ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow ستون سنة على النكبة: فرادة القضية الفلسطينية في آية استعصائها
ستون سنة على النكبة: فرادة القضية الفلسطينية في آية استعصائها Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
13 أيار 2008 الساعة 20:14
صالح بشير - الحياة

لماذا امتنع إحقاق الحق الفلسطيني طوال الستين سنة الماضية؟ ذلك ما قد يكون سؤال هذه المناسبة الاحتفالية الاستذكارية، بقيام الدولة العبرية وبحلول «النكبة»، حدثان متلازمان تلازم الضد بالضد، يختصران في تلازمهما وتضادهما ذينك جوهر النزاع على «الأرض المقدسة»، تلك التي يبدو أن الحق عليها لا يمكنه إلا أن يكون حصرياً، طارداً لأحد طرفي المشكلة (وهي لذلك معضلة) نافياً له.

ذلك هو عنصر التعذر الأساسي، يبقى مستعصياً على كل عامل سواه، على «الشرعية الدولية» (وهذه غالبا ما تكون الاسم الحركي لإرادة الأقوى والأكثر سطوة على الصعيد الدولي) وعلى موازين القوة وما تتيحه أو تقف في وجهه حائلاً، وعلى كل ما إلى ذلك مما يكون عادة فاعلاً في إدارة الصراعات أو حلها.

وذلك، استطراداً، ما قد يكون آية فرادة المشكلة الفلسطينية، والتي هي في آن آية استعصائها، أقله في حدود المستقبل المنظور. فـ «الحق» و «التسوية» لا يتطابقان في مضمارها ولا يتضارعان. إذ أن «الحق» يدعي الإطلاق، واحداً لا يتجزأ، وتلك طبيعته كمبدأ وكقيمة، و «التسوية» يتطلب النسبية، تتسع إلى التجزيء وقد تقوم عليه وتشترطه في ظروف وملابسات تاريخية بعينها. وذلك ما يجعل من اليسير تصوّر تسوية، على ما حصل فعلاً منذ اتفاقات أوسلو على الأقل، وذلك أيضاً، وإيّاه، ما يجعل من العسير، بل من المتعذر، إنفاذها. فالأولى، أي التسوية، تُستخلص، حصراً أو في المقام الأول من ميزان القوة، والثاني، أي إنفاذها، يجابه فوراً مبدأ الحق، وهذا ككل المبادئ المعنوية الكبرى، ناجز متكامل، إذ لا وجود لشيء اسمه «بعض الحق» كما لا وجود «لبعض الحب» أو «بعض الفضيلة»...

مؤدى كل ذلك، أن مقاربات التسوية، إذ ساوت بين الحق والحيز الفضائي - الترابي، أي بين ما هو قابل للتجزيء وبين ما هو غير قابل، إنما سعت إلى تذليل ما لا قبل لها بتذليله، لأنه يتعلق بمستوى أو بمجال لا يندرج في مشمولاتها، إذ أنها زعمت تطبيق أساليب ووسائل قد تكون مجدية في معالجة الصراعات بين قوتين ولا تسري على الصراع بين «حقّين». فإذا ما هو ممكن النجاعة في التوصل إلى اتفاق سلام بين مصر والدولة العبرية، أو بين هذه الأخيرة والمملكة الهاشمية، وربما سورية مستقبلاً، لا يفي في حل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.

يجدر التنويه، بدءاً، أننا لسنا من يساوي بين «الحقّين» المذكورين، بل أننا نعتبر أحد الحقين، ذلك الفلسطيني، أصيلاً، ونعتبر الثاني، ذلك الإسرائيلي، مصطنعاً مفتعلاً ناجماً عن إرادة قوة، ولكن التمييز هذا لا يعني سوانا، في حين أن واقع الحال الدولي الغالب يقرّ بالحقين، بالتساوي، إن سخا، وقد يجحف ويقر بحق واحد ينيطه بالجانب الإسرائيلي.

مهما يكن من أمر، لننطلق، جدلاً إن أردنا، من أن الأمر يتعلق بصراع بين حقين، وهو على أية حال صراع لا يتسنى له فهم أو إدراك إلا من زاوية النظر هذه. فهي التي تفسر لماذا تقبل إسرائيل على التسوية على نحو ما تفعل، تعلن قبولها بها، تحضر المؤتمرات الدولية المكرسة لها، توقع الاتفاقات وتتفاوض مع الفلسطينيين، ولكنها، من وجه آخر، تأتي كل ما من شأنه إبطال شروط التوصل إلى تلك التسوية وتجهز عليها، إمعاناً في الاستيطان وفي تقطيع أوصال الأرض المحتلة. تعليل ذلك أن الدولة العبرية، تريد حلّ المشكلة بوصفها مشكلة سكّان، جالية من رواسب حقبة ولّت، شأن أبوريجين أستراليا أو هنود أميركا، لا بوصفها مشكلة شعب، لأن ذلك هو وسيلة الإقرار لهم بالعيش على «أرض إسرائيل»، وبتمكينهم من أسباب تسيير شؤونهم، من دون الاعتراف لهم بحق على تلك الأرض. ولأن التسوية التي تريدها الدولة العبرية مشروطة بذلك الشرط، ومحدودة بذلك الأفق، فإنه يتعذر على الطرف الفلسطيني القبول بها، لأنه لا يراها، وهو في ذلك محقّ، إلا كخطوة أولى نحو الإقرار بالحق، ومن هنا إصراره على حق العودة، مع علمه ووعيه بأن الحق ذاك ممتنع تحقيقه وتفعيله عملياً وبالنظر إلى ما آلت إليه الأمور ديموغرافياً وسياسياً على أرض فلسطين التاريخية، وقد لا يكون له من حل، في الغالب الأعم غير بذل تعويضات للاجئين الفلسطينيين، ولكنه يتمسك به لأن الإقرار به، وإدراجه في الاتفاقات المزمعة والتي ستوقع، إن وقعت، برعاية دولية، إقرار بذلك الحق الفلسطيني الأصلي على أرض فلسطين، وذلك ما لا يمكن أن تنهض به «سيادة» على حيز يصار إلى تحريره.

ذلك أن «السيادة» بمعناها الحديث، ليست صنو «الحق» ونظيره ضرورة ولزاماً، إن هي إلا بعض تجلياته وإن كانت أكثرها دراماتيكية. وليس أدل على ذلك من كون حق الفلسطينيين ناجزاً على أرضهم، لا يفلح حتى الاغتصاب في إلغائه، مع أنهم لم يسبق لهم أن مارسوا سيادة على تلك الأرض، في تاريخهم، إذ كانت «السيادة» خلال الحقبة العثمانية (وحتى لا نعود إلى سحيق الأزمنة) من نصيب الخلافة في الآستانة، ثم أنها آلت بعد ذلك، على سبيل الائتمان الموقت لا أكثر، إلى مرتبة دولية، هي عصبة الأمم، التي اتخذت من بريطانيا، ذراعها «الزمنية» في تولي تلك الوظيفة. ما يعني أن فلسطين، ومعها سائر المشرق الانتدابي، لم تكن مستعمَرة، أقله وفق القانون الدولي، وعلى عكس ما يقول به رأي شائع، ولكن ذلك موضوع آخر، ليس هنا مجال الخوض، فما يعنينا في هذا المجال أن «السيادة» وحق شعب من الشعوب في أرضه وعليها، ليسا متطابقين بالضرورة.

وهنا مكمن لبس وإبهام كثيراً ما شوّشا النظرة إلى المشكلة الفلسطينية ووسائل حلها، خصوصاً منذ التحول الناجم عن هزيمة حرب حزيران (يونيو) 1967، وظهور «مفهوم» الأراضي المحتلة واتخاذه، تدريجاً، أساساً لحلّ يقوم على مبدأ الدولتين. مزية تلك المقاربة أنها بدت عمليّة، تفرد حيزاً لإقامة دولة فلسطينية على أرض يعترف العالم بأنها محتلة، وتبدو استعادتها أيسر منالاً من العودة إلى قرار التقسيم. لكن مشكلة تلك المقاربة أنها قامت على مغالطة، هي المتمثلة في افتعال وضعية لذلك الاحتلال تدرجه في عداد ظواهر الاستعمار التقليدي، وتجهد في أن تجد له حلولاً تنسج على منوالها، ذاهلة، أو متغافلة، في ذلك عن أن المقاربة تلك تداور مشكلة الصراع بين «حقين»، وفق ما سبقت الإشارة إليه، وتغفلها، من دون أن تتصدى لها وأن تذللها، ومن هنا صعوبة التوصل إلى تسوية، إن من جانب إسرائيل التي ما انفكت تبذل كل الجهد من أجل إجهاضها، وإن من الجانب الفلسطيني أيضاً، الذي يقبل عليها على مضض، ولأن ميزان القوة لا يتيح سواها، أو يرفضها رفضاً صريحاً.

محصلة كل ذلك أنه قد لا يوجد من سبيل إلى تجاوز ذلك الإعضال، أي إلى تذليل التناقض بين التسوية الترابية وبين مبدأ الحق، أي إلى إيجاد حل ينهي التنافي بين إمكانية تجزئة الأرض واستحالة تجزيء الحق، إلا في العودة إلى مطلب الدولة الديموقراطية الثنائية القومية، أو «دولة المواطنين»، تلك التي تمكن بالإقرار بذلك الحق لكل مكوّناتها، والتي من شأنها أن تحول الصراع بين تلك المكوّنات، الذي سيكون في هذه الحالة سلمياً تنافسياً، إلى صراع لا يتعلق بجوهر الوجود، بل بالمكاسب السياسية والتموقع في السلطة وحيال توزيعها، وما إلى ذلك مما هو قوام الحياة السياسية في دول المواطنين.

لن يكون تحقيق ذلك المطلب بالأمر اليسير، إذ سيجد في إسرائيل، وهي التي تريد أن تكون وأن تبقى، دولة يهودية، أشد المعترضين عليه وأشرسهم، ولكن السعي إليه قد يكون أجدى من تسوية ترابية لن تتحقق على الأرجح، كما أن تجنيد الأنصار من حوله، على صعيد عالم يزعم العمل على نشر الديموقراطية، قد يكون أدنى منالاً.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم