إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow كـل الأفلام الفلسطينية هي ثمرة أعجوبة
كـل الأفلام الفلسطينية هي ثمرة أعجوبة Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
12 حزيران 2008 الساعة 14:00
هوفيك حبشيان  - النهار

في الدورة التي مضت من "مهرجان كانّ" السينمائي، كانت آن - ماري جاسر، المخرجة العربية الوحيدة لها شيء لتقوله. وهي قالته من دون حرج من على أهم منصة سينمائية. يمكث فيلمها الروائي الطويل الاول، "ملح هذا البحر"، في منتصف الطريق بين العمل التنفيذي الذي يلبي رغبات المنتج والمخرج والمهرجان المستضيف معاً، وبين الفيلم السياسي الذي يتسم بالعيب الوجداني، ولا يقول الاشياء الا بعد أن يبلع نصفها وينتظر أن يهضمها.
 في سعيه الدائم والمضني الى تسديد فواتير من انواع مختلفة (المعلومات المعطاة للجمهور الغربي، دائماً وأبداً)، وبشتى الطرق الكلامية والعاطفية، تغرق باكورة جاسر في بساطة الرؤية وسذاجة الموقف وفي همّ كبير يتجلى في تفسير ما حصل ويحصل منذ 60 عاماً في فلسطين والاراضي المحتلة. طبعاً، هذا ما يسلب الشريط احتمال أن يكون مبتكراً، غاضباً ومتمرداً. بدلاً من ذلك يجعله خطابياً وبسيطاً، لأن ثمة التزاماً بقضية، يقيّد العمل في كل لحظة، ويمنعه من التحليق عالياً في سماء السينما الكبيرة. 
لا يستطيع الفيلم التخلص من خطيئة أنه ولد في مكان نراه يومياً في نشرات الاخبار. هو لا يفلت من هذا المصير. والسينما الفلسطينية في كل حال، نادراً ما استطاعت ان تأتي بما هو مغاير لخطاب الشاشة الصغيرة، باستثناء أمثال ايليا سليمان. لكن جاسر تحارب على جبهة أخرى، غير تلك التي حارب عليها سليمان، وتستحق الدعم المعنوي الكامل لأنها صادقة تماماً مع نفسها وغيرها أيضاً، على رغم أنوف بعض الحوارات الرعناء والكلام المباشر حول النكبة وما ضاع من أيدي الفلسطينيين من أرض وأحلام. 
شكلياً، يحبك السيناريو قصة تسهل متابعتها، وهي قصة فتاة فلسطينية من بروكلين (سهير حماد) تعود الى أرض جدّها، لتكتشف أن الذي في البال لا يتطابق مع الواقع المعيش. هنا، نصّ الحوار الذي أجرته "النهار" مع جاسر في الدورة الحادية والستين من "مهرجان كانّ".

 أخبريني عنكِ. أنجزتِ أفلاماً قصيرة من قبل، وهذا أول فيلم طويل لك.
- صوّرت أفلاماً وثائقية أيضاً. أعمل على هذا المشروع منذ خمس سنوات. كان من الصعب جداً إيجاد تمويل له. 
 كيف تعلمتِ السينما؟ هل درستِ في معهد...؟
- أنا فلسطينية ولكني عشت معظم حياتي في السعودية. ثم انتقلت الى الولايات المتحدة وعملت في السينما وأخرجتُ مسرحيات كذلك. كنت أنظم الشعر مستوحية من الشعراء العرب، وأؤلف القصص. ثم شعرت بالحاجة الى كتابة سيناريو. لم أكن أنوي الإخراج آنذاك. لكن، في العمل المسرحي أحببت العلاقات بين المخرج والممثلين. ورحت اميل الى النص السينمائي بدءاً، ثم الى تجسيده بالشخصيات. لكن الشعر والغنائية ظلاّ طاغيين على عملي.
  عشتِ في السعودية، حيث لا وجود للسينما، لا انتاجاً ولا عرضاً!
