أخبار Google
Google News العالم العربي
Google News العالم العربي
 
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

مشاهد من الذاكرة
مواقع سورية
في سورية
البداية arrow مشاهد من الذاكرة arrow خواطر ونصوص arrow صوت..أصابع ..وشبّاك - قصة قصيرة
صوت..أصابع ..وشبّاك - قصة قصيرة Print E-mail
هلوسات - خواطر ونصوص
05 حزيران 2008 الساعة 20:56
 بقلم: د. بشار خليف
 
كان عليكِ أَلاّ تقفي على الشُبَّاك أو كان عليّ أنا بالذات أَلاّ أَمُّرَ في حارتكم، أَلاّ أرفع نظري نحو شباككِ و أَلاّ أجعل بصري يَحوصُ كعادته. لستُ راداراً لأَِلْتَقِطَ اهتزازات الآخرين أو ذبذباتهم ومع هذا فأنا رادار بالرغم عن أنفي، هذه مسألة محسومة لا شعورياً أو قولي أنها عادة أَدْمَنَتْني.

أنا قبل أن أدخل حارتكم كنتُ لا أبحث عن شيء, فقط هو الفضول الذي يتْعِبُ قدميّ كي أدخل حارات جديدة, ففي كل حي شبابيك وخلف كل شبَّاك تَصنعُ الأحزان دموعها, الأفران طعامها, الأفراح أسنانها والأهل أطفالهم.

الآن.. بصري فارغ يحاول أن يملأ أَمْكِنَتَهُ بوجه أو طيف أو حتى فراغاً يملك حجماً, نعم تملك بعض الفراغات حجوماً مثل كثير من الناس حتى الذين في حارتكم.


الآن يعود إليّ صوت قديم, صوت هَزَّني حين كنتُ يافعاً, كان صوت انشراخ شجرة من الأعلى إلى الأسفل, أقسم أنها كانت تبكي.. تولول! ومنذ ذاك الوقت علمتُ أنَّ الشجر يَسمع ويَرى … يحُب ويَكره. الآن … يعود هذا العويل إليّ … لأقول : أنا "داخلٌ" أهدأُ ما فيه صخبهُ.. وحين نظرتُ إلى شباككِ عرفتُ لماذا تَذَكّرْتُ تلك الشجرة وعويلها.

قولي لي لماذا تبكين؟ وجهك محتقن وعيناك مُحمرَّتان … لا أريد أن أُكَّذِبَ نظري, صحيحٌ أنني لا أثقْ بالشبابيك كثيراً لأنَّ ما تبديه عكس ما تُخفيه, ولكني مع هذا لم أحترم الشبابيك منذ عهود سحيقة. أولُ احترام قَدَّمْتُهُ كان لإنسان الكهف, ليس لأنه اكتفى بالباب كما قُدّمَ له..ليس لأنه لَمْ يُفجّر صخراً … أو يَلعنْ.. فقط كتبَ تحت رسوماته الجدارية "القناعة كنز لا يفنى" وخرج إلى العراء كي يصير الشمس.

اسمعي ليس بمقدور كل إنسان أن يصير شمساً, أنتِ مثلاً لا يمكنك أن تمسكي النار لهذا لا يمكنك أن تُدفئي أحداً, أنت الآن نفسك و أنا الآن غَيّري..! إنسان الكهف الذي اكتفى ببابهِ, خانه أحفاده بعد حين, فَمَنْ كان آمناً فتح شباكاً إلى الأعلى ومن كان خائفاً فتح شباكاً واطياً يليق بخوفهِ وحذره..

ثم كان أحفاد الأحفاد الذين ابتكروا الستائر لشبابيكهم, تُرى هل فَكَّرتِ ماذا يقول الشباك للستارة ولماذا تتمايل الستارة عارية دوماً أمام الشباك؟ ستارة عارية أمام شباك ماذا يمكن لها أن تفعل؟

لا تكوني بريئة في إجابتك, أنا افهم حكاية النور والنار.. الغيمة العارية والريح.. حتى الشجرة التي تَعّرتْ في الخريف بلا حياء أو خجل, تعرفين الآن لماذا؟.

أرجوك لا تفهميني خطأ, أنا أحب الشمس شرط ألا نَغْدُرها, الشباك الذي حكيتُ عنه تواطأَ مع الظل ضد الشمس, والشمس لا تتجزأ, حكمة الفصول المتوسطية تقول أن تأخذي الشمس كاملة وإلا فنامي تحت أقرب شجرة حتى يوقظوك لضرورات دفنك. لهذا حين رأيت دمعك يتساقط, لعنتُ كل شبابيك المدينة،القديمة منها والجديدة, ظاهرها وباطنها, لعنتُ حتى أبواب الكهوف والستائر بشكل أكيد. أنا لم أعرف أن هكذا عينان يمكن لهما أن تغرقاني بأكثر من قساوة.. بأكثر من عويل شجرة مشروخة.

لستُ حنوناً لكنني لا أبرر للدمع سقوطه وها أنت بللت الشباك.. الشباك الذي يغدر الشمس دائماً.أقول لك الآن, أنت قاسية, حتى حارتك قاسية, فنبِّهيني إن شطحتُ بأكثر من جنون, ولكن أين يداك؟ ولماذا تخفيهما أسفل الشباك؟..

حسن.. دعيهما لابد أنهما متعانقتان أو تفركان بعضهما بعضاً. قولي خوفاً مما حصل أو خوفاً من الآتي أو شيئاً من بعض خوف.

الآن! أظن أن حبيبك قد آذاك, ها هو يقترب منك ذات يوم, يبخُّ في أذنيك رياح الوَلَهِ و آهات العشق والأهم يلقّنك تفرده, وحين جعلك سمكة حمراء.. غيرّ ماءه.

بائس من يلعب بالدمع والعيون, من يبعد يديك كي تعانقيه ثم يجعلهما تتعانقان أسى.. لا تعضي أصابعك, يبدو أني أحبها!

حسنٌ, أنا لن أشطح أكثر, قلت لك لا أثق بالدمع كثيراً.. صدقيني.. لو أن أصابعك بانت لي لكنت أكثر ثقة بها. حتماً هي طويلة, ونظيفة, هل تلهب بأكثر من الشمس التي تلفحني؟ ولكن, من قال أن من يبكي عليه ألا يرد شعره إلى الخلف! وجهك مضيء مثل قمر خلف شباك يغتال الشمس تماماً. هيا إذن, ردي شعرك إلى الخلف وامسحي ماء وجهك بحلم.. بأكثر من أمل.

اسمعي, أنت لا تنظرين إليّ, ربما لم تريني اهتمامك حتى الآن, لكنني حباً أقول.. نعم.. حبا" أقول.. أنا لا أحتملُ رؤية امرأة تبكي, حتى أمي لم أدعها تبكي حين ولدتني, هكذا أسرعتُ في الشهر السابع, لملمتُ أشيائي وحوائجي, تعلّقتُ بحبل المشيمة وهيلا هوب كنتُ خارج رحمها, كانت أمي تضحك.. لماذا لا تضحكي؟!!. قلت لكِ لا أحتملُ رؤية امرأة تبكي.! ولكن لا أعتقد أن حبيباً قد آذاك! لا..! لأنه حين ذاك لن تقفي على الشباك وتبكين, بل ستلقين جسدك على السرير وروحك إلى ظلام ما تحت الشرشف وتبكين هناك. نعم, السرير مدفن الحب ومدفن ما بعد الحب..!

حسنٌ؛ ليس ثمة حبيباً, إنه والدك.. أنا أعرف آباء هذا الزمن الذين يبيعونكم الوصايا وتلك المحظورات التي اشتروها في شبابهم بالقطع النادر. دعيهم إنهم يمارسون الآن خوفهم من القبر.. من الموت بسيل من الوصايا تحفظ ماء وجههم أمام ربهم حين يبعثون, والضحية أنت وهي -وربما أنا بالذات أيضاً- ولأنني ذكر فسأكون آخر الضحايا.دوماً يا.. آه.. صحيح!

ما اسمكِ؟ دعيني أتخيل اسماً يليق بحزنك, لا!.. يليق بأبيك, لا!.. يليق بما أحسُّ بكِ –حبيبة- نعم اسمك حبيبة وكفى.

يا حبيبة.. دوماً.. نسيت ما أردتُ قولهُ!! ولكن لماذا يحملقُ سكان حارتكم فيّ هكذا؟ أقسم أن حارتكم مسدودة, كلما سدت الحارة, زادت الحملقة والدهشة في عيون سكانها. أنا الآن إذن قبل ألفي عام : مدن مسوّرة.. أبواب.. أسرار.. أقفال.. ليل.. مشبوه.. ستائر.. وعيون تتلصص خلفها. بالله قولي لي أليست حارتكم مسدودة؟ عيونهم تقول : الداخل قاصد والخارج كان يقصد! لا مجال للعبور, وها أنا رغم العيون أبدد ارتيابي كي أمسح الدمع الذي يبلل شباكك.. شباكك الذي يغدر الشمس! على كل أعود للقول, أبوك لا يعنيني في شيء, هو الآن مع أمك مثل أخوة.. يا حبيبة.. أتحدّاكِ في هذا الشرق كله أن تجدي أباً أو أماً لأولاد إلاّ و تحسّين كأنهم أخوة منذ القديم ؛ لا باقة ورد بين أصابعهم.. لا قبلة.. لا جنون..

تُرى, لماذا يموت الحب دوماً على شجرة العائلة الشرقية؟ كأنهم فزّاعات وضعت لأولاد جُلبوا من الميتم. حسنٌ, آذاكِ والدك.. صفعك, ربما لأنك لا تضعين غطاء الرأس.. وأفهم أنك تحبين الشمس, لكنه لعين حين صفعك, ما أبشعه.. ما أبشع ذلك الإنسان الذي يُبكي امرأة,لايبكي الورد يا حبيبة فكيف يتساقطُ دمعه؟

حسنٌ, هدّئي أعصابك, ارتخي قليلاً, ارفعي يديك جيداً حتى أراهما, يهمني حديث أصابعك.. استطالاتها.. بوحها.. مرورها عند حلمي.. قلت لك ثقتي بالأصابع لا بالعيون, و انسي حبيبك إن كانَ وكانْ.. أباك الذي والذي..

قلت لا يهمني أحد سواك, ولكن, لعل أخاك من آذاك؟ يهيأ لي ذلك, فذكور الشرق تتوارث اللعنات مثل خرافات اليهود أباً عن جد.. وجيلاً بعد جيل. الذكر شبيه أبيه والأنثى شبيهة أمها, والزمن سجينٌ محجورٌ عليه في ظلام علاء الدين والأربعين ميتاً. أظن الآن أن أخاك آذاك في غياب الرب.. أقصد ربّ الأسرة..

حسنٌ, أنت إذن في مصّحً عقلي ّعائليّ, سارقٌ ومسروق, لاعن وملعون, خاطئ ومصيب, ترغيب وترهيب.

اسمعي يا حبيبة.. أهلك ذات يوم وخلف نفس الشباك الذي تقفين عليه تمتعوا فورطوك في الحياة.. هاهما الآن يشذبان تورطك.

أفهمك الآن, أفهمك أكثر مني, أمنحك شقيقة نعمان واحدة كي تضعيها بين نهديك, لحظة يا حبيبة! أظن أن نهديك جميلان تليق بهما شقيقة نعمان واحدة, هما مدوران مثل حبتي دمع.. شامخان.. النهد الشامخ ينبئ عن امرأة ذات شخصية متزنة وواضحة, عن امرأة كلما قطفتك أينعت وكلما قطفتها أينعتك.

ولكن ما الذي تضعينه حول رقبتك؟ لا, لا يهمني السلسال بقدر ما يهمني ما يحمل, اثبتي قليلاً, لو أن المسافة قريبة لتوّضحت المعالم لكنني أستطيع أن أخمن أيضاً … أنت تضعين قرآناً مذهباً.. والله أحبكِ يا حبيبة … لحظة.. لا.. ليس قرآناً. أنت تضعين صليباً, نعم, يبدو أني أراه جيداً.. يا حبيبة.. والله أحبك.

المشكلة أن أشعة الشمس تزوّغ النظر لهذا فأنا لا أحدد جيداً. لا.. يا حبيبة.. هذا ليس صليباً.. لو ترفعي يدك قليلاً وتحركي السلسال, كأنني أرى.. هو سيف إذن.. والله أحبك يا حبيبة. ولكن السيف لا يكون ملوناً.. كأنّ ثمة ألوان, هل هي إشارة الخمسة حدود..؟!

أحبك يا حبيبة بكل ما تضعين لأن دمعك واحداً.

يا حبيبة كل شيء يضعه الناس حول رقابهم يشير إلى السمو -إلا النجمة السداسية- القرآن من الله, والصليب علّق عليه ابن الله بالروح, والسيف حمله صاحبه لإعلاء اسم الله, والإشارة هي صفات الله الأزلية.

