|
|
|
|
| مواقع سورية |
|---|
هلوسات نسائية
فلسفة ، علوم و ثقافة
توظيف الرمز الأسطوري في رواية الحريق لمحمد ديب | توظيف الرمز الأسطوري في رواية الحريق لمحمد ديب |
|
|
| هلوسات - فلسفة ، علوم و ثقافة | ||
| 07 أيار 2008 الساعة 11:30 | ||
|
بقلم: الأستاذ/ سليم بتقه / جامعة جيجل/ الجزائر تشكل الأسطورة الشعبية والتراثية حيزا زمانيا ومكانيا مهما في تاريخ الحضارات الإنسانية المتعاقبة في تاريخ الفكر البشري منذ تشكلاته الأولى، حتى الوقت الراهن. فالأسطورة نتاج معرفي جماعي يجسد وضعا معرفيا أنثروبولوجيا، بواسطته يمكن دراسة المكونات الثقافية والفكرية لدى أمة من الأمم. وهي بنية مركبة من تاريخ وفكر وفن وحضارة، وبالتالي فلها قدرة امتداد ماضيا وحاضرا ومستقبلا. من الباحثين المهتمين بالرمز الأسطوري وعلاقته بالترميز اللغوي"ليفي ستراوس" (Claude Levi Strauss) الذي نشرمقالة سنة (1955) بعنوان "الدراسة البنيوية للأسطورة" وضح فيها التماثل بين النظام الرمزي الثقافي، والنظام الرمزي اللغوي على اعتبار أن الغاية الأساسية لكلا النظامين هي التواصل، وأن ما يميزهما هو التكرار والاستمرارية المميزة لكل فعل منظم يرتقي إلى مستوى القانون. وفي كتابه "البنيات الأساسية للقرابة" (Les structures élémentaires de la parenté) الذي ألفه سنة(1949) ذكر ستراوس أن العلاقات الاجتماعية شبيهة بالنظام اللغوي، لأنها مبنية على أساس التبادل والحوار والتواصل الخاضع لضوابط النظام الرمزي للمجموعة البشرية. هذا البعد الجوهري أهل الإنسان لأن يرتقي إلى مستوى إدراك حقائق تنظيمية يعبر عنها عبر الوسائط الرمزية التي جعلت حياته تنتظم وفق سياقات خاضعة لمجموعة القيم التي يعتمدها كأساس لسيرورة وضمان بقائه، ومن ثمة الانتقال من مستوى الوجود الطبيعي (Homo Natura) إلى مستوى الحضور الثقافي (Homo Cultura) ..يقرر ستراوس أن المنظومة الأسطورية لشعب من الشعوب هي بمثابة بنية خطابية، أو باختصار هي خطاب متداول. تمثل الأسطورة قسما من الفكر الموضوعي للإنسان والوعي بتداول وإنتاح النص الأسطوري وبناء المعنى فيه، ولا يشترط الوعي بقواعده أثناء تداوله وإنتاجه. يظهر الرمز الأسطوري في (الحريق) ممثلا في الحصان حيث نجده يتمظهر في تمظهرين هما: تمظهر واقعي: وفيه يؤدي أدوارا في حياة الشخصيات الروائية لا يساهم في تصعيد الأحداث إلا بشكل محدود.(حكاية سليمان مسكين مع السلطة الاستعمارية, وكيف أن أسرته تشردت، وأبعد والده إلى الكيان بسبب تشبثه بحصانه، ورفضه تسليمه لأحد المعمرين.) تمظهر أسطوري: وفيه يتخذ الحصان مظهرا أسطوريا في شكله واسمه ودوره. وعن استحضار صورة الحصان في الرواية، فإن الخيل اكتسبت تقديرا وقدسية في الثقافة الشعبية، وفي الموروث الثقافي. لقد أقسم الله تعالى بالخيل في قوله تعالى: ((والعاديات ضبحا)) سورة العاديات:الآية1 . وفي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، فإذا رأيتموها فامسحوا على وجوهها وادعوا لها بالبركة). متفق عليه. إن حضور الحصان في الأساطير يؤشر على كونه جزءا من بيئة إنسان الريف خاصة وأن الطابع الغالب على منطقة الريف هو الطابع القروي في خريطة جغرافية تتسم بتواجد الجبال وكثافة الغابات، وما