- لم تكن لي أي خلفية سينمائية عندما كنت أعيش في السعودية. وعندما ذهبت الى أميركا انشغلت بمشاهدة الأفلام. كنت في السابعة عشرة آنذاك. كانت هناك أشرطة في المنزل لبضعة أفلام ليس الاّ...
  كيف كانت أميركا بالنسبة اليك: مدرسةً، ملاذاً، اكتشافاً...؟
- عملت في أماكن التصوير كثيراً، "على الارض" كما يقال. في هوليوود. بللت يدي حتى في مسائل التبريج. تجربتي في أميركا...؟ (بعد تفكير). قال لي ذات يوم شخص كنت اعمل معه: "اذا اردت دخول هذه المهنة فيجب ألا يعلم أحد أنك فلسطينية".
 هناك القليل من المبالغة في هذا الموضوع. أنت تعرفين ذلك.
- الأميركيون يحبون طعامنا وموسيقانا... ولكن ليس علينا أن نتكلم في السياسة بل جلّ ما يمكننا ان نفعل أن نكون موجودين. يجب أن نكون موجودين فحسب. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف أحداً في هوليوود. كنت أجد أن ما اتعلمه ليس كافياً البتة. لذلك قررت الانتساب الى جامعة كولومبيا.
 هل اكتشفت عالماً آخر هناك؟
- لم يكن من الضروري أن أذهب الى مدرسة للسينما لأكتشف. لكن في الوقت نفسه، توافرت لديّ في المعهد فرصة أن أنسج صداقات وأعمل معها. نيويورك في هذا، أفضل من هوليوود بكثير: هناك جمعية الأفلام المستقلة، والكل يساعد الكل. هذه من إيجابيات أن تكون في معهد!
 من أين جاءك "ملح هذا البحر"؟
- عملت ولا ازال أعمل كثيراً مع اللاجئين في لبنان وفلسطين وأميركا. كنت منذ البداية مسكونة بهذا السؤال: "بعد ثلاثة او أربعة أجيال على نكبة فلسطين، الا يزال حق العودة موجوداً؟". ثريا ليست أنا. أنا نصفي ثريا، ونصفي الآخر عماد (بطلا الفيلم). هي تأتي الى فلسطين للمرة الأولى بعدما حلمت بها لسنوات خلت، أما أنا فأعرفها واعرف أن الذين في الخارج يحلمون بفلسطين ولكنهم لم يروها. هي تريد أن تأتي الى فلسطين، أما هو فيريد مغادرتها. أعرف أيضاً أن الذين يعيشون في ظل الاحتلال العسكري يريدون الخروج من ذلك. بطلاي مهمّشان. هما نوع من لاجئين، سواء في الداخل او الخارج...
 ركزت كثيراً على موضوع الذل الذي تتعرض له الشخصيات في الفيلم.
- أنا فلسطينية من الحدود، وكنت آتي من الأردن الى فلسطين. لم يكن والداي يتحدثان كثيراً عن فلسطين معنا أو عن السياسة. ولكن رأينا، ونحن أولاد، الجيش على الحدود مع الأردن، وعبرنا تلك الحدود، وكنا شهوداً على ما تعرّض له اهالينا من عسف. كنت أرى جيداً وجه أمي المذلولة، وأتذكره عميقاً، وكان ذلك يؤثر فيّ الى درجة بعيدة. فكانت المرة الأولى أرى فيها أمي تبكي.
