| إلى محمود درويش |
|---|
|
|
| نشرة هلوسات البريدية |
|---|
|
بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب. |
ملحق كلنا شركاء
كلنا شركاء - الملحق الثقافي
تلك الذاكرة – ذلك العقم التعليمي | تلك الذاكرة – ذلك العقم التعليمي |
|
|
| ملاحق - كلنا شركاء - الملحق الثقافي | ||
| 09 أيار 2008 الساعة 19:51 | ||
|
إثر اعترافي الطفولي له بأن حصته كانت من أمتع الحصص و أجملها ، ابتسم لي و أعطاني وصفته السحرية : أن تتقني لغة غريبة عنك و تتحدثيها بطلاقة .. سيجعلك تشعرين بأنك إنسانة أخرى .. و حين همست خجلةً بأنني أرغب أن أكون مثله ، وأن أتخصص في دراسة الأدب ، تابع حديثه كما لو أنه يكمل جملتي : أما أن تقرئي أدباً أجنبياً و بلغته الأصلية .. و تتماهين معه و تستمتعين به لأقصى حد .. فتلك هي متعة أن تحلقي في عالم آخر بين صفحات كتاب .
ما زال حاضراً أمامي بكلماته التي بدت لي – للوهلة الطويلة الأولى – سحرية .. و ما زلت حتى هذه اللحظة ( و بعد أكثر من سنتين على ذلك الحديث) أحاول أن أستذكر رجفة يدي و أنا أحتضن كتابي المدرسي أمام أستاذي الذي أغراني بالتخصص في الأدب الانكليزي و " التحليق" في روايات و مسرحيات لم أشم رائحة أبطالها يوماً .. كنت مراهقة ، ملولة من الطراز الأول .. فأغرتني فكرة الخروج من جلدي و التمرد على أشيائي و لغتي و بشرتي السمراء .. لمعت عيناي و أنا أتخيل نفسي متسكعة بفستان مزركش الحواف في بلاط ريتشارد الثالث .. و راقت لي فكرة أن أصعد قارباً صنعه همينجواي و أمضي أياماً مع شيخ ، و بحر .. فما كان مني إلا أن أحضن كتابي و لهفتي و كلمات أستاذي .. و أحلم بتلك الصبية الكبيرة التي سأصبحها بعد أشهر .. طالبة الأدب الانكليزي . لم أعر اهتماماً لروتينيات الدخول إلى الجامعة .. بل كنت أفخر بأوراق المفاضلة و وصولات التسجيل و ابتسامتي المختومة بالحبر الأزرق على صورتي المثبتة في استمارة الطلاب المستجدين .. نعم كنت سعيدة بالتحول من " الصغيرة" إلى " الكبيرة" .. كنت أنظر إلى ذلك العالم من بعيد بلهفة من لا شك لديه بأنه سيصل .. و وصلت .. وصلت إلى كليتي باحثة في أروقتها المزدحمة عن تلك الدهشة التي أسرًّ إلي بها أستاذي .. و كانت النتيجة أنني .. دهشت فعلاً ! و ما زالت الدهشة متكررة (ببراءة أقل) بعد مرور سنتين على تحقيق حلم أصبح بالنسبة لي الآن .. ورطة حقيقية ! قامت الدكتورة بتحيتنا باللغة العربية ، انفرجت أسارير معظم الطلاب بعد ان أمضوا نهاراً متعباً لم يفهموا فيه كلمة واحدة مما كان قد نُطق أمامهم .. و حين بدأت بإعطاء محاضرتها مصرَّة على أن تجمع بين اللغتين العربية و الانكليزية في جمل قصيرة ، أشحت بناظري عنها وبدأت أحدق في من حولي بنظرات مستغيثة لأفهم ما هو السبب في ذلك الخلط اللغوي المربك ، فإذ بي أجد وجوهاً صافية مشرقة .. و أسمع همهمات تقول أن تلك الأستاذة هي الوحيدة التي تدرس الطلاب بضمير .. حيث أنها تحدثهم بلغتهم الأم ، و لا تريد إتعابهم في قراءة نص انكليزي .. فهم طلاب جدد .. مساكين .. لا يجب إتعابهم بلغة أخرى جديدة عليهم ، خرجت متخبطة من محاضرتها و رأسي زاخم بكلمات عربية فصحى و تعابير عامية ، و مفردات انكليزية لُفظت أمامي بغرابة .. و هكذا قررت ألا أرى وجه هذه الدكتورة بعد الآن فلم أعد لحضور محاضرتها أو محاضرات أمثالها ( و هم كثر) .. و هكذا حصل الفراق .. و لم نعد للقاء إلا على ورقة الامتحان . عدت لأرى وجوه أساتذتي في ورقة الأسئلة .. كانت تعابير وجوههم واضحة في أسئلتهم كما لو أنها ارتسمت أمامي على الورقة .. ذهبت إلى الامتحان و قلبي يخفق خوفاً على رواية درستها .. كنت خائفة على الرواية لا على نفسي .. ماذا لو فوجئت بسؤال يتطلب مني فهماً عميقاً ؟ كيف سيغفر لي الكاتب إن لم أفهم دلالة جملته ؟ هل أنا حقاً بكفء لأكتب بقلمي الأزرق الناشف عن عمل أدبي خالد شغل الناس لسنين و سنين ؟ ... نعم، لم اكن بكفء لأفعل هذا ، فأنا لم أتخيل يوماً أن تطرح علي أسئلة بتلك الجوهرية.. كيف لا و قد كان معظمها يسأل عن لون شعر البطل و عما إذا كان قد التقى بحبيبته في مطعم أو في حديقة .. كيف سأكون متفوقة في مادة أدبية و انا لا أعرف إن كان بطل الرواية يضع قميصه على الكرسي أم على الطاولة ؟ و من اين لي الحق بأن أنجح في المادة إن لم أكن متأكدة أن البطل يحب شرب القهوة أم الشاي ؟ ماذا فعلت لنفسي حين دخلت قسم اللغة الانكليزية و آدابها ؟ كيف سيغفر لي أستاذي إن علم بنتيجتي ؟ خرجت باكية من القاعة .. و ارتميت في حضن المشهد السابق ذاته .. انا و أستاذي . لم يمض وقت طويل حتى تصالحت مع ما جرى ، و بتواضع قررت أن أفصل ما أراه في الجامعة عما أراه في الأدب .. و رحت أبحث عمن يشبهني بين مئات الزملاء .. علني أجد شخصاً يقرأ لكي يقرأ .. لا لكي ينجح .. أتت فتاة و جلست بجانبي ، كشفت لي أنها تعشق فرعنا .. و قبل أن أسألها عن رأيها بأسئلة الامتحان .. بادرت هي بسؤالي : " هل من الضروري أن نشتري الروايات التي ندرسها ؟ " و قبل ان أستعيد وعيي .. أتتني بلكمة أخرى على رأسي : " بنت خالتي قالت أن قراءة المحاضرات تكفي .. و لا داعي لقراءة الرواية" .. و قبل ان تفلت صرخة من صدري ، أعطتني الفتاة تبريراً : " ليس من المعقول أن نضيع الوقت في قراءتها كاملة ، و باللغة الانكليزية أيضاً! هذا جنون!" . سرّني إطراؤها و افتخرت بجنوني إن كان الجنون كذلك .. أخرجت من حقيبتي رواية مترجمة لإيزابيل الليندي .. و حين لمحت الفتاة الكتاب المطبوع بحروف عربية ، مدت عنقها لتراه .. و سألتني : - هل هذه ترجمة الرواية المقررة علينا؟ - لا ..إنه كتاب آخر - هل قرروا علينا دراسة كتاب آخر ؟ - لا لا .. إنه كتاب آخر .. لي .. أقرؤه لوحدي - ها ها ها .. و هل تجدين وقتاً لقراءة محاضراتك حتى توجعي رأسك بكتاب آخر ؟! خرجت من القاعة وحيدة ..و عدت ألجأ للمشهد القديم ذاته .. كانت واضحة صورة أستاذي .. و كلماته كانت ترن في أذني كما لو أنني سمعتها للتو .. أما صورة الفتاة الحالمة التي كانت تستمع إليه .. فهي مشوشة .. أحاول استعادتها إلى ذهني رغم بساطتها و طفوليتها.. فأجد انهم قد خنقوها بتجارتهم و تقليدهم و سخفهم و محدوديتهم .. لونوها بلونهم الواحد ، و حكموا عليها بالبصم المؤبد . ما كنت لأخذلك أيتها الصغيرة .. ما زلت أحاول البحث عنك و البحث لك عن طريق إلى ذلك العالم الذي تريدين ، وقد أصادف لك رفيقاً لطالما حلمت به .. يطلب دهشتك نفسها .. يمضي معك الساعات الطوال محدثاً إياك عن كتاب .. يسخر معك من الآخرين ، و لا يقرأ الأدب ملخصاً .
|
||
|
|
|
أكثر المواضيع قراءة هذا الأسبوع |
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|