ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow الله كدلالة لغوية: في تغيرات الفكرة وتحولاتها
الله كدلالة لغوية: في تغيرات الفكرة وتحولاتها Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
14 أيار 2008 الساعة 12:05
روزا ياسين - موقع الأوان

سبق أن عملت حركة الوعي الإنساني على تعريف الله بأشكال غاية في التنوع والاختلاف، وحتى التباين، وربما بدا التقسيم الشائع لفكرة الله إلى مفهومين: مفهوم قديم يعتبر الله قوة خارجية رقابية تدخلية ، نشأت منذ أن بدأ يهوه يختصر تعدد الآلهة فيه ويفرض وحدانية الخالق، ومفهوم آخر أكثر حرية يعتبر الله قوة داخلية أحشائية ، أو بالأحرى قوة في الكائنات المخلوقة، تقسيماً مختصراً نسبياً على الرغم من أن كل ما هو داخلي بالنسبة إلى الفرد هو خارجي بالنسبة للآخرين، فالأنا، كما هو معروف، هي الآخر بالنسبة للغير. على هذا بدت فكرة الله دلالة متبدلة متغيرة منذ أن بدأت تنشأ فكرة التوحيد وقت تبلور الفكرة التوراتية وانتشارها والمحاولات اللاهوتية اللاحقة والصارمة لإقصاء العبادات الملونة للآلهة، ومن ثم المحاولات القانونية والسلطوية التي حظر فيها الإمبراطور البيزنطي تيودوسيوس في عام 389 عبادة الآلهة الوثنية، ودمر على إثر ذلك الكثير من المعابد تدميراً كاملاً على يد الغوط.
ربما كانت الصفة القدرية الباطشة هي الأكثر انتشاراً على مرّ التاريخ من صفات الله. تلك القوة الفوقية الساحقة المقررة والتي كانت عموما من سمات الديانات الرسمية أو ديانات السلطات الثيوقراطية. فإذا كان الله هو مقدّر الحياة والموت، فهو مقدّر لقدرتين متضادّتين تجتمعان في داخل كل كائن: الحياة باعتبارها حركية فاعلة، والموت بكونه ستاتيكاً منفعلاً، ففكرة الله هنا، وعلى الدوام، تتصارع في ذلك الداخل بين اعتباره قوة لتلك الحياة وبين اعتباره قوة لذلك الموت. ويبدو حضوره مقسماً بين ذَيْنِكَ المفهومين.
بالنسبة لنيتشه عنى الموت موت المفهوم القديم عن الله أو التصور القديم له، وموت المفهوم القديم يتطلب خلق مفهوم جديد. وربما هذا ما حدا بالفلسفات اللاهوتية للتأكيد على ارتباط فكرة الله بالفضيلة اللاهوتية أو بالأنظمة الاجتماعية التي تقررها السلطات الثيوقراطية الحاكمة، وتجيير إراداتها إلى إرادة الله، أو العكس، إن صحّ التعبير، أي تشكيل إرادة الله بما يتناسب مع رغباتها، وبالتالي ربط كل من يخالفها بمخالفة الإرادة الإلهية، بالكفر أو الإلحاد والارتداد، ثم صهر فكرة الشيطان بالرغبات الفردية الإنسانية الخارجة عن القطيعية المطلوبة. مما جعل من الله قوّة خارجية مسيطرة قامعة، بيدها مفتاح القدر الذي لا يردّ، ولا نستطيع، نحن البشر الأقزام، تغيير مجرياته المقررة ولا التفكير حتى بمناقشة الأوامر الإلهية. من هنا جاءت فكرة عبد الله القصيمي، في كتابه الجريء والمتميز: الكون يحاكم الإله، باعتبار أن الله يمثّل فكرة العقاب والثواب: (وحدك الذي يحكم بالجريمة والعقاب قبل أن يوجد المجرم المعاقب، ويقود إلى الإجرام لأنه قد فرض العقاب وأراده وسجّله. إنك يا إلهي تصنع الجريمة لأنك قررت العقاب).
الدلالة الأخرى من دلالات الله هي الله الأحشائي، ومن نافل القول التذكير بأن الدعوة المسيحية جاءت مناقضة تماماً لبطش يهوه اليهودي. كانت الفاتحة: "الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه" (من رسالة يوحنا الرسول الأولى). كان الله وقتها هو الحب ليس إلا، وسبق أن كتب نيكوس كازانتزاكس الكثير عن هذا الحب، أو عن طاقة الله الإيجابية التي تجعل الشجرة تزهر حين تذكر الله. لكن التدخلات التالية التي طالت الديانة المسيحية جعلتها تنحرف باتجاهات أبعدت الله عن تلك الفكرة العاشقة الحميمية الداخلية، ليأتي الصوفيون الإسلاميون الذين تنبني منظومتهم المعرفية على هدى الحديث الشهير: (كنت كنزاً مخفياً فأردت أن أعرف فخلقت الخلق فَبِي عرفوني). الله الذي يخصّ المتصوفة هو داخلي إحشائي، حيث الذات الإلهية تتجلى في كل مخلوقات الله، مما يجعل الشكل الوحيد الممكن في العلاقة الصوفية هو الحب. فالله باعتباره قوة الحياة يتجلى في كل شيء جميل، وأوّل ما يتجلّى يتجلّى في المحبوب: (إن الله يتجلّى في كلّ معشوق لعاشقه، إذ يستحيل علينا عبادة شخص لا نتمثّل الألوهية فيه). هذا ما قاله الشيخ ابن عربي. كما أنّ الله على ذلك سيتجلّى في دواخلنا، فكلّ إنسان يحمل الله في قلبه، يحمله ملفوفاً بطبقات الشحم واللحم. إذا لا حاجة بالمرء للبحث عنه، كل ما ينبغي فعله أن يمعن النظر في قلبه فحسب. سيغدو الله على هذا هو ضمير كل إنسان، قوة الحياة الفاعلة، طاقة العشق المانحة التي تغير خريطة الأرض، الله على هذا إبداع.
هذه الفكرة بالذات عبّر عنها الحلاج بأبياته:
لست بالتوحيد ألهو       غير أني عنه أسهو
كيف أسهو كيف ألهو       وصحيح أَنَني هو
مبدأ وحدة الوجود عند المتصوفة، والتي تقول بالتماثل بين الله ومخلوقاته لأنّ في كل منها تجلّيا للذات الإلهية الخالقة، عمّت الأرض فيما اصطلح على تسميته لاحقاً: الكتابة الإيكولوجية. حيث راحت الأصوات تتعالى بأن الأشياء جميعها واحد (روح واحدة تسري في العالم) كما يقول غوته. وذلك منذ أن راح الياباني باشو يكتبها في شعر الهايكو 1644- 1694 مروراً بطاغور ووالت ويتمان وغيرهم الكثير.
امتداداً لفكرة الله الصوفية يرى المنظّر الأكبر ابن عربي في أحد فصوص الحكم (التصدير) أنّ الحق واحد في جوهره، متكثّر في صفاته وأسمائه. على هذا فأفضل معرفة للذات الإلهية هي معرفة الإنسان ذاته وباقي مخلوقاته (المحدثات)، ذلك أن الإله هو الأكثر شبهاً بالمخلوق، أو المخلوق هو الأكثر شبهاً بخالقه. والفكرة لم تبدأ مع الصوفيّين بل هي أقدم بكثير منذ أن خلق الإله البابليّ مردوك الناس كآلهة صغار في أسطورة الخلق الإينوما إيليش حين جبل الطين بدم الربة الأم تعامة. فكرة الله ذي الصفات الإنسانية البشرية فكرة كتب عنها كثيراً، ويبدو الأمر شديد المباشرة في قصيدة الشاعر الألماني ريلكه البديعة: سفر الفقر والموت، التي كتبها في عام 1901، وهي أحد أقسام كتابه: سفر الأوقات. يقول ريلكه مخاطباً الله (في جزء من القصيدة التي ترجمها عبد الرحمن البدوي ونشرها في كتابه: الحور والنور):
(أنت الفقير المحروم من كل شيء، أنت الحجر الدائب الدوران دون أن يجد الراحة،
أنت الأبرص الكريه الطلعة الذي تنبو عن منظره الأحداق
والذي يحوم حول المدن حاملاً شخشاخة
مثلك مثل الريح لا مستقرّ لك ولا مكان
...)