أشطح وأقول لماذا لا نضع اسم الله, أنا لا أخشى شيئاً ولكن لا أثق بالدروب كثيراً. أنا أفرح بكل قبلة أو وردة توصلني وإياك إلى الله, ولكن رياح الشرق ليست دائماً معتدلة؛ هناك أنواء.. دموع.. أكثر من دماء!

أخشى أن يصير ما نضع في رقابنا بديلاً عن الأسمى.. عن العالي..عن الواحد والوحدة.

ماذا.. هل أسلّيك جيداً؟ أكيد يا حبيبة أنا أسلّيك رغم أنك إلى الآن لم تُريني أصابعك. حسن سأحكي لك عن أصابعي.. لكن أوقفي هذا البكاء ؛ أكثر من ساعة مرت ودموعك تتساقط..! هذا يكفي.. أفهم أن شباكك يغدر الشمس.. أن حارتك مسدودة و أنهم يحملقون و أنك تضعين سلسالاً يوصلنا إلى الله, أفهم أن نهديك جميلان, شامخان وأنك رددت شعرك إلى الخلف, كل هذا و لم تقف دموعك..! هذا شيء يفوق احتمالي ويفوق احتمال أصابعي, انزلي الآن, انظري, أصابعي متصالحة مع بعضها بعضاً.. تنتظرك.. كي تمر على بكائك.. كي تحمري خجلا".. وتقولي : لماذا لم أرك قبل وقت؟ سأجيبك : توقعتكِ. ستشعلين الورد وتقولين: لماذا لا توجد ورود سوداء..؟ سأضم رأسك إلى كتفي وبأصابعي التي ترينها سأ ُمسِّدُ رأسك.. و أفرِّقُ شعرك شعرة, شعرة, سأشمكِ حتى لا أنساك.

ها أنا أراك عائدة! ستقفين ثانية على الشباك و تمسحين عينيك بفيروز.. "بكرا أنت وطالل بركض بلاقيك وسطوح المنازل كلاّ شبابيك و أنتَ دلْ … بكل شارع ضو و حكاية … بكرة و أنتَ جاية" تروحين معها.. بلا دموع.. وأمُدُّ لكِ فرحاً كي ينشّف هذا البكاء, وإن نمتُ واضعاً رأسي في حضنك لا توقظيني, فليس لأصابعي ذاكرة كي أنسى حدودك, فقط أوقفي هذا البكاء وارفعي يديك.

أرجوك يا حبيبة لا تكوني صعبة مثل سهولتي ؛

أنتِ تسمعيني!

أراك أخيراً ترفعين يدك, يدك اليمنى بالتحديد, حتماً ستمر على عينيك ثم تردي بها شعرك إلى الخلف, ولكن, ما الذي يلمع في يدك.. لا.. لا أعتقد أنها سكين! دعيني أقترب أكثر, أنتِ تحملين سكيناً!! لا!! لن تقتلي نفسك, أليس كذلك..؟ كل هذه المدة و أنت تخفيها عني! بادليني إذن يا حبيبة.. أعطيك وردة وتعطيني سكيناً, ولكن لا أظنك من النوع الذي يقتل نفسه..

يا حبيبة لحظة! ما بعد الموت لا يغري كثيراً كي نستعجل الوصول إليه؛ هناك لا شمس.. لا حب.. فقط قرقعة عظام, وستحلمين ساعتها بشباك كالذي تقفين عليه.

أرجوكِ, لكل عالم ناسه.. دعي أبناء الظلمة هناك.. ارمي السكين فوراً وبادليني بسرعة, وردة بسكين.. ماذا..؟ كأنكِ لا تسمعيني, حاذري, السكين تقترب من عنقك, سأصرخ! لا! سوف أدير وجهي حتى لا أراك!

ها أنا أدير رأسي وليس وجهي, أحاول أن أختم قصتي بما يليق بحبيبة وشباكها, لكن صوت أمها ارتفع فجأة:

_ راما.. ألم تنتهي من تقشير البصل بعد؟!!

قصة من مجموعة \ لا\ الصادرة عن مركز الانماء الحضاري 2007 \حلب .

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: زائر في 2008-06-20 14:50:58

سوريا واحدة في تنوعها 
شكرا لك
الاسم