ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow دور الشيطان في العلم والفلسفة
دور الشيطان في العلم والفلسفة Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
26 أيار 2008 الساعة 19:30
فهد راشد المطيري - جريدة الجريدة
صورة الشيطان في الأساطير والأديان تشير إلى مخلوق قبيح لا همّ له سوى إغواء الآخرين وإلحاق الضرر بهم. لست أعلم إلى أي مدى يستمتع الشيطان بأداء هذا الدور السلبي، لكني أعلم أن له دوراً إيجابياً في ميادين أخرى مثل العلم والفلسفة. سأحاول من خلال هذا المقال أن أسلط الضوء على هذا الدور الإيجابي «الشيطاني»، لكن قبل الشروع في ذلك، ينبغي لي أولاً أن أوضح الفرق بين التجربة العلمية المخبرية والتجربة العلمية العقلية.

التجربة المخبرية هي الأكثر شيوعاً، وتشمل كل تجربة علمية يمكن إجراؤها في المختبر، ولها دور مهم في فلسفة العلوم، فمن خلالها يمكن اكتشاف قوانين جديدة أو التحقق من صحة بعض النظريات العلمية. أما التجربة العقلية فيتعذر إجراؤها في المختبر، وهي تعتمد على الخيال وتتصف بالتجريد، ولها دور لا يقل أهمية عن التجربة المخبرية في تقدم العلم والفلسفة.

يحدث أحيانا أن يكون الشيطان هو أحد عناصر التجربة العقلية، ويتخذ عادة صورة كائن ذي قدرات فائقة، ولكنها قدرات لا تتعارض إطلاقاً مع قوانين الطبيعة أو المنطق (على العكس من قدرات الشيطان في الأساطير والأديان!)، وأما وظيفته فتنحصر في وضع مجموعة من العقبات الفكرية أمام العلماء والفلاسفة، ليس بهدف إغوائهم وإلحاق الضرر بهم، بل من أجل أن يعيدوا النظر في نظرياتهم العلمية والعمل على تطويرها! لننظر إلى بعض الأمثلة من تاريخ العلوم والفلسفة.

لنفرض أن مدينة الجهراء تبعد عن مدينة الأحمدي مسافة قدرها 100 كم، ولنفرض أني بدأت رحلتي من الجهراء باتجاه مدينة الأحمدي بينما أقود سيارتي بسرعة ثابتة بمعدل 100 كم في الساعة، فمن خلال هذه المعطيات يصبح من السهل التنبؤ بأني سأصل إلى مدينة الأحمدي بعد مرور ساعة كاملة فقط، وعند وصولي أيضاً يمكن لأهالي مدينة الأحمدي التنبؤ بأني كنت في مدينة الجهراء قبل ساعة كاملة فقط! بالقياس إلى هذا المثال التوضيحي، يمكننا الآن أن نفهم التجربة العقلية الشهيرة التي تعرف باسم «شيطان لابلاس»، نسبة إلى العالم الرياضي الشهير «بيير سيمون لابلاس»، فمن خلال هذه التجربة يطلب منا «لابلاس» أن نتخيل وجود شيطان له القدرة على معرفة مكان كل ذرة من ذرات هذا الكون في وقت معين، بالإضافة أيضاً إلى الطاقة الحركية لكل ذرة، ففي هذه الحالة يستطيع هذا الشيطان أن يستخدم قوانين نيوتن لمعرفة ماضي هذا الكون ومستقبله أيضاً! كان «لابلاس» يؤمن إيماناً قوياً بمبدأ الحتمية، لكن تجربته العقلية هذه تعاني قصوراً من الناحيتين العملية والنظرية، وهذا ما أكده بعض العلماء الذين جاؤوا بعده!

ديكارت أيضاً كان على موعد مع الشيطان لإجراء تجربة عقلية من نوع آخر، ففي كتابه «التأملات» يقول ديكارت ما يلي: «سأفترض وجود شيطان شرير له قدرة هائلة تمكنه من خداعي، فهو قادر، مثلاً، على إقناعي بأن السماء والأرض والهواء والألوان والأشكال وكل شيء يحيط بي ما هو إلا من نسج الخيال»! لكن ديكارت يلاحظ الحقيقة التالية: مهما بلغت قدرة هذا الشيطان على خداعي، فإنه لن يستطيع أن يجعلني أشكك بوجودي، لأن الشك في وجودي يتطلب أولاً قدرتي على التفكير، وما دمت أفكر فأنا موجود، وعندما أتوقف عن التفكير فلن يكون هناك دليل على وجودي! من هنا جاءت مقولة ديكارت الشهيرة «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، والتي تشكل المبدأ الأول لفلسفة ديكارت في ميدان نظرية المعرفة.

في المرة القادمة، عندما تتهيأ عزيزي القارئ في كيل الشتائم واللعنات إلى الشيطان في صلواتك، سيكون من الإنصاف أن تتذكر دور الشيطان الإيجابي في تقدم العلم والفلسفة، خصوصاً دوره في بناء التجربة العقلية! أرجو ألا يفهم «عبدة الشيطان» أني أروّج لمعتقدهم السطحي من خلال هذا المقال، فكل ما هنالك هو أني أحبّ أن أنصف الجميع ومن ضمنهم أعدائي، حتى لو كان الشيطان أحدهم!

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: زائر في 2008-05-27 17:54:27

الحقيقة ان " الشياطين " الاجتماعيين هم رافعوا الحضارة الانسانية وبناتها. كل من ننظر اليهم اليوم كرموز للفكر بدا من سقراط الذي اعدم لان " الشياطين " توسوس له مرورا بالحلاج الذي كان يقود حركة تمرد على الاستبداد الاجتماعي والفساد السياسي وصولا الى من نسمع أئمة المساجد يحذرون اليوم من الاستماع لافكارهم لانها " وسوسة الشياطين " التي تريد هدم " قيم " المجتمع.شخصيا لو كان الشيطان فعلا موجود لوقفت له تحية واكبارا لان ما نحن فيه اليوم من حضارة ليس اكثر من بنات افكاره التي حررت اعماق البعض فصنعوها. ومع ان الجميع, بمن فيهم شيخ الجامع الذي يلجأ اليه كي يطرد الشيطان, الجميع مستفيدون من الحضارة وانجازات العقل الانساني المتمرد على اللحظة فإن هذا الجميع يتسمر في سب الشيطان الذي حرراساسا تلك الافكار. بورك فيك ايها الشيطان الذي حرر الانسان من السحرة وحرر الانسان من الالهة وعلى امل ان تنجح في مجتمعتنا يوما وتحررها من القرون الوسطى رغم اعترافي بصعوبة المهمة فـ " قيمنا " الراسخة تبدو لي اقوى من أفكار ووسوسات كل الشياطين. الله ابعث فينا ابو عباس جديد فكثيرة هي الرؤوس التي آن قطافها. حسام مطلق
الاسم