 دخولك الاراضي المحتلة وتصويرك فيها صار "اسطورياً"، كيف فعلتِ ذلك؟
- أولاً، كل فيلم فلسطيني صُوّر أو يُصوّر هو أعجوبة. لديَّ جنسية أميركية وأردنية. لكن، بعدما اكتشفت السلطات الاسرائيلية أمر التصوير، لم يعد في امكاني العودة الى هناك. لديّ شقة في رام الله ولكن منعتُ من العودة اليها. أمكث منتظرة في الأردن الآن ولا يمكنني أن أعود. كان عليَّ أن أصور مشاهد في فلسطين ولكنهم منعوني من الدخول. هناك مشهد في الفيلم، عندما تقبض الشرطة على عماد، أضطررنا الى تصويره في مرسيليا. قبل أسبوع [أجريت المقابلة في 20 أيار الماضي] كان من المفترض أن يكون للفيلم عرض تمهيدي في رام الله. ولكن أُلغي ذلك كله. "مهرجان كانّ" هو برستيج وفخر ووسام على صدر الفيلم، ولكن اللحظة المنتظرة بالنسبة اليَّ كانت ان أعرضه في فلسطين تحيّةً للناس الذي عملوا فيه (...). كل طاقم الفيلم من الفلسطينيين وحسب. ليس هناك اسرائيلي واحد في الفريق. كان ذلك أشبه بتحدٍّ. كنا نريد أن نصوّر في الداخل. كمنت الصعوبات في أن كلّ الأمور كانت ممنوعة. رُفضنا في خمسين في المئة من الأماكن التي ذهبنا اليها. حاولنا أن نحصل على تصريحات للتصوير ولم نلق تجاوباً. أما الممثلون، فهذه مشكلة أخرى: لصالح بكري مثلاً جنسية اسرائيلية وممنوع أن ينوجد في رام الله. وكان ينبغي له التسلل للدخول، وعندما كان الجيش الاسرائيلي يقوم بـ"كبسة" على البلاتو، كان عليه أن يختبئ. في المقابل، كان هناك مواطنون فلسطينيون لا يمكنهم أن يكونوا هناك، وثمة من هم في رام الله ولكن لا يمكنهم الخروج، الخ. فأمام هذه الفوضى كان لا بد ان نصوّر، سواء بتصريح ام بدونه. (...) في فلسطين بلدان. عائلتي من الضفة، وتجربتي كلها آتية من هذه المنطقة. ولم أكتشف فلسطين التاريخية الاّ اخيراً، التي تعتبر اليوم أراضي محتلة.
 في الفيلم قصة سرقة المصرف الثانوية، المتداخلة مع الحبكة العامة. عززت فكرة الحبكة في حين أن معظم الأفلام الفلسطينية هي أفلام شعارات وتأييد واحزاب. فضلت التركيز على قصة شخصين، ومن خلالها التكلم عن الموضوع الأكبر: فلسطين.
- ثريا كانت تركّز على أمور صغيرة وهي الحساب المصرفي. لكن المشكلة ليست هنا بل في أمور أكبر قد لا تكون اطلعت عليها، ولم تتداركها. هي ساذجة قليلاً تجاه فلسطين ولا تعرفها. يتبدى هذا جلياً عندما تذهب الى يافا وتدعوها الفنانة التشكيلية الاسرائيلية ايريت المقيمة في منزل جدها الى الداخل، وهم على البحر. ايريت تتصرف معهم بلياقة، لكن المشكلة ليست هنا. كثر يُخرجون المشكلة عن اطارها من خلال الاعتبار انها كامنة بين الفلسطينيين والاسرائيليين الذين يتبادلون الكراهية. هذا، بالعكس، يضلل المشكلة ويخفيها. (...). كل شيء مثالي ظاهرياً، لكن هناك ما ينقص ثريا. أخذوا المال من المصرف لكن في المقابل سرقوا ما هو أكبر.
 المال في المصرف أشبه باستعارة. فهذا مالهم ولكن عليهم أن يسرقوه ليصبح لهم. على غرار فلسطين.
- نعم. هم ليسوا مجرمين. المال حقهم. ولكن كل ما نفعله نحن الفلسطينيين نُعتبر فيه غير محقّين. "مجرمون" اذا صح التعبير. فكل شيء ممنوع عليهم، وعندما تتاح لهم فرصة اختراق شيء ما، يختار هؤلاء الجناية. لذا كان إنجاز هذا الفيلم بطريقة غير شرعية، لأن كل شيء ممنوع علينا. شعرنا أن كل شيء ضدنا. هذا الفيلم ليس فكرياً، بل هو نابع من القلب.
 مشهد دخول ثريا الى المطار كان قوياً من حيث القدرة على الاغواء. ثم انتقلت الى إيقاع أسرع.
- هناك أشياء من محمود درويش في "ملح هذا البحر"، بدءاً من العنوان. وهو تحدث عن انتظار الفلسطينيين في المطارات. من خلال هذا المشهد الذي يدوم عشر دقائق، أردت القول إننا نبقى في المطار أكثر من اللازم. وأنا، مثل سائر الفلسطينيين، ادركت أني فلسطينية عندما كان عليَّ عبور الحدود.
 الجزء الأكبر من الفيلم تدور حوادثه في اسرائيل. هل المكان هذا كان أجمل للتصوير؟
- رام الله سجن من جدار وهواجس. عندما أكون في رام الله يقع عليّ ضغط مستمر. وعندما أغادرها وأذهب الى أراضي الـ48، تعود اليّ الحياة، وأعود لأتنفس من جديد. في اللحظة التي تغادر فيها رام الله، يتفتح العالم في وجهك من جديد. هذا هو الاحساس الذي أردت أن يغلّف الفيلم. ولكن سكان اسرائيل ليسوا أحراراً أيضاً. ففي ذلك المكان سجن من نوع آخر: سجن نفسي. لا يسعهم أن يكونوا فلسطينيين ولكنهم يرون فلسطين في كل شيء. في كل منزل وفي كل صخرة أرى كل التفاصيل، وأشعر أني أعيش في بُعد آخر. اليهود لا يروننا، لكن علينا أن نكون خفيين لنعيش. أحكي في هذا الفيلم قصة صمت. كل قصص حياتنا صامتة. (...) ولكن من دون هذا الاعتراف، من المتعذر التقدم. ليس من سلام من دون الاعتراف بما حصل. 
  ثريا تقول لأيريت: "اعترفي أنك سرقت هذا المنزل ولا أريد شيئاً منك"...
- وتقول لها أيريت "لننس الماضي". لكن ماضي أيريت هو حاضر ثريا. ماضي ايريت خبز ثريا اليومي من الشقاء والذل. كيف تنساه؟ كيف ننساه؟  
 ماذا عن الممثلين. كيف تمّ اختيارهم؟
- أفضّل العمل مع غير المحترفين. منهم من فلسطين أدّوا أدواراً صغيرة في مسرحيات. سهير حماد (ثريا) أعرفها منذ زمن بعيد، ولكنها ليست ممثلة بل شاعرة، وكانت صورة طبق الاصل لثريا. فهي مولودة في مخيّم في الأردن. نشأت وترعرعت في بروكلين وسط بيئة من المهاجرين، لكنها حافظت على انتمائها. أما صالح بكري [ابن الممثل الفلسطيني محمد بكري]، فلم أكن أراه في البداية لدور عماد. ذلك انه يحمل الجنسية الاسرائيلية. ثم اكتشفت أن في ذاكرته أحاسيس ملتبسة على وشك الانفجار. جعلته يعيش على مدار شهر في مخيّم قبل التصوير، وعملنا على الشخصية على نحو مكثّف.
 للبحر في نهاية الفيلم أهمية بالغة. انه الخسارة الكبرى.
- لدينا علاقة معقّدة بالبحر. نحبه ولكنه بعيد المنال. الذهاب اليه بات من المستحيل. يمكننا أن نراه فحسب من الضفة. أصبح الشاطئ حلم الفلسطينيين. صحبتي هنا في كانّ، فتاة فلسطينية من رام الله، تقول انه أسهل لها أن ترى بحر فرنسا من بحر فلسطين. أسهل أن تأتي الى نيس من أن تذهب الى القدس التي تبعد عشر دقائق من مكان اقامتها. آخر ما رآه اللاجئون هو البحر! نحن نحبه ونكرهه في الوقت نفسه.
 انهما كسائحين في بلدهما...
- نعم، عليهما أن يمثلا هذا الدور. ثريا تتكلم الانكليزية كأميركية، لذا يمكنها أن تخفي نفسها تحت ستار اللغة، ولكن عماد عليه ألا يتكلم...

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم