|
|
مرصد الطائفية
مجتمع
فتى القطار | فتى القطار |
|
|
| هلوسات - مجتمع | |||||
| بقلم: هلوسات - عن موقع ألف | |||||
| 26 أيار 2008 الساعة 21:05 | |||||
|
مع عودة موقع ألف بشكله الجديد نتمنى له الدوام والتطور وننشر مادة مقتسبة من مواده مها حسن - خاص ألف كان قد سبقني إلى المقعد ، واسترخى واضعا أغراضه على المقعد المجاور له ، قرب النافذة ، اقتربت منه وأنا أدقق في رقم الجلوس وقلت : هذا مكاني ! . كان قد اختار الجلوس على الجهة المؤدية إلى ممر القطار ، وسألني من باب اللطف و بابتسامة صافية ، أي المقعدين أفضّل ؟ كان ذلك مكانه ، فقلت له : تماما ، جوار النافذة . وهو المكان الذي أختاره عادة حين أحجز للسفر ، بينما اختار جاري المقعد الذي يسهل له حركته وتنقله في القطار .استرخيت في مقعدي ، بعد أن أخذ أغراضه وسمح لي بالعبور إلى مكاني ، أرجعت رأسي إلى الوراء ، مسترخية لتداعي أفكاري ، إذ أنني لا أحب القراءة أثناء السفر ، ولا سماع الموسيقا ، بل أترك أفكاري تسترخي ، وتتفاعل ، وأحاول التقاطها وحبسها في ورقة بيضاء أو في دفتر ملاحظاتي ، تحت عناوين وعبارات واسعة اشتغل عليها لاحقا . فاحت رائحة البرتقال من جاري ، قشر برتقالته وأكلها بهدوء ، ثم فتح كتابه وراح يقرأ فيه . لم يكن عمره يتجاوز الثامنة عشر ، أنه تماما بعمر فتى السرفيس الذي حاول اغتصاب حريتي . نسيت الفتى الجالس بجواري ، ونساني ، استغرق كل منا في عالمه ، هو في كتابه ، ورسائل هاتفه ، وأنا في صور حلب التي لا تغادرني . " كانت سيارة السيرفيس الكبيرة التي تتسع لأكثر من اثني عشر راكبا شبه فارغة ، كنت أجلس في المقعد الثاني ، مكاني المفضل، لتحاشي أقدام وأرجل ركاب المقعد الأول ، حيث تتصادم أقدام الركاب وركبهم ، إذ يجلس قبالتهم ، ركاب آخرون ، في المقعد المعاكس لمقعد السائق . كانت تجلس خلفي سيدتان . أما هو ، فما أن صعد السيارة ، حتى اختار الجلوس جواري ، تاركا كل الأمكنة المتاحة له . ومع تحرك السيارة ، شعرت به يميل نحوي ، وانتابني توتر غامض ، أحسست وكأن هذا الصبي يخفي شيئا تحت سترته التي رماها على ساقيه ، وبدأ يتشنج . أحسست بأنفاسه القريبة لي ، فاستدرت نحوه بلطف وقلت : ممكن أن تبتعد عني قليلا ، أنت تلتصق بي ؟ فأجابني بعدوانية شرسة ، وصوت هامس : أخرسي ، أو أفضحك ! أذهلني رده ، فأنا المهددة بالفضح والفضيحة ؟ انتابتني رغبة بالصراخ أو صفعه أو فعل أي شيء عدواني يتناسب مع سفالته ، ولكني كنت مرتبكة وخائفة ، فمن الواضح أنه وضيع لدرجة أنه قد يؤذيني أكثر ... ما هي إلا لحظات ، حتى توقفت السيارة ، ليصعد ركاب آخرون أشاروا للسيارة للتوقف ، وبدون أن يتردد الفتى الصعلوك ، قذف نفسه من السيارة ، دون حتى أن ينبّه السائق أو يطلب النزول. تنفست أنها جاءت منه ، لا مني ... وبدأت جارتيّ ، السيدتان الجالستان خلفي بالتحدث بينهما ، إلي « الله يقصف عمره ، ابن حرام .... والله كنا آكلين همك ... وخفنا منه ... » ، السيدتان اللتان لم أسمع حتى تنفسهما أثناء وجود الفتي جواري . وصل القطار إلى نانت ، حيث أتجه ، ولكن جاري الفرنسي كان قد غادر قبلي ، دون أن أنتبه إليه ، ربما ودعني ولم أكن هنا. في طريق العودة من نانت ، وصلت إلى مقعدي ، جوار النافذة ، وتلاني جاري ، أيضا كان شابا ، ولكن في الثلاثينيات من عمره ، قبل أن يجلس ، سلم علي ، ثم استسلم لكتابه . وصلنا باريس ، فقال لي بلطف طبيعي وتلقائي : إلى اللقاء . تبين لي أني لم أقل مرحبا إلى جاري الأول ، الفتى الباريسي الذي رافقني من باريس إلى نانت ، ولم أقل له إلى اللقاء ونحن نغادر القطار، بل تركته خلفي بغباء ، إذ كانت حلب تضغط على صدري ، دون أن يعرف جيراني الفرنسيون أننا شعب لا نفتقد إلى اللطف ، ولكننا نعاني من أوجاع الذاكرة ، فلا نعرف إن كان أحدنا في حلب أو القاهرة أو عمان ، أو باريس أو أمستردام ؟ أقسم، أني لو أخذت القطار في المرة القادمة ، سأسارع إلى إلقاء التحية على الجالس بقربي قبل أن يفعل ، أكان رجلا أم امرأة ، وأني سأسارع في توديعه وتمني مساءا طيبا له ، أو نهاية عطله طيبة. وأني سأقرر أني لم أعد في حلب ، يجب أن أفهم هذا جيدا ، وأني ، ربما ، إذا عدت يوما إلى حلب ، وأخذت سيارة السيرفيس ذاتها ، وصعد إلى جواري الشاب ذاته ، فسوف أروي له ، ولجميع الركاب ، حكايتي مع فتيان القطارات الأجانب ، حيث تنام أي امرأة في كرسيها بأمان ، دون أن تضطر لشرح قصة حياتها ، ولروي مآسيها في سيارات الأجرة ، والباصات ، والسيرفيسات ... سأقسم لهم ، أنني ، وغيري كثيرات ، نشعر بالأمان ، في بلاد الفرنجة ، ونطمئن في شوارعهم ، وقطاراتهم ، و" متروات " أنفاقهم ، وكافة وسائط تنقلاتهم ، كما لو أننا في أحضان أمهاتنا ، لا نخشى من يد تمتد وسط الزحام ، لتتسلل للمس جزء ما من أجسادنا ، ولا نشعر بلهاث غامض ينفخ قريبا منا ، ولا حتى نظرة قد تؤذي كرامتنا ... سأقسم لهم ، أني أتناول شطيرتي على أي مقعد في الشارع ، وأدخن على أي رصيف ، وأسترخي في أي حديقة ، وعلى أي عشب ... دون أن يقترب مني أحد ما ، دون أن يضيّق على حريتي كائن من كان ، دون أن يعرض علي أحد مصاحبتي ، أو يعتقد أني بحاجة لمصاحبته . هل يصدق فتيان مدننا البائسون ، أو فتياتها الحالمات بقليل من حرية ، أن المرأة التي تجلس في وسط ساحة ما ، أو مقهى ما ، أو سينما ما ، وحيدة ، لا يتجرأ أحد على النيل من مهابة وحدتها ، أو كسر ألق صمتها ... يحدثوننا بعد ، عن كرامة المرأة المصانة في البلاد العربية ، وعن تلك المداسة ، في بلاد الفرنجة ، فهل نصدّق ؟ مها حسن ـ باريس - موقع ألف
|
|||||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|