلام سيئ مع «العدو»، وأوضاع سيئة في الداخل.

تلح الحاجة إلى نقاش عام في سورية حول السلام المحتمل، يتجاوز تفاصيله وإجراءاته، إلى الأسس الفكرية والقيمية والقانونية لسلم وطني سوري جديد، يقطع مع نظام الحرب الداخلية ويضع حداً لنظام الاستثناء المقيم منذ مطلع العهد البعثي. والبند الأول في هذا النقاش هو الربط بين السلام مع إسرائيل وإنهاء حال الطوارئ ونظام الاستثناء القانوني والسياسي الذي سوغ نفسه بالحرب. ترى، هل نبني سلماً سورياً داخلياً يساعدنا على تحمل سلم مفروض مع إسرائيل، أم بالعكس نؤسس على السلم المحتمل مع إسرائيل طوراً جديداً لنظام الاستثناء ذاته؟ هذا هو السؤال. وظاهرٌ أن الأمور تجري في الاتجاه الثاني. وأن التفرج عليها بدلاً من مبادرات فكرية وسياسية اعتراضية سيسهم فقط في تجديد شباب نظام استثناء، لن يتأخر عن اختراع حروبه ومعاركه الجديدة التي تسوغ استمراره: حرب ضد الإرهاب أو التطرف أو الأصولية.

لكن ألا نجازف بتلهفنا الى كشف إغراض النظام من عروضه السلمية بأن نعمى عن أغراض إسرائيل ذاتها، والأميركيين من ورائها؟ يعرف الإسرائيليون أكثر منا سر المفاتحات السلمية السورية، ويبدو أنهم يريدون حلب كل ما يمكن حلبه من الطرف السوري، من دون أن يلزموا أنفسهم بغير كلام عمومي عن إعادة الجولان. فإذا تسنت يوماً فرصة ترجمة هذا الكلام إلى فعل فمن المحتم أن يكون مشروطاً بتخل سوري نهائي عن «حزب الله» وعن «العلاقة الاستراتيجية» مع إيران وعن «حماس» ومنظمات فلسطينية، ما يعادل انقلاباً تاماً للنظام على نفسه. هذا فضلاً عن الأساسي: ترتيبات أمنية متمحورة حول حماية السلام وتوجيه الحياة السياسية السورية في هذه الوجهة. هذا ربما يغري النظام بالانقلاب على نفسه، لكن بدلاً من سلام يفتح آفاق تطور البلد السياسية والاقتصادية والثقافية ستحصل سورية على سلام يئد فرص التطور ومن دون مكسب وطني حقيقي.

أما من خيار آخر؟ من وجهة نظر المصلحة الوطنية السورية نؤمن بوجود خيار مختلف: تغيير البيئة الداخلية باتجاه إصلاحي وديموقراطي والعمل على بناء إجماع وطني جديد أو سلم وطني جديد. يبدو خيار كهذا «ميتافيزيقيا» وليس سياسياً بامتياز. أقرب إلى هروب إلى ديار الطوبى منه إلى مواجهة الوقائع القاسية للسياسة السورية والشرق الأوسطية. غير أن ما لا يدركه هذا النقد أن احتلال الجولان جزء فحسب من احتلال مزامن تقريباً لكامل الأرض الاجتماعية والسياسية والثقافية المستقلة في سورية، احتلال يشكل جوهر الأزمة السرية المتمادية. السلام، حتى لو كان عادلاً، لا يعالج أزمة لم تنشأ عن حرب غير موجودة. ما يمكن أن يكون أساس معالجة الأزمة هو قلب هرم الأوليات الوطنية، المنكوس على رأسه، ليستقر على قاعدته: الأولوية لمطالب السوريين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كما يعبرون عنها بحرية. وكما أن غياب السلام مع إسرائيل ليس هو الذي قلب هرم الأولويات الوطني، فإن هذا لن يستوي بحضوره. في أقصى حالاته يمكن للسلام أن يكون عنصراً مساعداً لقيام أوضاع سياسية سورية في البلد.

الغرض أن نقول إنه يتعذر حل مشكلات الوضع القائم وتناقضاته على أرضيته هو نفسه. فلا يمكن تركيب شيء عقلاني على أسس غير عقلانية، والانشغال بمعالجة أعراض الأزمة دون جوهرها عبث. تغيير جذري في البيئة السياسية الداخلية هو وحده ما يمكن أن يؤسس لسياسة جديدة، وطنية وعقلانية. وليس هذا ممتنعاً إلا إن قبلنا تشريع الوضع القائم للمكنات السياسية الوطنية. والحال، إن قبلنا بذلك فلن نحصل إلا على الوضع القائم نفسه.

وكما أن موقع سورية في «محور الممانعة» لا يحل أية مشكلة وطنية، فإن انتقالها إلى «محور الاعتدال»، على نحو ما يريد الأميركيون والإسرائيليون، لا يحل أية مشكلة أيضاً. المحوران متمركزان على حد سواء حول مركز خارجي هو المحور الأميركي الإسرائيلي. ما يمكن أن يخرج البلاد من التقلب بين محاور خارجية هو نقل مركز السياسة إلى الداخل الاجتماعي والوطني السوري. سيكون مستقبلنا بدداً من دون ذلك ووحشياً أيضاً.

... إذا كان ممكناً العمل من أجل سلم سوري - إسرائيلي، فلا نستطيع إن نفهم لماذا يكون العمل من أجل سلم سوري جديد ممتنعاً.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم