| إلى محمود درويش |
|---|
|
|
| نشرة هلوسات البريدية |
|---|
|
بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب. |
مختارات متنوعة
الخميني في مواجهة ديكارت | الخميني في مواجهة ديكارت |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | |||
| 03 حزيران 2008 الساعة 21:56 | |||
|
وسام سعادة - النهار
قضت الرؤية الخمينية بالجمع بين أقصى الانتصارية وأقصى المظلومية في مركب استضعافي واحد. بهذا الجمع أمكن تعطيل كل الطاقات الحية التي أظهرتها الأيام المشهودة للثورة الإيرانية على نظام الشاه. مثّلت هذه الثورة أكثر أنماط التحوّل السياسي في التاريخ ابتعاداً عن نموذج انقلاب القصر. وصل الأمر بميشال فوكو، الذي يُعرَف عنه عدم اقتناعه ولا فهمه يوماً للقضية الفلسطينية، أنه رأى في الثورة الإيرانية انتفاضة على أواليات السلطة ككل، وبشارة بسياسة روحانية في وجه السياسة البدنية التي استقرّت على أعتابها الحداثة الغربية، فما عادت تكتفي بالتحكّم بالارادات، وانما صارت تتحكّم بحياة الأبدان نفسها. انتهت ثورة ميشال فوكو على عقلانية ديكارت الى حيث الاحتفاء فلسفياً بالحدث الخميني، وبالإمام الخميني في حد ذاته، كحدث. بيد أن ميشال فوكو الذي استعجل محاكمة ميتافيزيقا ديكارت، في أطروحته الشهيرة عن "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي"، معرّفاً العقلانية الديكارتية بأنها "رُهاب الجنون"، أي وجوب أن يلازم العقل منهجاً في عينه تحت طائلة عدم الوقوع فريسة للجنون، هو نفسه ميشال فوكو الذي قدّم النموذج الأكثر فظاظة من الثنائية الديكارتية عند مقاربته الحدث الخميني، وبجعله الخميني بديلاً من ديكارت، وناهضاً في وجه الحداثة، بحداثة أخرى، ذلك من خلال التنظير لنموذج مبهم دعاه فوكو بـ"السياسة الروحانية" في مقابل "السياسة البدنية". ميشال فوكو الذي روى عن "العقل الديكارتي" أنه من طبيعة اقصائية تحجر على المناوئين لها، وتزجّهم في السجون بحجّة أنهم مجانين، بل تتعامل مع كل من في السجون على أنهم مجانين، لم يستطع التنبه الى الجوهر الاقصائي بامتياز، في حدث الثورة الإيرانية، والمتمثّل في هذا الجمع غير المسبوق، على هذا المستوى، بين أقصى الانتصارية وأقصى المظلومية. يبدو الأمر عند العودة الى مواقف فوكو من الثورة الايرانية، كما لو أن الوحدة العرفانية بين العشق والعاشق والمعشوق تترجم، "اضمحلالاً للدولة"، المبنية على التفريق بين الحكم والحاكم والمحكوم، ولمجرّد أن الغيب يحتل المكان الأبرز في التشريع. لم يستطع "منهج" ميشال فوكو أن يفصل بين واقعة أن يكون الحاكم غيبياً والتوهم بأن يكون الغيب نفسه حاكماً، ولا استطاع أن يفصل بين واقعة ان يكون الحاكم غيبياً، حاكماً بأمر من الغيب، وبين توهّم أن يكون الحاكم غائباً، لمجرّد أنه غيبي، يأتمر بما يمليه عليه الغيب. وكما أن ميشال فوكو، وصل بتمرّده على التقليد الديكارتي حدّ ابتذال الثنائية الديكارتية من خلال افتعاله التضاد بين سياسة بدنية وأخرى روحانية، فإن الرافض بشكل قاطع للثورة البلشفية قد عادت وتملّكته الروح البلشفية. فكما أن البلاشفة نظروا الى كومونة باريس 1871 على أنها المثال الذي ينبغي الانطلاق منه، لأجل تطبيقه في امبراطورية – قارة في حجم روسيا، فإن ميشال فوكو نظر الى الثورة الايرانية على أنها الامتداد البدني والروحاني لكومونة باريس الطالبية عام 68، أي الثورة الشبابية – الجنسية الأوروبية، تلك التي يحتفي الغرب بذكراها الأربعين هذه السنة، ولم يحسم الجدل حول تأثيراتها وتداعياتها في ما يتعلّق بأنماط التفكير والعيش في الغرب. مع ذلك، لم يخطئ ميشال فوكو في مكان ما. هذا، إن اعتمدنا مقياس تمكّنه، من التعبير الخطابي الأمضى، عن الوهم الصادح الذي كاد أن يجتاح جيلاً بأكمله، في لحظات محتدمة ومشهدية من الثورة الإيرانية، وفي ظل عالم كان محكوماً بقرب انقشاع جملة من أوهام، أوهام ما عادت قابلة للتصديق في ما عنى الإيديولوجيات الشمولية ومتفرعاتها التسلّطية، أو نقائضها الفوضوية التي تظل طفيلية تعتاش في فيئها. لقد أسقط خائبو القرن العشرين محمولات لا حصر لها على الثورة الايرانية. هربوا من الجمود البريجنيفي، ومن ضمور الماوية أو افتضاحها، ومن تصدّع حركات التحرّر الوطني المخابراتية، ومن تبخّر الثورة الطالبية الباريسية، ومن عدم القدرة على الانتفاع من "النموذج الفيتنامي"، الذي كسفه "النموذج الكمبودي" بشكل عاجل. هربوا من الوجودية ومن البنيوية ومن التفكيك، من الالتزام كما من العبثية، الى حيث اسقاط كل مرغوب ومشتهى على الثورة الايرانية. كانت إسقاطات من خارج المقال التقليدي للعقل الغيبي المهدوي الثيوقراطي. لكنها كانت اسقاطات أكثر رغبة في انتصار الغيبية من سدنة المعبد أنفسهم. ساهمت هذه الاسقاطات في مكان ما، في اجتماع أقصى الانتصارية وأقصى المظلومية في مركب ذهني واحد. اعتصم ميشال فوكو بحبل الامام الخميني في مواجهة عقلانية ديكارت، وإن يكن بأدوات من مخلّفات الثنائية الديكارتية (ثنائية السياستين البدنية والحيوية). لكن ميشال فوكو وسواه في ما بعد، لربّما وجدوا في المانوية الخمينية أو المواقعة بين المستضعف والمستكبر، ما من شأنه التمرّد على "جدلية السيد والعبد" عند هيغل، وهنا أيضاً كان لا بد من الاستعانة بأدوات من مخلّفات المنظومة الهيغلية. بحجة رمي الديكارتية بتهمة "رُهاب الجنون"، ورمي الهيغلية بحجة "مكيدة النسق"، جرت مبايعة "رُهاب العقل". مثّلت الثورة الإيرانية، وبمعية الاسقاطات الوضعية - التاريخانية التي انهالت عليها مهنِّئةً ومواكِبةً ومنتظرة، حلقة جديدة من المسلسل الذي وصفه جورج لوكاش بنزعة "تحطيم العقل". مثّلت أعظم انتصار للاعقلانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهنا ينبغي التذكير: ليست اللاعقلانية خطاباً "من خارج العقل"، انما هي خطاب، "ضد العقل"، وإن وظّف ما يدرّه العقل لصاحبه، تماماً مثلما جرى توظيف الجوانب الأكثر ابتذالاً من الديكارتية والهيغلية، لحذف عظمة ديكارت وهيغل، من خلال العشوائية الابستمولوجية عند فوكو لأجل الالتحاق بالخميني. فعلى الرغم من ابتعادها عن نموذج "انقلاب القصر"، الا أن الثورة الايرانية لجأت الى تقنية "حريق الرايخستاغ" نفسها لضرب حزب تودة الشيوعي الايراني، كاشفةً عن علامات تماثل غير قليلة مع التراثين الفاشي والنازي. ليست الثورة الايرانية مماثلة نسقياً لثورة 1933 الألمانية، لكنها على الأقل، بمثابة 1933 الشرق الأوسط. وكما قامت "الثورة القومية – الاشتراكية" في المانيا 1933، على صهر البطولية الفروسية بالتظلّم الشديد من معاهدة فرساي، كذلك قامت الثورة الايرانية بدمج الانتصارية بالمظلومية، من خلال تقويض التراث وتوظيفه، عنوةً، في قالب إيديولوجي، يبقى داريوش شايغان خير من شرح طبيعته العدمية. ولو شئنا الاحالة على النموذج الارتكازي للثورة الفرنسية الكبرى، لبانت الثورة الإيرانية هي عينها الثورة المضادة. لم تتقابل في ايران الثورة من جهة، والثورة المضادة من جهة أخرى. جاءتا كحدث واحد، بشعارات واحدة، والأمر إن اتضح سريعاً، الا أنه كان مضمراً كذلك، منذ البدء. فالثورة الايرانية مبنية أولاً على "سوء تفاهم". تقول إنها تواجه نظام الشاه، وعسف الشاه، والأمركة في ظلّ الشاه. الا أن ما واجهته، ولا تزال، هو نموذج لم يكن بمقدور الأسرة البهلوية التفكير حقيقة في تطبيقه في ظروف ايران. كانت ثورة الخميني ثورة على مصطفى كمال أتاتورك، لا ثورة على محمد رضا بهلوي، ثورة على أتاتورك من خارج السياق التركي، ومن خارج السياق السنّي المعني بضياع الخلافة، ثورة على أتاتورك، تحديداً لأن الجنرال محمد بهلوي، لم يتمكن بعد أخذه السلطة عام 1925 من أن يتحول الى مثال جمهوري كمالي آخر، وانما انقاد، وابنه، وراء بهرجة شاهنشاهية بأحلام امبراطورية، فقام النظام الخميني في نهاية الأمر، كشاهنشاهية بديلة، شعبوية ومهدوية، جامعة لمنتهى الانتصارية مع منتهى المظلومية. الثورة المضادة تعني ملازمة الأشكال الأكثر تزمّتاً للعيش الاجتماعي. وهذه حال الثورة الايرانية: ميليشيات شبابية تغالي في البطريركية في وجه الشيوخ، وتغالي في الذكورية تحت ذريعة تجنيب المرأة أخطار التسليع الرأسمالي. لكن الثورة الايرانية ثورة مضادة بمعيار أكثر جذرية، لأنها ثورة دائمة على منطق الدولة الحديثة. منطق الحداثة السياسية ينحو الى حيث تحقيق حصرية منظومة العنف الشرعي في جهاز الدولة. أما اجتماع التحديث القسري التظلّمي والتحديث اللاواعي الانتصاروي، فلم يكتف بأن خلط الحابل بالنابل، على صعيد المزج بين الشرعية الدستورية والشرعية الثورية، وبين الشرعية الثورية – الشعبية والشرعية المستمدة من وحي ثوري – عُلوي. انما جاء ليقيم دولة لا تحتكر العنف، ولا يقوم كيانها الدواويني والمعنوي في قبالة مجتمع مدني مراقب لها، ومحاسب لصنائعها. انما دولة تنبري ميليشيات "حرس الثورة" كفاصل واصل بينها وبين المجتمع. لقد أوجدت هذه الميليشيات مشروعيتها "في ما وراء الدولة والمجتمع". بنت الثورة الايرانية تصورها لنفسها، ولخصومها، على أنها قائمة في برزخ "ما بين الدولة والمجتمع"، برزخ هو في الوقت عينه "في ما وراء"، أو "ما فوق" أو "ما قبل" الدولة والمجتمع. في هذا المعنى، ليست المشكلة اللبنانية الا بمثابة تكثيف للمشكلة الايرانية التي عمرها من عمر الثورة، والنموذج الجمهوري الاسلامي الذي أقامته هذه الثورة، لا تقوم حجته ضد النموذج الامبراطوري الشاهنشاهي، وانما ضد النموذج الجمهوري الكمالي الذي وجّهت حرابها ضدّه، مع انه كان غائباً في ايران. الطامة الكبرى أن انتظارات ميشال فوكو في صدد "السياسة الروحانية" الخمينية لم تكن الا أكثر واقعية وأكثر أخلاقية من كل الانتظارات "الوضعية" أو "الدنيوية" الأخرى المبتهلة للثورة الايرانية، من خارج مرجعية الفكر الديني، وان يكن احياناً من ضمن سياسات الولاء للعنصر الاثني – المذهبي. على الأقل، يبقى ثمة فارق كبير، على رغم كل شيء، بين زمن الامام الخميني وزمن أحمدي نجاد. هنا أيضاً، يحضر تطوير كارل ماركس لتلك الفكرة الموروثة عن هيغل، والتي مؤداها ان كل ظاهرة تتكرّر مرتين، المرة الأولى كمأساة (الحرب العراقية - الايرانية) والمرة الثانية... لن نقول كمسخرة، انما كانتصارات. لكن انتصارات من أي نوع؟ من النوع الذي يذكّرنا بانتصارات بيروس الابيري ضد الرومان في جنوب ايطاليا. وقد نسب بلوطارخوس الى بيروس الابيري قولاً ترجمته: "انتصار اضافي مثل هذا الذي حققناه، وننقاد تماماً الى حيث الهزيمة والتهلكة"
|
|||
|
|
|
أكثر المواضيع قراءة هذا الأسبوع |
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|