|
الصحافة العربية تنمو... وتبحث عن حدودها |
|
|
|
هلوسات -
مختارات متنوعة
|
|
09 أيار 2008 الساعة 18:11 |
|
سمير العيطة - لوموند ديبلوماتيك
لا شكّ أن الصحافة العربية تشهد مرحلة مفصليّة. ليس الأمر فقط في القنوات الفضائيّة التي فتحت مجالاً من التعدديّة نتج طبيعيّاً عن تعدّد بلدان المنشأ وحساسيّاتها وخلافاتها، وعن البث الساتلي الذي لا يمكن منعه. إنّما الأمر هو أيضاً كذلك بالنسبة للصحافة المطبوعة، مع الاختلاف الكبير في وضعيّات حريّة الصحافة وقوانينها وقواعد عملها بين البلدان العربيّة.
تختلف أزمة الصحافة العربيّة عن تلك التي يشهدها الغرب وحتّى عن بلدان مثل تركيا. ففي فرنسا، تعيش صحيفة لوموند اليوميّة العريقة أزمةً نتيجة سياسات توسعيّة قامت بها إدارتها في مرحلة معيّنة، في ظلّ تغيّر في النموذج الاقتصادي وظهور الصحف المجّانيّة، وتوسّع سيطرة الشركات الكبرى على الصحافة اليوميّة الأخرى. وفي تركيا تسيطر مجموعة اقتصاديّة واحدة على معظم الصحف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، عدا بعض الصحف القريبة من الأحزاب السياسيّة أو... من الطرق الصوفيّة.
في البلدان العربيّة، الوضع ليس ذاته بين مصر والمغرب من ناحية، حيث هناك نوعٌ من التعدّدية في العناوين المطروحة في الأكشاك تعكس الحريّة السياسيّة النسبيّة، وسورية وتونس من ناحية أخرى، حيث "العرض" أقلّ بكثير نتيجة السياسات الرقابية الشديدة وتسلّط أصحاب السلطة والمال مباشرةً على الصحافة. إلاّ أنّ الفرق الأساسي بين البلدان العربيّة وغيرها، هو أنّ مجالات نموّ الصحافة المطبوعة ما زال كبيراً، لأسبابٍ كثيرة، منها مثلاً أنّ الصحافة لم تكن تصل عادّة إلى المناطق خارج العاصمة والمدن، ولم تكن تستطيع الاستفادة من سوق الإعلان المحلّي، وأنّ هناك شغفاً لقراءة كلّ ما هو خارج الصحافة الرسميّة التي سيطرت على هذا الفضاء لعقود.
هذا هو مثلاً سبب نجاح صحيفة "الخبر" الجزائريّة التي استطاعت الوصول إلى أرقام توزيع غير متوقّعة، مع أنّها لا ترتبط بالحكومة أو بأحد الأحزاب أو المجموعات الاقتصاديّة، لأنّها عرفت كيف تنظّم توزيعها صباحاً في كافّة مناطق هذا البلد الشاسع الأطراف؛ ولأنّها دفعت بتحقيقاتها حدود المادة الإعلامية المتاحة للمواطنين، مع المخاطرة بعشرات الدعاوى القضائيّة المرفوعة ضدّها. والمنافسة شديدة في مصر (خاصّة بين "الأخبار" و"الأهرام" الحكوميّتان وبين "المصري اليوم") وفي المغرب (مع القفزة النوعيّة في التوزيع لصحيفة "المساء") وفي السعوديّة (بين الصحف الوطنيّة "الرياض" والقوميّة "الحياة" وتلك المحليّة "الوطن" و"عكاظ" وغيرها).
الأمر سهلٌ في البلدان ذات الرقابة المسبقة، إذ تختفي المجلاّت الاقتصادية "الشرعيّة" في سورية بشكلٍ دوريّ من الأكشاك، حالما تجرّأت على ملامسة الحدود، وإن كانت جدّ منخفضة. كما صودرت خمس صحفٍ سودانيّة الأسبوع الماضي: "الأحداث"، "الأيام"، "أجراس الحريّة"، الصحافة"، "السوداني". والأمر أصعب في البلدان ذات "الحريّة" النسبيّة، حيث تدفع هذه الحريّة والمنافسة أحياناً إلى نزعة "الصحف الصفراء"، مع قصصٍ مختلقة وطروحات شعبويّة، بغية جلب القاريء بأيّ ثمن. وكثيرٌ من الصحف المصريّة "المستقلّة" قد فقد مصداقيّته من جرّاء ذلك.
أين حدود الصحافة إذاً؟ ومن يضعها، في ظلّ تبعيّة النظام القضائي في الكثير من البلدان العربيّة للسلطات الحاكمة؟
تنطرح هذه الإشكاليّة بشكلٍ حادّ اليوم. فها هم القائمون على صحيفة "الموقف" التونسيّة يضربون عن الطعام، بعد مقاضاة شركات الزيوت التونسية للصحيفة ولهم بمبالغٍ طائلة نتيجة نشر خبرٍ عن تقرير لمخبرٍ جزائريّ عن الزيوت التونسيّة؛ هذا مع سحب العدد من الأسواق قبل توزيعه [1]. وها هي صحيفة "المساء" المغربيّة تُقاضى بأكثر من 800 ألف دولار لنشرها اسم قاضٍ حضر احتفالاً في مدينة "قصر الكبير"، نُشِرَت أفلاماً عنه في المواقع الإلكترونيّة، وهاج الشارع المحافظ بعدها في المدينة ليقتصّ بيده من المثليّين الجنسيين [2]. وأخيراً هاهم صحافيّو كردستان العراق يضربون ويثورون ضدّ مشروعٍ قانونٍ جديدٍ للصحافة (في ظلّ الديمقراطية التي ينشرها السيّد جورج والكر بوش) وَصَفهُ "مرصد الحريّات الصحافيّة" في العراق أنّه "يبرز الوجه القبيح لتجربة الإقليم أمام الرأي العام (...) كما يشتمل على الكثير من العقوبات بحق الصحف (غرامات ماليّة باهظة، إيقاف صدور الصحف لمدد طويلة) والصحفيين ويشرّع اعتقال الصحفيين بشكلٍ لم يعُد مقبولاً حتى في بعض دول الجوار" [3].
مع الاختلاف الشديد للمضامين، يتعلّق الأمر، في هذه الحالات الثلاث، بالحدّ من الحريّات الصحافيّة. ولكن الشأن المطروح يذهب أبعد من ذلك. فما هي "حدود" الصحافة في طرحها لقضايا تتعلّق بصحّة المواطنين ونشر تقارير عن إمكانيّة أن تضرّ منتجات بها، في ظلّ تردّي عمل الإدارات الحكومية؟ وهل المشكلة في ما يخصّ "المثليّة" الجنسيّة هي في شعبويّة الصحافة وتخطّيها للحدود، أم هي في أنّ قوانين البلاد التي تجعل من هذه "المثليّة" جرماً قضائياً؟ [4]. وهل المشكلة في العراق هي في عدم وجود تعدديّة حزبيّة أم في آلية هذه التعدديّة نفسها التي تقوم فوق المواطنين والمهنيين؟ وكيف يمكن ضمان التمييز بين الخصوصيّة الشخصيّة (التي يجب احترامها) والشأن العام؟ ومن يحدّث القوانين: السلطة وحدها، أم الحوار المجتمعي والتداول مع الفعاليّات والجمعيّات الأهليّة والصحفيين؟
مشكلة حريّة الصحافة و"حدودها" مشكلة عويصة وشائكة، ولها دلالتها الواضحة عن تطوّر الدولة والمجتمع على حدٍّ سواء؟ ولكن أفضل ما يحدث اليوم في البلدان العربيّة، أن هناك من يحاول "أخذ" هذه الحريّة (فهي لا تُعطى بل تؤخذ، ويدفع الصحفيّون كأشخاص الثمن الغالي من أجل ذلك)، وأنّ الحدود تداس كل يومٍ لتضع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أمام المجتمعات لتحلّها (ليس دائماً بالصيغة الأفضل، ولكن ذلك هو الثمن).
الصحافة تخطيء وتصيب. كما كلّ اللاعبين في المجتمع؟ ولكن لا ترموها بحجر. فمن منكم بلا خطيئة؟ ولا تقتلوها... لأنّها في النهاية... مرآتكم.
Powered by AkoComment 3.0! تنبيه جميع التعليقات تعبر عن آراء اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
|