في تفسير البدوي للقصيدة يرى بأن الله هو الشعور الذي يغمر قلوب المؤمنين، والإيمان الحق ما هو إلا إيمان المحرومين والأشقياء والمعذبين من كل الأنواع، فالله الحقّ هو ذلك المتمثل في مشاعرهم، وبالتالي لن يتمثل هؤلاء الله إلا من أشباههم. الله الذي يعرفونه يشبههم بل يماثلهم. أما فرنر كنتر فيرى في كتابه: ملكوت الباطن، أن تفسير قصيدة ريلكه تكمن في ترميزه الفنان بالخالق لآثاره الفنية، كما أنه في كلّ أحاديثه عن الله إنما يريد أن يتّخذ رموزاً تدل كلها على الفنان نفسه وهو بسبيل الخلق الفني.
الله إذاً هو كل فنّان خالق. ومن هنا كانت فاتحة الأناجيل: في البدء كانت الكلمة. ومن هنا كان الله الكلمة، الخالق ومخلوقه واحد، ولأن الكتابة خلق، فالكاتب خالق. ذلك أنّ الروح المطلقة، كما يرى هيغل في كتابه: تاريخ الفلاسفة، كانت تتجسّد في التاريخ من خلال كبار الفلاسفة، وبالتالي تجسّدت حسب رأيه في سقراط وأفلاطون وأرسطو، مثلما تجسدت في ديكارت وكانط، ففي كل عصر (نبيّ) يجسّد العقلانية الفلسفية، وهو، أي هيغل، مقتنع أنّها تجسّدت فيه. 
سيغدو الله بناء على ذلك دلالة قوة عقلانية كذلك، وربما أشبه بمشرف أو قائد، فالتاريخ، والرأي لهيغل أيضاً، ليس عبارة عن فوضى مجانية أو أحداث تتطاحن وتتعاقب بدون هدف أو غاية، وإنما هو عقلاني له سبب ونتيجة والله، أو العناية الإلهية، هو الذي يقود التاريخ ويوجهه ويشرف عليه.
لكن الله ليس فكرة صرفة كما أوجزت، وليس دلالة واحدة مكثّفة في مكان واحد، أي أن تلك الصفات المختلفة من البطش والأحشائية والبشرية والعقلية وغيرها متغيّرة متبدّلة. أذكر جملة كتبتها رضوى عاشور في روايتها الجميلة: غرناطة، الصادرة سنة 1994، تقول فيها إحدى الشخصيات، وهي شخصية رجل، لزوجته: (سأموت عارياً ووحيداً لأن الله ليس له وجود.. ومات).
الله، في كثير من الأحيان وعند كثير من البشر، دلالة مشجب، علّاقة حاضرة نعلّق عليها أخطاءنا وآمالنا، مآل مرجعي نلجأ إليه حين نحشر في إحدى زوايا الحياة، أو حين نيأس أو نخاف أو.. وهو القوة التي نصب عليها جام غضبنا إن وصلنا إلى طرق مسدودة أو فشلنا. إنه الطاقة الإيجابية السلبية في آن، فكرة تساعدنا على تحمّل عبثية الحياة ولا منطقيتها.
نهاية لن يكون من السهل الإحاطة بفكرة الله عبر آلاف السنين من عمر الحضارة الفكرية للبشر، الله العاطفة أم الضمير أم العقل أم المعشوق أم المسيطر أو الباطش... ولن يكفّ البشر عن اجتراح تعريفات وآراء وتجليات جديدة عن تلك الفكرة الأساسية، ولن يكون ثمة دلالات منجزة لها يوماً، لأن الله ربما يكون تلك الطاقة التي تحرك الحياة والموت، تحرّك عجلة التفكير، توقد نار الذهن والقلب، ربما كان كذلك أياً كانت التمظهرات والتفسيرات والرؤى والتحليلات، طاقة دفّاقة دونها سيدخل العالم كله في العدم، إن لم يكن العدم أيضاً طاقة بشكل مّا.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: زائر في 2008-05-27 19:02:50

مع الاتفاق العميق في تقسيم فكرة الظهور الالهي وبشرية هذه الفكرة من جهة والعرض الجميل للطرح الصوفي لها الى ان الوحدانية اقدم من التوراتية بل ان التوراتية كانت مضللة في اعادة انتاج الوحدانية المصرية. كي تستقيم الأمور أكثر, خصوصا من حيث العلاقة التراكمية المعرفية, نحن بحاجة إلى ربط الحالة الموسوية, أي السحر الديني ( يرجى مراجعة السببية بين السحر والدين والعلم ), مع التسلسل التاريخي للأحداث بين مرحلتي السحر والسحر الديني. وتقليصا لأي اعتراض فإننا نستند إلى رواية الكتب الدينية وحدها دون غيرها دون بحث في مدى صحتها أساسا قابلين بها كحقائق مطلقة. فهي إن لم تكن حقيقة فعلى المعترض, جدليا, أن يقبل بنفيه لوقوعها كدليل ما بعده دليل على أن الدين أسطورة من نسج الخيال الإنساني, وهو ما يجعل غرض المقال متحقق في النهاية. إلا أن قبولنا بالأحداث الرئيسية كحقائق لن يحول دون احتفاظنا بحقنا في تطبيق القواعد المنطقية في التحليل والتركيب على المرحلة الموسوية. المراجع الدينية متفقة على أن موسى, أو مو ( ماء ) سا ( منتشل ) كما في العبرانية, وفقا لثوماس ثومبسون أستاذ دراسات الكتاب المقدس في جامعة كوبنهاغن بالدنمارك في كتابه "داود ويسوع بين التاريخ والتراث المشرقي" الذي يتحدث فيه عن التوظيف اللغوي للأسماء في القصص الإسرائيلية, المراجع الدينية متفقة إذن على أن (مو) (سا) عاش في مصر طفولته وشبابه. وأنه فر من مصر إلى العراق بعد أن قتل أحدهم حيث سكن فيه بين ثمان وعشر سنوات تتلمذ خلالها على يد رجل سمي بـ " الصالح " وتزوج من ابنته التي أعجبت به لصلابته الجسمانية ورقي خلقه حين سقى لها وحشمها عن الرعاع. كارين أرمسترونغ تقول في كتابها عمر الله في الأرض أن حمى (مو) (سا), أي الرجل الصالح, هو احد تلاميذ زرادشت. أي أن (مو) (سا) حمل في ثقافته نوعين من الوعي, الوعي السحري الذي رباه عليه المصريون, والوعي الديني الذي كان عليه أهل العراق وبلاد فارس, أي أهل زوجته. وبذلك يغدو طبيعيا أن يكون (مو) (سا) هو ممثل فترة السحر الديني لأنه ابن الثقافتين. بل إن الدراسات الأثرية تنسب للمصرين أول تسجيل للشيطان في بردى كتبت فيها صلوات لهم, فعلى ما يبدو فإن السحرة في مصر كانوا ممن أبقى لأنفسهم قدرة الخير ونقلوا الشرور للشيطان, أي تنازلهم للشخوص العلوية الخفية لم يكن كاملا بدلالة النصوص التوراتية السابقة. أما في العراق وبلاد فارس فالفكرة كانت قد ذهبت أبعد, بل بدأت تخط أول معالم الوحدانية, حيث اختصرت الأرباب إلى ربين. فكان الخير من فعل رب, والشر من فعل أخر لدى الزردشيتة. وبذلك أخرج زرادشت السحرة نهائيا من الوعي الجمعي هناك, ليتم بهذا الإخراج نقل السيادة الاجتماعية إلى الفلاسفة والمفكرين والساسة, أي الحكماء, بدلا من السحرة. فوفقا لزرادشت الظواهر الطبيعة المختلفة, الجيد والسيئ منها, سواء الأعاصير أو البراكين أو الأمطار أو الزلازل, هي من نتاج صراع الربين ولا علاقة للقوى البشرية فيها نهائيا. هذه الثنائية تم إسقاطها في اليهودية بإعادة تقسيم للنوع الإنساني عوضا عن الإلهي ليصبح فيه اليهود هم شعب الله المختار, أو " شعب يهوى " بالعبرانية, أي شعب الخير, فيما باقي البشر مرحلة أعلى من الحيوان وأقل من بني إسرائيل, أي شعب الشر. والتبرير الأخلاقي لهذا التقسيم جاء من خلال أسطورة النذر الذي قدمه يعقب, أو يعقوب بالعربية, والذي كان أفضل من نذر توأمه عيسو الذي انحدرت منه باقي البشرية. وتتدخل في التفاصيل الأم وألاعيبها في خداع إسرائيل الأب الذي ينقل في أخر الأمر الميراث من عيسو, الأخ الأكبر, إلى يعقب التالي ولادة كرمزية تفسر تحميل أبناء يعقب الأمانة الإلهة في مخالفة للعادات الإسرائيلية التي كانت تجعل الميراث دائما, الأدبي منه والمادي, من حق أكبر الأخوة. هذا العرض التوراتي الذي ينطلق دراميا من أسطورة ملك أكاد العظيم سرجون الأول الذي انتشل من الماء وعاش التفاصيل الكاملة لقصة (مو) (سا) ولكن قبله بقرون, ليقدم المعتقد التوحيدي لملك مصر أمنحوتب الرابع كعقيدة, بالاستناد إلى إستراتيجية عرقية لتجاوز أسباب فشل الملك المصري في الإبقاء على دينه, هذا العرض كان له هدف سياسي هو توحيد القبائل الإسرائيلية. فشل الملك المصري هو ما ألهم (مو) (سا) أن يقوم بمزاوجة تريزم, بين وحدانية أمنحوتب, و العادات العشائرية الإسرائيلية, والثنائية الزردشتية لطبائع الشخوص العلوية الخفية. المزاوجة تمت عبر توظيف قصصي ولغوي بكامل أدواته التعبيرية, سواء للأسماء أو الحبكة الأسطورية الاستثنائية, خدمة للغرض الاجتماعي والسياسي المتمثل في تخليص شعبه من الهوان ونقله إلى الحرية. فوفقا لكارين أرمسترونغ لقد أعاد (مو) (سا), أي سرجون الإسرائيلي, صياغة التعاليم الزردشتية بما يوائم عادات القبائل الإسرائيلية كي يضمن ولائها السياسي في محاولة لتمرير مشروعه القومي محمولا على استثنائية أسطورية استلهمها من الثقافة ثنائية الارتكاز والجنسية التي حصدها من مصر والعراق. وهي بهذا القول تفسر لنا التماثل الطقسي والمظهري بين اليهودية والزردشتية من جهة, وبين اليهودية وبعض الأقليات في منطقتنا من جهة أخرى. هذا التماثل الذي يستند إليه البعض في نسب نشوء تلك الأقليات الدينية والعرقية المنفصلة في الدولة الإسلامية للعامل اليهودي. والحقيقة أن تلك الأقليات إما أنها من أصل زرادشتي رجعت إلى أعرافها في مراحل ضعف الدولة الإسلامية وانتشار الفساد فيها, أسوة بكل الشعوب التي ترتد إلى جذورها في لحظات الشدة, أو أنها تأثرت بالفلسفة الفارسية على يد مصلحين, مما أعاد ربطها بالزردشتية بطريقة أو أخرى. فالمتأمل لليهودية وتعاليمها العقائدية لا يغفل عن الدمج الواضح بين الأعراف القبلية الإسرائيلية والديانة الزردشتية طقسيا, و الآتونية كما نادى بها أمنحوتب الرابع إعتقاديا. هذا الدمج تم بواقعية سياسية لم تغفل دور العصبية القبلية في إحداث المنعة وقدمها على العامل الأخلاقي الآتوني مما استلزم تنازلا عن طابعها التوحيدي, بشريا وربانيا, تمثل في تقسيم البشر إلى مستويين في الرفعة والحقوق, وهو ما يعني ضمنا تقسيم الإرادة الربانية أيضا. بهذه العنصرية لن ينتهي الدين الموسوي بموت أمنحوتب الرابع, لأنه أصبح دين القبيلة ورمز استقلالها, حتى الله اعترف لها بالخصوصية القومية. واقعية أمنحوتب الإسرائيلي كانت بقراءته الدقيقة للواقع الإسرائيلي, فالمناداة القبلية وحدها لم تنجح في خلق حالة وحدوية بدليل ما آلت إليه محاولات ملوكهم السابقين, والتبدل الفكري وحده غير قادر على تحقيق الانتقال بدليل فشل الملك المصري, فكانت استراتيجية مزاوجة التيريزم . آلية التريزم كانت في تقسيم إرادة الرب الواحد, ذو المنشأ " الآتوني", إلى الإرادتين الزردشتيتين التعليليتين في تفسير الشر في الكون, بنقل خصائص "رب الشر" الزردشتي, إلى "الشيطان" المصري, والذي هو, كما أسلفنا, رمز ثقافي من مخلفات عهد السحرة. فهو هكذا حافظ على الوحدانية الآنونية وفر من معضلة تفسير الشر التي ألزمت زرادشت بالتفسير الثنائي, وهو فرار يمكن تمريره على البسطاء في هذا الزمن فما بالك بمن عاش قبل آلاف السنين. هذه الأسطورة التوراتية هي الشكل الأكثر وضوحا في التاريخ الإنساني عن دور فترة السحر الديني في حياتنا المعاصرة. إلا أن الساسة الطفيليون, كما يسميهم تولوستوي, يقومون بتوظيف كل شيء للحفاظ على سيادتهم للمجتمع, أسوة بزملائهم السابقين في التاريخ, أي السحرة والكهنة. فمع أن الحضارة الغربية, بما فيها أوربا الشرقية, قائمة ثقافيا على أن الدين أسطورة, إلا أن الساسة هناك, وبوقاحة, يوظفون السرد التوراتي خدمة للغرض السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فعبر الأسطورة اليهودية يمكن إقامة دولة إسرائيل, ويمكن الاقتراب من منابع النفط, ومنع أي شكل وحدوي أو نهضوي للشعوب التي تحتضن أرضها تلك الثروة, خصوصا وأن أحدهما ينتج الآخر بدليل التجارب التاريخية المحلية منها والدولية. وللأسف الشديد فإن الوعي الجمعي في منطقتنا, القائم على الديني كعنصر ارتكاز, يعطيهم أرضا خصبة لتمكين تلك الإعاقة. وليست أحداث لبنان والعراق والانقسامات الطائفية التي تعصف بالبلدين إلا توظيف داخلي عبر أمراء الطوائف لصالح الخارجي. البناء الثقافي الفردي القائم على الميوعة الفكرية وإلتباس المصطلحات هو ما يدفعنا للمناداة الواضحة والبينة بضرورة تطبيق العلمانية دون حذر. وبإجراءات سلطوية تنفض عنها مرحلة الخطاب الخجول إلى نصوص ومواد صريحة تضاف لدساتير الدول جميعها تجرم الاحتكام للديني على حساب الوطني وذلك قياسا بكل الدول المتحضرة التي يثير حديث الطائفية والعنصرية الدينية الاشمئزاز في نفوس مواطنيها. هذا الاشمئزاز لا يتذكره سياسيو الدول الكبرى حين يأتون إلى بلادنا, فلا نراهم يتحرجون من وقاحة تقسيمنا طائفيا ودينيا. إنها دعوة صريحة وواضحة لرمي الدين خارجا من مؤسسات الدولة ومن أنظمة المجتمع وقوانينه, وخصوصا من دائرة التعليم المدرسي, وإعادته إلى مقامه الطبيعي, كممارسة خاصة بين الفرد والذات التي يقدسها بعيدا عن التنظيمية أو الغطاء القانوني التقديسي الذي أسبغ عليه. فقد صار واضحا بدليل التجربة المعاشة الممتدة طوال القرن الماضي أن إلغاء الدين والأعراف السائدة ضريبة إلزامية لتحقيق أي نهضة. فالتشكيل الراهن للدين والأعراف الناتجة عنه يقيمان علاقة إباحية مع كل مظاهر الانسداد الحضاري والمدني الذي نعانيه. الهدم سوف ينتج طاقة تحررية ذات خصائص عقلية وروحية لا يمكن أن نحصل عليها من أي قدرة بديلة قد تتولد من إصلاح سياسي أو اجتماعي ليس له إلا أن يبقى أسير الدين والأعراف مهما كانت محاولته التوفيقة ملهمة. حكمة ماركيز التي قال فيها : إن الشعوب التي تعيش مائة عام من الانغلاق قد لا يعطيها القدر فرصة أخرى لتنهض, ثبتت صحتها ودليلنا القرن المنقضي الذي عاشته مجتمعاتنا منغلقة على قيمها في محاولة توفيقية بين النهضة من جهة, و الدين والأعراف من جهة أخرى. إن فشل المحاولة النهضوية المنصرمة في تحرير العقل والطاقة الجمعية, وفي توحيد الداخل وطنيا, بحصانة تصد الخارجي, وترده عن الاستفادة من عناصره الثلاث المتمكنة من داخلنا, أي الشعوبية والطائفية والأصولية, دليل لا يقبل الشك على حتمية علاج البتر. والبتر هنا لا يقصد به نقل الفرد من حالة الايمان الى حالة الالحاد, بل الدين البديل, الدين اللاتنظيمي, الدين الذي يؤسس على البناء الاخلاقي للفرد على التشكيل الاجتماعي للجماعة. ومن هنا فإن الصوفية بردها الى عمقها الانساني وتجريدها من طقسها الاسلامي ربما تكون الخيار الامثل لصناعة انسان ببناء اخلاقي جديد واضح وغير ملتبس. وضعنا الراهن بحاجة إلى مرتكزات عقلية وروحية ونفسية منسجمة ظاهريا وباطنيا مع بعضها البعض. يعبر عن انسجامها بالوعي والممارسة معا, وبتلازم يحفز طريق الانقياد الجمعي للأفراد العاديين نحو الهوية الوطنية وقيم تقديس المواطنة. لتكون الوطنية بديلا عن إي انتماء شعوبي أو طائفي, تاركين المشروع القومي, مرحليا, للحتمية الثقافية كحامل ارتكاز مكين له. فالنفخ الشعراتي الذي استنزف في المرحلة السابقة, سواء الناصرية أو ما تلاها, كل طاقات الأفراد العاطفيةلم يخلق حالة انتماء واع بقدر ما خلق حالة عاطفية فحواها فراغ اعتقادي بقدرة المشروع القومي على استرداد الحقوق. أكدته في وجدان العامة الهزائم العسكرية والعجز عن الاستفادة السياسية من الانتصارات المحدودة التي تحققت. وهو ما وظفته التيارات الدينية بكفاءة عالية