إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
يا فتاح .. يا رزاق ! Print E-mail
ملاحق - كلنا شركاء - الملحق الثقافي
بقلم: مهدي محمد علي   
09 أيار 2008 الساعة 19:54
إلى روح يوسف ادريس

    .. هكذا ، وفي الضحى العالي ، زرعتني اللحظة ، و زرعته قدامي !

     زرعتني اللحظة هناك ، في سوق الخضرة و الفاكهة و اللحوم ، المسقوف بالقرميد ، في مقهى سوق لا تتسع لأكثر من خمسة أنفار .

     زرعتني هناك ، بما تبقى من (سندويشة) جئت بها من قريب – بعيد اقضمها في الطريق ، كي أشرب الشاي بعدها .

     زُرِعْتُ ، مثلما زُرِعَ هو قدامي ... قدام المقهى الصغيرة ، تحت سقف سوق له قرميد .


     رجل ، في مثل عمري .. ناهز الخمسين أو تجاوزها بقليل .. رجل في مثل حاجتي لمواصلة الحياة ، رجل نحيف طويل يرتدي ما يوهم برتبة بسيطة غابرة في الجيش .. لم يكن فيه شيء من اللون الكاكي ، بل كانت الزرقة المغبرة عنوانه .

     قضمت لقمة مما تبقى في يدي من فطوري المتأخر .. وضع هو على الأرض أكياس نايلون كبيرة ، معبأة بأكياس نايلون جديدة لبيعها لرواد السوق .. سوق الخضرة و الفواكه و اللحوم .. الخضرة الي يراها ، و قد ياكلها ، و لكن الفواكه و اللحوم التي يراها ، لا تراه ، ولا يراها بيته !

     و قضمت أخرى ..

 

     فصار إلى إخراج أنماط الأكياس ، نمطاً .. نمطاً ، لتسهيل عرضها ، فبيعها .

 

     كان مثل محارب قديم ، قنوع بماض لا علاقة له بالحاضر ، رغم أنه يعبئ الحاضر بأكياس النايلون الفارغة ،الجديدة ، النظيفة ، المتاحة للناس لحمل الأشياء المضيئة إلى بيوتهم مهما تكن اضاءتها .

     قضمت لقمة لا أتذكر رقمها و لا طعمها ، لأنني كنت مشدوداً إلى هذا الدكان البشري الذي سيجول بعد قليل ، هذا الذي يجهز حاله مثل أي محارب في جبهة قتال :

     ها هو يختارنمطاً من أكياس النايلون ، فيعلقها  بكتافيته اليسرى .

     إنه منهمك – وبهدوء و شبه ابتسام – يخلص الكتافية من زرها ، يدخلها في فتحة الأكياس ، ثم يعيد الكتافية إلى زرها على الكتف اليسرى .

     و أقضم لقمة اخرى ، و أنا أحدق بهذا المحارب القديم ، الماضي في افتتاح دكانه البشري بأناة ... أناة أوقفت لقمتي ، و هيجت عبرتي ، فاختنقت و اخفيتها !

     .. و مثلها فعل مع الكتافية على كتفه اليمنى ، فجرعت ماء ، و لحظت أنه يحتذي بسطاراً أسود طويلاً في هذا الصيف ! الأمر الذي أكد لروحي أنه محارب قديم ، و لكنه الآن محارب جديد ، يبيع لنا أكياس النايلون بأنواع عديدة ... إنه محارب بالأكياس : منها أكياس (مارلبورو) .. و أخرى شهباء بخطوط صفراء ، و أخرى بيضاء مضببة .. و سوداء .. و ..

     و قضمت روحي و انا أحدق به ، فيما هو منسجم في تفتيح دكانه – الجسد .. لا الكتفين حسب ، بل الصدر و المحزم من امام و من الجنبين .

     .. و دخلت أنا مرحلة شرب الشاي بعد الفطور ، فيما دخل هو مرحلة الاستعداد للنهوض بدكانه البشري ، متنقلاً بهمة عالية على كعب بسطار عسكري لا ندري عن حال نعله أي شيء !

     و حين كنت أنفث النفس الثاني من سيجارتي ، بعد الرشفة الثانية من كأس الشاي المر  .. كان هو ينهض دكاناً بشرياً يرفل بالأكياس !

  و حين مضى الدكان بخطى المهنة الأليفة ، من أجل اللقمة الشريفة ، نسيت لقمتي و مرارة الشاي ، نافثاً روحي وراء هذا المحارب القديم-الجديد ، سحابة دخان من سيجارة لا تتذكر فطوراً ولا شاياً ، في ذلك الضحى العالي .

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم