|
تخضع المجتمعات البشرية لعمليات تغيير كبيرة وسريعة مقارنة بمجتمعات الحياة الأخرى المختلفة. أكبر ما يمكن ملاحظته في هذه المجتمعات هو تغير القيم الأخلاقية ومقاييسها تبعا لتطور البشر السريع. هذه القيم التي يتم تمريرها كفكر ديني أو تقاليد اجتماعية مدونة أو مكتسبة من الآباء للأجداد. والتمسك بثوابت مطلقة واهمال حقيقة أن التغير صفة أساسية من صفات البشر أو تجاهلها لا ينفع حتى ولو كان هذا التمسك آت بالشكل الديني أو النص المطلق. بل إن محاولات الوقوف في وجه هذا التيار غالبا ما تؤدي إلى نتائج عكسية تقوم بتسريع عملية التغيير.
يتميز الدين الإسلامي في مجتمعاتنا عن العديد من الأديان الأخرى بأنه يدخل في تفاصيل حياة الفرد في المجتمع. أي أنه يملك جانبا دنيويا واسعا إلى جانب الماورائيات .. ففيه التشريع والقوانين التي تحكم حياة الفرد في العديد من جوانب الحياة. هذه الصفة جعلت من الدين الإسلامي بنصه الأصلي عصياً على أن يكون ملائما لكل تغيرات المجتمعات المتنوعة والفكر البشري والعلوم والتطور مما أدى إلى ظهور أناس يقومون بتقديم الحلول الاجتماعية والقانونية والتشريعية بقالب ديني مقدس من مبادئ تجيز لهم الافتاء وتقرير ما لم يشمله الدين الاسلامي بشكل محدد وصريح. أسمو تلك الرخص بالقياس والاجتهاد... الخ.
هؤلاء العلماء المسلمون لم يستمدوا تشريعاتهم وقياساتهم من الفكر الاسلامي والنص الأصلي فحسب بل الحالة الاجتماعية و الاقتصادية التي تحكم المجتمع حسب زمانها ومكانها. في واقع الأمر فإن تلك التشريعات وإن بدت تملك صفات قدسية أو دينية إلا أنها خاضعة لا للنص الأصلي بل لمتغيرات المجتمع... وسأورد هنا مثالين بسيطين عن حكم التغير البشري عليها.
المثال الأول هو الربا وتحريمه في الإسلام... فالربا تم تحريمه في زمن لا مكان فيه للتضخم النقدي وتغير القيمة الشرائية والتغيرات الكبيرة في أسواق العملات وقيم السلع. أما الآن فلا يمكن قبول فكرة كهذه في ظل التعقيد الاقتصادي وتطوره وتم التحايل على هذه الفكرة بما يدعى (البنوك الإسلامية). في واقع الأمر فإن ما جرى ليس إلا اعتراف بواقع أن الفائدة المصرفية على القروض هي حتمية. وإن كان القرض ذو الفائدة غير مقبول بسبب استغلال حاجة المدين فإن البنك الإسلامي الآن لا يقرض نقودا بل سلعا عن طريق شرائها ثم بيعها بربح مثلاً. وهم بذلك يقولون أن هذا ليس مال ربا بل مال تجارة ويتجاهلون أن هذا الربح التجاري مبني على حاجة المدين أيضاً.. ناسين أيضا أو متناسين أننا وكما أسقطنا الربح التجاري المعتمد على حاجة المدين فإننا وبالطريقة نفسها نستطيع القول أن الفائدة التي يدفعها المدين لمصرف غير اسلامي هي فائدة ربحية والقيمة ليست بأوراق نقدية بس بما تستطيع هذه الأوراق شراءه وهي من أساسيات القوانين الاقتصادية ولكن يتم تغليفها بكلمة (إسلامي) التي تنطوي على البسطاء والعوام.
إن ظهور البنوك الإسلامية هو رضوخ لحاجة المجتمع الجديد والمعقد هربا من مشكلة تحريم الإقراض بفائدة وهو أيضا تجاهل لناحية مهمة جدا وهي أن البنك الإسلامي غالبا ما تكون أرباح (تجارته ) مع المدين أكبر بكثير من الفوائد المصرفية لبقية البنوك عدا عن أنها معتمدة كليا على حاجة المدين وهي الفكرة التي تم تحريم الربا أصلا بسببها.
هنا فإن البنك الإسلامي هو اجتهاد بغطاء اسلامي يرضخ لمتغيرات السوق التي لم يكن النص الأصلي قادر على يغطيها لانعدامها في ذلك الزمن. بل يكفي أن نقول (البنك الإسلامي) كي نزيد اهتمام الناس بهذه التعاملات المصرفية وندفعهم اليها أكثر ونزيد في ذلك بسرعة عجلة التغيير.والاجتهاد السابق هو رضوخ للمتغيرات الاقتصادية في المجتمع البشري.
أما عن الحالة الاجتماعية فالمثال الأفضل لدينا هو تحليل بعض علماء المسلمين خياطة غشاء البكارة مؤخرا بحجة الستر والتستر. ورغم أن عمليات خياطة وترقيع غشاء البكارة موجودة قبلاً بسبب الأعرف والتقاليد ومفاهيم العفة والطهارة التي فرضها المجتمع على المرأة التي تحاول ايجاد طريقة للخلاص إلا أن فقهاء الدين لم يبدو أن ردة فعل في هذا الموضوع وغالبا ما كانت ردود الأفعال تتسم بالرفض لهذه العملية.
وهذه المرة فإن القياس والاجتهاد كان ضعيفا جدا مقارنة بالنص الأصلي. والتغطية كانت فاشلة . وهو وإن بدا ترجمة للقول (اذا ابتليتم فاستتروا) إلا أنه ينسف مبدأً أقوى في الدين وهو تحريم الكذب. ما جرى حقاً هو أن ترقيع غشاء البكارة حقيقة حتمية تجري بسبب محاولة الأنثى التخلص من في مجتمع ينظر إلى شرف المرأة في بكارتها بل ويبيح قتلها في كثير من الأحيان بحجة هذا الشرف. ولم يرغب بعض رجال الدين بالظهور بمظهر الجاهل أو قليل الحيلة وهم أدركوا أن بصمة ما يجب أن تكون في هذا الموضوع وخصوصا في المجتمعات التي انتشرت فيها عادة ترقيع البكارة.
عند النظر إلى هذه الفتوى بشكل أعمق سنجد أنها وإن كانت تبدو وأنها تحاول الحفأظ على البكارة كمفهوم للشرف والعفة إلا أنها تقوم بتدمير أهميته على المدى الطويل. ولن يكون هناك فائدة من وجود غشاء البكارة أو عدمه لأنه قد يكون مرقعاً بكل بساطة. سيتخلى المجتمع عن فكرة تقديسه تدريجياً ويفقد أهميته... سيتبع هذا التخلي احساس بالراحة أكثر في ممارسة العمل الجنسي وعدم الخوف من تقييم الشرف بناء على غشاء... وهذا يعني تغيراً في بعض الأخلاق الموروثة تجاه غشاء البكارة وشرف المرأة.
قد يبدو هذا التغير نتيجة لتلك الفتوى.. لكن الواقع أن التغير بدأ عند أول عملية ترقيع في السر.. تلك الفتوى ما هي إلا نتيجة لحالة اجتماعية وتحصيل حاصل. ورغبة في عدم البقاء بعيدا عن صورة التغير الاجتماعي والاخلاقي للمجتمع البشرية الذي انعكس على مجتمعنا الشرقي.
الأمثلة عديدة.. والواقع أوضح من كل تأويل.. وهو أن الخطاب الديني انهار تماماً في ظل تطور البشرية الفكري الكبير... ولم تعد الفتاوى والعلوم الغيبية تنفع مع هذا التعقيد وهذا التسارع في التطور البشري الاجتماعي الكبير. هذا الخطاب بدأ بلفظ انفساه الأخيرة عن طريق محاولة اللحاق بعربة تقدم البشرية وتغيراتها الكبيرة وكلمات يائسة تقول نحن هنا.. أو تقول.. نحن كنا هنا.. أو اضعف الإيمان: كنا هنا يوماً.
محمد نورالله
|