استتبع ذلك من مسالك وعرة. هذا الواقع الجغرافي فرض على الإنسان الريفي معايشة الحيوان (الحصان) ومحاورته باعتباره أبرز كائنات الطبيعة المحيطة به. فهو وسيلة للنقل المتاحة في جغرافية المنطقة، ووسيلة حرب لا غنى عنها فقد كان حضور الحصان في المعارك التي خاضها الجزائريون خاصــــة الانتفاضات الشعبية ضد الغزو الاستعماري مميزا، وقبل ذلك في الفتوحات الإسلامية. هذه المعايشة أفرزت سلوكيات مصاحبة على المستوى الاجتماعي، فقد أدى هذا الاعتزاز بالحصان إلى أن جعل محورا لأغانيه بل تعدى إلى التمظهر الأسطوري. هذا الحصان الأسطورة أضاف له الكاتب من عندياته، فقد جعله حصانا أبيضا طائرا له جناحان يطوف بالقرية، وبأسوار "المنصورة" حصان بلا سرج، ودون لجام، بلا فارس، ولا عدة، وغار في الظلام. إنه يرمز إلى الحرية، يلهم استحضار التاريخ ممثلا في تلك الأيام المتوحشة قبل وصول الفرنسيين. إن تجوال الحصان وهو يضئ عند مروره أسوار "المنصورة القلعة القديمة التي ظلت صامدة أمام الهدم، يعيد إحياء الماضي المجيد ويدعو إلى الفعل(المقاومة)، إلا أن ظهوره لا يتخذ معنى إلا عند دورانه للمرة الثالثة حول المنصورة، فعندما قام الحصان بدورته الثالثة حول القلعة العتيقة، حينها طأطأ الفلاحون رؤوسهم عند مروره وفي هذا دلالة على الخضوع أي خضوع الشعب الجزائري للمستعمر الفرنسي. حصان الشعب يحاول استعادة الفضاء والكلمة المصادرة، ضد الآلة الوحشية المدمرة المنتسبة للكولون ورمز خطابه القاطع. «لم تأخذ الفلاحين سنة من النوم ... فرأوا تحت أسوار المنصورة حصانا أبيضا بلا سرج ولا لجام ولا فارس ولا عدة ، يهتز عرفه بعدو جنوني ... حصان بلا لجام ولا سرج يبهرهم بياضه، وغار الحصان العجيب في الظلام. وما كادت تنقضي دقائق معدودات، حتى دوى عدوه من جديد يطرق الليل، عاد الحصان يظهر تحت أسوار المنصورة وعاد التطواف بالمدينة القديمة المندثرة. كانت الأبراج الإسلامية التي قاومت الفناء تلقي ظلالها الكثيفة في الضوء المعتم. ودار الحصان بالمدينة القديمة مرة ثالثة، حتى إذا مر بالفلاحين حين أحنوا رؤوسهم جميعا، وامتلأت قلوبهم اضطرابا وحلكة، لكنهم لم يرتجوا هلعا ... فكروا في النساء والأطفال. قالوا لأنفسهم: عدوا في الليل يا حصان الشعب، عدوا إلى الشمس وإلى القمر في ساعة النحس ونذير الشؤم. منذ ذلك الحين أصبح الذين يلتمسون لأنفسهم مخرجا، الذين يبحثون عن أرضهم مترددين، الذين يريدون أن يتحرروا، وأن يحرروا أرضهم، أصبحوا يستيقظون كل ليلة ويمدون آذانهم منصتين. إن جنون الحرية قد صعد إلى رؤوسهم. من يحررك يا جزائر؟ إن شعبك يمشي في الطرقات يبحث عنك». أسطورة الحصان في حكاية "كومندار" تظهر ككثافة رمزية، حيث تنشر موجاتها من خلال سلسلة من الامتدادات الدلالية والموضوعية والتي تتحكم في معنى الشبكة الاستعارية لكل الرواية: بياض، قوة، حرية، قتال، مجد، عزة، شرف، رجولة. تنفتح القصة على تردد حقيقي في النص:«كانت نار قريبة بعيدة تضيء الفضاء». هذه الصورة تجسد تناقض العلاقة في الماضي التاريخي؛ قريب بالعاطفة والحدس، وبعيد بالمعرفة. مثل هذا الولوج الذي يضع القصة في ديمومة الأسطورة والخرافة، يعلن عن ظهور رموز تنتمي إلى الثقافة الشعبية الشفوية: • السياق الفضائي