لتحقيق انقياد جمعي لاواعي يستهدي بالبوصلة التاريخية التي تحتكر هي دونا عن غيرها الإرشاد إلى مسلماتها, تماما كما كان السحرة يحتكرون خاصة الاتصال بالقوى الخفية. والفضل في نجاحهم ليس لبراعة السحرة وحدهم, بل لنفاق الخطاب النخبوي للعنصر الديني. إننا لإعادة إنتاج هذا الانقياد نحو المصلحة العليا بصيغته التحررية نحتاج لاستئصال نفاق النخب الخطابي, بما فيها النخب العلمانية. وآلية ذلك تصحيح المصطلحات اللغوية ذات الطابع المزدوج التي يحاكون بها قناعات العامة عاطفيا فيقيمون عبر دلالاتها المبهمة الدليل الفكري على الحق التاريخي ويتركون ساحة التوظيف التعبوي للتيارات الإسلامية كي تحصد النتائج. ومن أمثلة ذلك الدمج المستمر بين مصطلح العروبة والإسلام حتى صارا يشكلان في الوعي العام حالة واحدة لا ترى فرقا بين العروبة كانتماء قومي يضم أديان, وبين الإسلام كدين تؤمن به أقوام. متناسين أن النباهة التحليلية, غانيك عن إرادة التغير, وتاليا القدرة على إحداثه, هي صفات تمايز اجتماعي من الغباء الاعتقاد بتوافرها لدى العامة وخصوصا البسطاء منهم. وما أكثرهم في عالمنا العربي الذي يضم 65 مليون أمي, كما قال تقرير منظمة الثقافة العربية الصادر صيفا. فالبسطاء في المجتمعات المستغرقة دينيا يقادون بالكاريزما ومبدأ القياس التبسيطي وليس بالفكر. والتجربة الموسوية التي وظفت الأسطورة والعصبية تحت غطاء اعتقادي خير دليل على فاعلية هذا التأثير. فهي وإن تكن من بقايا مراحل السحر الديني, إلا أننا يجب ألا نغفل عن حقيقة الوعي الجمعي في مجتمعاتنا, والتي لا تزال منتمية إلى تلك الحقبة المعرفية شئنا أم أبينا. وعليه, فإن المعالجة النخبوية للأزمة المستلهمة للحالة الموسوية عبر توظيفها الديني لصالح القومي تفتقر إلى الخيوط الدقيقة بين الحالة الموسوية والحالة الإسلامية. فهناك الدين هو دين القبيلة, والرب نفسه هو رب القبيلة يهوى, أما في الحالة الإسلامية فإن الدين هو دين الشعوب جميعها والرب هو رب الناس جميعا, ومن هنا كان الربط بين الإسلام والعروبة هو نيل من العروبة لصالح الإسلام. فالأول أكبر, والأكبر يجب ما حوى, وغالبا ما يرتد الولد لأبيه وندر أن يرتد الولد لأمه إلا أن يكون ذا خصوصية. إن المزاوجة بين الإسلام والعروبة خطأ ساذج يقع به جيل من المنظرين يسقطون نباهتهم على من لا يملكها. على أننا يجب أن نتلمس الفارق الحضاري التطبيقي, حيث صار متعذرا الاستمرار في الشحن الشيفوني على الطريقة الإسرائيلية, نظرا للتنوع العرقي لمجتمعاتنا والتربص الخارجي الانتهازي. ومن هنا كان المخرج في تعظيم المواطنة بديلا عن الاختيار الإلهي, وتقديس الدولة كمرجعية أخلاقية تشغل مكانة الاعتقاد التوحيدي, وتوظيف النزاهة السياسية التي يعبر عنها بالدكتاتور العادل ممزوجة بظرف المواجهة السيادية الوطنية مع الإمبريالية الطامعة لخلق حالة الكاريزما الأسطورية البديلة عن السرجونية في الموسوية لتكون حركة الدمينو رهان ما بعد المرحلة الأولى, مرحلة التمتين الداخلي. حسام مطلق
الاسم