الزمني يعمل على البنية الأسطورية الثنائية: وضوح / ظلمات نهار / ليل • أثر الظهور العظيم للحصان في حركة الصعود (يصعد نحو السماء)، بياضه المبهر وسرعته الجنونية. إن تحضير السياق الملائم للظهور سيستلهم من الثقافة الشعبية التي تحيل على (ليلة القدر) في النص القرآني. هذا الظهور له هنا كذلك خاصية مقدسة لرسالة من وراء ذلك:«كان قمر الصيف يزيد فوق الوهاد السوداء المنفغرة بين الجبال. لم يعد الوقت ليلا وكان الجو والأرض يتألقان، وكان في وسع المرء أن يستبين كل حزمة من عشب، وكل مدرة من تراب. وكان الجو والأرض والليل تتنفس لهاثا غير ملحوظ». من الارتفاع (الحصان يصعد نحو السماء) إلى الأسطورة (دوى عدوه من جديد يطرق الليل). من الخرافة إلى التاريخ (عاد الحصان للظهور تحت أسوار "المنصورة"). إن هذا التطواف أثبت الشرعية المتطورة للذاكرة الشعبية (عدوا يا حصان الشعب ... في ساعة النحس، ونذير الشؤم، إلى الشمس، إلى القمر). هذه الكثافة الرمزية التي تنتجها القصة، تعمل على بناء حدود الماضي الأسطوري وتقدم على أنها صفة "للأنا" الذي يحاول تحرير كلمته الأصلية المبعدة. المخيال الجمعي هنا أبطل بطريقة غير شعورية رقابة خطاب الآخر، وطور صوتا ثانويا.(وفجأة ترجعت في الأرجاء أصوات حوافر تقرع الأرض) هذا الصوت أفسد في نفس الوقت غفوة الاستلاب "الأيديولوجي". (لم تأخذ أحدا من الفلاحين سنة بعد ذلك). إن تكرار ظهور واختفاء الحصان، (أحيانا يضيء الفضاء ببياضه المبهر، وأحيانا يغور في الظلمات) هو إيحاء لتناقضات وتشوهات وعي المستعمر (بفتح الميم)، حيث تظل منطقة الضوء دوما مهددة من طرف الدياجير، ولا تجد من يعيد لها لونها الأبيض إلا في معجزة الأصوات، والرؤى الشبحية (Fantomatiques) . تمجيد الماضي الأسطوري لا يرى معناه المتجدد إلا في صراع الخطابات (الأصلي والآخر) والذي يحيي النص: حصان الشعب يحاول استرجاع الفضاء والكلمة المصادرين. صدام الخطابات هو أيضا صدام زمني، لأنه إذا كان الحصان الأسطوري يمثل هوية "الأنا" في صورته الماضية المجيدة، فإن الحاضر يأخذ أشكالا وحشية "للآلة الكولونيالية". استحضار الحصان نجده أيضا في الحديث عن "زهور" وذلك من خلال الإحساس القوي لدى عمر بتلك التسوية بين المرأة – الوطن وهو يكتشف عري "زهور":«وحين رأى بطن زهور العاري طافت في ذهنه على حين فجأة صورة حصان فخم، عجيب ومشؤوم بعض الشؤم، إلا أنه حصان يسمح له بجميع الآمال». وفي أغنية "كومندار": ماذا جرى لك ياحصاني؟ يا حصاني... إيه حصاني... إيه حصاني ما الذي ينقصك ؟ هذه الأغنية المنطلقة من بعيد تكسر جدران الصمت هناك في الأراضي العالية الغارقة في الظلام إنها شكات كومندار القاتمة الحزينة كأنها انتحاب. إنها تعبير عن السكون، سكون الحاضر، حاضر يعوزه الواجب فيغدو مليئا بالضجر إلى أن يأتي يوم "البعث". فالحصان إذن يرمز للإنسان الجزائري الحر الذي تصدى لعوادي الزمان حين عرف واجباته فما الذي ينقصه اليوم حتى يجدد العهد مع الشرف والحياة الكريمة. الرمز التاريخي: من جهة أخرى، فإن استحضار الماضي، والاتكاء على الأجداد لاستلهام الوطنية قد كان لعب دورا مهما فيما عرف بالمقاومة السلبية التي ظهرت عقب الثورات الشعبية، والتي عمل الاستعمار بكل ما أوتي من قوة على إخمادها. هذه العودة إلى التاريخ عملت على تثبيت روح المقاومة، وتجسيد الصراع بين الشعب الجزائري والمحتل الفرنسي، منه تستلهم الوطنية وتبقي على أمل تحول هذه المقاومة السلبية يوما إلى مقاومة حقيقية على الأرض ولأجل الأرض. «في هذا المكان كانت تقوم في الماضي مدينة "المنصورة" التي ما نزال نرى جدران سورها ، وما نزال نرى برجها المغربي». إن تثمين الماضي بحدته يحيل على "الأيديولوجيا" التاريخية، وذلك بإسقاط هذا الماضي المليء بالمفاخر على حاضر منحط من أجل رؤية مستقبلية. فهذا "كومندار" يدعو "عمر" إلى الاستماع إلى الجدة "أم الخير" التي ترمز إلى الماضي، ماضي ما قبل الاحتلال الفرنسي. هذه "أم الخير" صخرة متماسكة، تحتفظ بهذا الماضي المجيد، ماضي الفلاحين، ولكنه ماضي الجزائر الذي هو ماضي "عمر": «ستقول لك أم الخير أن جدها كان محاربا عظيما، فارسا كبيرا، حكيما، أحكم من سائر الحكماء، يعلو بعدله وخيره وبسالته خاصة على سائر رجال القبيلة...غير أن هذا كله ليس شيئا ذا بال. لقد كان جدها أكثر من ذلك: كان إنسانا ملكا». شخصية الأمير "عبد القادر" تم استحضارها كرمز للوطنية المحررة في سيرها نحو الوحدة (توحيد الوطن): «...أشباح عبد القادر ورجاله تهوم فوق الأراضي الظمأى». وطنية الفلاحين كانت في الفترة الممتدة ما بين (1830-1871) ظاهرة عمت سائر أرجاء البلاد، وتغلغلت في النفوس. يقول المؤرخ الفرنسي "روسي" (Rousset): «إن استسلام عبد القادر كان له وقع شديد على العرب...على أن الحرب ما لبثت- بعد استسلام الأمير- أن اتخذت شكلا آخر...لم يمنعها من أن تسبب للقادة الإمبرياليين كثيرا من المتاعب». قلعة المنصورة: رمز التلاقي بين الشرق الجغرافي، والمشرق الحضاري، الحضارة العربية الإسلامية ذات الأصول المشرقية، كما ترمز للصمود، فالقلعة تاريخيا صمدت أمام بني عبد الواد الذين خربوا كل معلم من معالم الحضارة فيها نكاية في المرينيين وطبيعيا أمام عوامل التعرية، منها يستمد الفلاحون قوتهم وصمودهم لمواصلة النضال. الرمز الخاص: الآلـــــة "كومندار" مرة أخرى يسرد للطفل "عمر" تلك الحادثة الأليمة التي قضى فيها أحد العمال نحبه على يد آلة الحصاد التي يمتلكها "مسيو ماركوس": «كانت الآلة تهز مفاصلها الفولاذية الكبيرة في وحشية. إن رجلا قد انطوى فيها يتحرك محاولا أن يتملص منها، ولكنه يظل معلقا بها وقد انغرزت أسنانها في جسمه. وأخذت قطرات ضخمة من الدم تنهمر ببطء على السنابل التي حلقت منذ لحظة... تحطمت كليتاه وتهشمت عظامه كلها، كان الدم يرشح من جسمه بغير انقطاع ، فيسقي الأرض ببقع حمراء». عرف عن "الآلة" أنها رمز التقدم والتحضر، وضعت في خدمة الإنسان، تضاعف الإنتاج وتختزل الوقت. إلا أنها في حكاية "كومندار" ترمز إلى الموت. لقد شبهها الكاتب بالوحش الذي ينقض على فريسته فلا يترك لها فرصة الخلاص، وحش، ولكنه من حديد سقط من السماء، تعددت أعضاؤه، هذه الأعضاء من حديد وخشب، له أذرع بلون أحمر قاني، أسنانه من فلاذ، يتصف بدمامة الشكل، والقوة، هو كائن من حديد بمخالب وأفكاك. إن هذا الأوصاف التي أحاط بها الكاتب هذه"الآلة" تعمل على تفخيم وحشيتها «الآلة تحرك أذرعتها الفولاذية الكبيرة بكل وحشية...» إن رجلا قد انطوى فيها يتحرك محاولا أن يتملص منها، لكنه يظل بها وقد انغرزت أسنانها في جسمه». إن هذا العمل يبرز بوضوح عدم توازن القوى بالتركيز على الميزة الميكانيكية "للآلة"؛ لا تقهر، متوحشة، في مقابل ميزة الإنسانية وهشاشة العامل. آلة ≠ إنسان فولاذ ≠ عظم حديد ≠ دم بواسطة هذا التخريج يمكن فضح ذلك التوهم المتعلق بالمشروع الاستعماري المحضر: فالآلة على غرار القانون، قد تم جلبها كوسيلة للتقدم. في نفس الوقت تم تأسيس رؤية تنبؤية التي تضع في المشهد التدمير الذاتي للآلة التي تسببت في تدمير الإنسان: «إن هذا الجهاز المعقد من الأذرع والروافع قد تقضض دفعة واحدة وهو يقرقع قرقعة شديدة: فانخبط العامل على الأرض وانسحقت عظامه. إنه لم يعد إنسانا بل أشلاء سوداء» . يصف "كومندار" بعد ذلك رئيس العمال الذي جاء مهرولا بعد سماعه بالحادثة: «وخرج مسيو أوجست ...إن وجهه وجه رجل شبعان، يلتمع التماع شعره الوردي، وعلى ساقيه القويتين يجثم جذع عريض. إن كرشه تطفح فوق حزامه فلما صار أمام الجمع اقترب منه كلب أسود ... ثم أخذ يطلق الشتائم واللعنات وهو ممسك بكلبه. كان عمر يعرف مسيو ماركوس ... فوقعت عليه نظرته الشاحبة حادة كأنها شفرة سكين وبدت للصبي مثقلة بالقسوة». إن الجمع هنا بين الرمز والحقيقة كان من أجل إظهار زيف الظاهرة الاستعمارية التي رسخت مع صورة المستعمر وآلته. إن هذه الإستراتيجية تظهر كعملية يفكك فيها النص عالم الآخر، لإعادة بناء عالم الأنا. إذن فقد هيئ في إطار حقيقي و أعد بدقة كنقطة هروب نحو عمل ذي معنى"أيديولوجي". نقطة الهروب هذه تسمح بسهولة توهم هذا الـ (هناك) مكان الحظر، في مقابل (هنا) الواقعي المستحضر. هذه الإستراتيجية سوف تتاح لها الفرصة في رؤية قيامية (Apocalyptique) في رواية (من يتذكر البحر؟)، حيث نظام القهر مماثل لـ(Minotaures) يساهم الخيال في (الثلاثية) في خلق جو من المصير المظلم والذي يعطي للعمل جوا ملحميا. يذكربـ "زولا" الذي خلق في كل رواية من رواياته وحشا لا يقدر عليه، في المنجم من خلال رواية (جرمنال) (Germinal)، والقطار في رواية (الوحش البشري) (La bête humaine). في نهاية (الحريق) نعود إلى الشخصيات الرمز ونتوقف عند المشهد الذي يقوم فيه "قاره" بكل وحشية بضرب زوجته "ماما" التي تتهمه بالتجسس على الفلاحين. المشهد ينتهي كالآتي:«كانت ثياب المرأة ملطخة على صدرها بدم ما يزال حارا. وانتظر قاره كان يلوح أن زوجته توشك أن تقول شيئا، شيئا لا يعرف ما هو، ولكنه رآها تخطو بضع خطوات في الغرفة، وتمضي تقعد، ثم تمددت حيث قعدت» . يتواصل النص دون انتقال و دون عنصر الاتصال: «حلمت زهور أنها تطوف في بلاد من جبال وغابات، كانت تأتي إليها صبية مع أختها ماما». "قاره" هذه الشخصية التي رأيناها تتعاون مع السلطات الفرنسية خدمة لأغراض نفعية، وأحد المتهمين بإضرام النار في أكواخ العمال، يرمز إلى الاضطهاد أما زوجته"ماما" فترمز إلى الشعب المضطهد، بينما يرمز حلم "زهور" إلى الوعي، وإلى وعد التفتح على غرار هذا الجسد المليء بالحيوية على الرغم من العنف. لا نبارح أسماء الشخصيات دون أن نتوقف مرة أخرى على ما ترمز إليه من معاني، ولا شك أن هذا الاختيار يعين على خدمة مشروع الكاتب: عمر: قدره كله امتلاء ، يرمز إلى غريزة التحرر، الثورة، ذلك أن هذا الطفل الذي ينحدر من هذا الشعب له قوى جديدة، سليمة، وعقل خال من الأكاذيب التي حاول المدرسون الفرنسيون ترسيخها في نفوس المتمدرسين ممن كانوا في سن "عمر" والذي يمكن القول أنه أفلت من تلك الفخاخ، إنها طفولة الكاتب في تجلياتها المرحلية. زهور: من(الزهر) بالعامية وهو الحظ، فستكون امرأة محظوظة وجميلة، افتتحت بها الرواية، وانتهت بها، جسد أعطى للرواية تلك النهاية المفتوحة بفضلها أصبحت كل كلمة أخرى ممكنة، إنه جسد ينتظر اللقاح. عيني:من( العين) نبع الحياة، رمز للمرأة الجزائرية في تلك الحقبة العصيبة من تاريخ الجزائر؛ هي المرأة والأم والعاملة وربة البيت، مثال للتضحية والصبر، فالحمل عليها كان ثقيلا. هي نفس الصفات التي تنطبق على والدة الكاتب، التي مات زوجها وترك لها مسؤولية تضعف عنها قوة الجلد. باددوش:(le viejo) يدل اسمه على استعمال الإسبانية في اللهجة الجزائرية بغرب البلاد كما يدل على عنصر التلاقي والتأثير الذي حصل بين المغرب العربي وإسبانيا بدءا من توظيف الأسماء إلى بقية المظاهر الحياتية والثقافية المختلفة. كومندار:اتخذ اسمه من مشاركته في الحرب العالمية الأولى(1914-1918). وبالرغم من بتر ساقيه إلا أنه ظل متشبثا بالأرض بما بقي له من أعضاء، رمز الحرب والموت من أجل الحياة الصامدة. حميد سراج:هو السراج الذي أضاء للفلاحين الطريق، وكان لهم بمثابة المعلم يعلمهم قواعد النضال والإصرار على استرداد الحقوق المسلوبة، إقحامه كان لتفجير عالم الصمت المخيم على الريف، ولإشعال شرارة الغضب، وبعث عناصر التمرد النائمة في أعماق النفوس. سليمان مسكين: إن لفظ مسكين يختزل كل المعاناة التي يعاني منها هذا الفلاح ومنه الشعب الجزائري، حكايته وأغانيه طيلة الفصل الثاني المعبرة عن الظلم الممارس من طرف السلطة الفرنسية والتي كانت ترن وتصدي الفضاء المظلم، يفسر على أنه سخط ونزوع نحو التمرد (السلبي) والذي سيكون بداية على مستوى الكلمة، ولعل هذا التمرد يذكر بمصطلح "عصاة الشرف" (Bandits D\'honneur) الذي أطلقه الفرنسيون على الجزائريين المتمردين في القرن التاسع عشر من أمثال: "أرزقي أولبشير" في منطقة "القبائل"، و"بوزيان القلعي" في "معسكر"، و"مسعود زلماط" في الأوراس، والإخوة "بوتويزرات" في "عين تموشنت" مع فارق أن انتفاضة هؤلاء كانت دون وعي، وإنما عن رفضهم للقوانين الفرنسية وهم يشتركون في تعرضهم لظلم الكولون والإدارة الاستعمارية التي سلبتهم الأرض والأهل والشرف والوطن. المراجع: 1- محمد ديب: الحريق، ترجمة سامي الدروبي، مكتبة أطلس دمشق 1965 2- عبد المعطي شعراوي:أساطيرإغريقية ج1 الهيئة العامة للكتاب، القاهرة ط1 1982ص171 3- C.levi strauss;les structures élémentaires de la parenté,mouton paris1967p214 4- Beida chikhi; problèmatique dans l\'oeuvre Romanesque de med dib,opu Algerie1989p122 5- مصطفى الأشرف: الجزائر الأمة والمجتمع، ترجمة حنفي بن عيسى، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،ط1، 1983ص126 6- عبد القادر جغلول: الاستعمار والصراعات الثقافية، ترجمة سليم قسطون، دار الحداثة بيروت ط1 1984ص175
|
||
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|