|
|
|
|
| مواقع سورية |
|---|
هل سرق أحدهم فكرتك؟
مختارات متنوعة
دور المراكز الفكرية في تكوين الهويات الوطنية | دور المراكز الفكرية في تكوين الهويات الوطنية |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | |||
| 23 حزيران 2008 الساعة 17:54 | |||
|
طارق خليل - السفير
العلمُ قدرُنا: في «وحوش جنة عدن» لكارل ساغان(1)، أعلن ي. برونوفسكي: «نحن حضارة علمية، حضارة تقوم فيها المعرفة بدور أساسي. فما العلم إلا الكلمة اللاتينية التي تعني المعرفة، بوصفها قدرنا». وانطلاقا من روح هذا النص، يمكننا التساؤل عن مدى تأثير المعرفة في تكوين هوية الانسان، كوحدة متكاملة، وكجزء من متحد متجسد في وطن او أمة، وأخيراً في عالم متكامل ومتواصل. بكلام آخر، هل نستطيع من خلال المعرفة ان نعيش بانسجام مع أنفسنا ومع الآخرين، وكيف توصلت أمم مختلفة الى التعايش بعد حروب، وعجزت أمم متماثلة او متقاربة عن مثل هذا التعايش حتى في القرن الحادي والعشرين هنا لا بد من مقاربة المسارات الاجتماعية ـ الفكرية، بحيث يسمح لنا التحليل السببي بأن نفهم لماذا تقوم هنا دولة قارة وفي جوارها ـ وربما بسبب جوارها ـ دولة غير قارة؟ ولماذا يقوم على احدى ضفتي المتوسط اتحاد متنام لدول اوروبية خاضت حروبا دينية وعالمية، ولا يقابله اتحاد بين الدول العربية على الرغم من انضوائها في «جامعة» منذ .1945 لا ريب ان رغبة الهيمنة او النفوذ تحرك الأفراد والجماعات، المؤسسات والدول، الا ان السبب التاريخي الذي جعل مثل هذه الرغبة تنجح في مكان وتفشل في أماكن أخرى، نجده دائما في محرك المعرفة والكشف العلمي. وكما يقول نوفاليس الشاعر: «من لا يطرح شباكه لن يحظى بصيد». وهكذا مَن لا يسأل ويبحث لن يحظى بجواب ولن ينتج معلومات جديدة. ان وظيفة الفكر، لا سيما الفكر العلمي، هي التحليل والنقد التجريبيان. وبتحوير لمقولة ديكارت. نستطيع القول: نحن نفكر اذن نحن ننتقد ونبتكر، نحن نغير الواقع بمعرفته، على قدر ما ننتج العلم بعلم. وعليه فإن التجربتين الاوروبية والعربية في هذا المجال تستحقان منا اهتماما خاصا. ومثاله ان اوروبا استطاعت في مرحلتي الحداثة وما بعدها (اعتبارا من سنوات 1970) ان تتوحد نسبياً، أقله برفضها التقاتل فيما بينها، وان اسبانيا في المقابل باتت متقاربة ومنسجمة مع باقي دول أوروبا اكثر من تناغمها مع دول أميركا اللاتينية ذات الارومة الاسبانية تاريخيا. خلف هذه الشبكة السياسية والاقتصادية لمصالح الأمم والدول، يجدر بنا البحث عن المحرك المعرفي، العلمي والتقني، الذي جعل مجتمعات تجدد ثقافاتها، وجعل دولاً تصون حضاراتها، فيما عجزت عن ذلك مجتمعات ودول أخرى. احتكام المجتمعات الى المؤسسات العلمية: نلاحظ أن المؤسسات العلمية (بدءاً من كلية العلوم مقابل علم الكنيسة) نشأت في أوروبا واتسعت مع نشوء الثورة الفرنسية (1789)، وأدت مع مرور الزمن الابداعي، وبأشكال عدة، الى جعل مجتمعاتها تحتكم أكثر فأكثر الى معاهد علمية في السياسة والفلسفة والحقوق والادارة وفي البحث العلمي... وان هذه المؤسسات العلمية ذاتها احتكمت، بدورها، الى المنهج التحليلي، السببي والنسبي معاً، المنبثق من منطق أرسطو وديكارت وابن رشد وسواهم. ذلك المنطق الذي يقوم على سبل تحديد المشكلة وكيفية حلها، بدلاً من الاكتفاء بتخليها وافتراض حلول وهمية لها، اعتقادية، التباسية وأحياناً «مقدسة». بعد الحرب العالمية الثانية، جرى إنشاء اتحاد أوروبي قائم على تنوع ثقافات الشعوب الأوروبية التي توصلت الى التعارف، أي تقبل بعضها البعض من خلال ترابطها التبادلي فكرياً واقتصادياً الذي يقوم، الى حد كبير، على ركيزة الاحترام العميق للانسان. وفي المقابل، تم انشاء «جامعة» للدول العربية، «تجاهل تنوع ثقافات الشعوب العربية، مع ان القرآن الكريم يدعو الى التعارف، فقام التناكر والتجاهل، وحتى التباخس، مقام الترابط، وبات الآن جلياً مسار التفكك الذي يحكم علاقات المجتمعات العربية ببعضها، والذي ينعكس في سلوك دولها التي فقدت قرارها السياسي الحر بقدر ما بخسّت حق الانسان في المعرفة والنقد والتفكير العلمي الحر من هذه الزاوية، يمكننا ان نتفهم معنى ارتباط اسبانيا بأوروبا التي عاشت تطورا وتقاربا مضطردين على صعيد مؤسساتها الأكاديمية، مما أدى إلى تكوين رؤية تساوقية، تقاربية، لمستقبل شعوب هذه القارة، بينما لم يعشها سكان أميركا اللاتينية الذين كانوا تاريخياً جزءاً من الشعب الاسباني. وبالمثل، جاءت اوروبا، الكولونيالية، الى العالم العربي وخرجت منه بالتحرير، ولكنها لم تنقل اليه بعضاً من مشروعها العلمي الا على صعيد بعض الجامعات والمدارس التي وقفت عند أسوار التعليم التكراري، ولم تنفتح على آفاق البحث العلمي الذي يجدد بطبيعته فكر الأمم وثقافاتها. من الواضح الآن ان المعاهد والجامعات شكلت ولا تزال تشكل الحصن المنيع لتحديد الهوية والرؤية المستقبلية لأي شعب، أكان جزءاً من أمة في دولة ام كان أوطانا مختلفة لا تنطق بالضرورة بلسان واحد ولا تكون ذات هوية دينية او عرقية غالبة، ولكن يمكنها مع ذلك ان تتوجه نحو رؤية مستقبلية موحدة، حتى وإن كانت تنتمي الى مدارس فكرية مختلفة، كما هي، مثلاً، حال كوريا التي قُسّمت بعد الحرب العالمية الثانية الى شمالية وجنوبية، ديموقراطية شيوعية وديموقراطية رأسمالية، شرقية وغربية الخ، والتي استطاعت، مع ذلك، ان تحرز تقدماً وتطوراً كبيرين ضمن مفهومين سياسيين متعارضين. المؤسسة الأكاديمية والعالم العربي: ما هي حال العديد من دول العالم الثالث، خصوصاً دول العالم العربي التي لا تنتمي حتى الآن لأية مدرسة فكرية علمية، عالمية؟ انها تدعو الى التأمل والتمني. ذاك ان مفهوم المؤسسة الأكاديمية القائمة على البحث العلمي الصارم وعلى التحليل المنهجي لإشكاليات المجتمعات، لم يحتل بعد مكانته، حتى اليوم، كما هي الحال في معظم بلدان العالم العربي، ولا سيما في لبنان منذ نشأة دولته سنة .1920 وان المعاهد والمؤسسات الفكرية ـ ولو في طور المنتديات والجمعيات الثقافية ـ هي التي تسمح بتكوين نخب فكرية يمكنها القيام بدور محوري في تطوير مجتمعاتها وتجديد دولها، اذا كان النظام السياسي وأقله وعي الجمهور يسمحان بجعل الاكاديمية تحتل مكانتها في تقرير موقع الشعب وتعيين مستقبله بين مختلف الشعوب والدول الأخرى. في منتصف القرن الثاني عشر، تعرضت الامبراطورية العباسية لاجتياح مغولي، لكن هزيمتها العسكرية المرتبطة بعوامل عدة، انعكست لاحقاً في انتصار فكري هام، تجلى آنذاك في اعتناق المغول للديانة الإسلامية إثر تأثرهم وانبهارهم بعمق الحضارة العربية ـ الاسلامية، الحضارة الناتجة عن الموقع المتقدم المعطى للعلوم على اختلاف تفرعاتها، وعن بروز عدد كبير من العلماء (ابن رشد، ابن خلدون، ابن ميمون، ابن سينا، الخوارزمي الخ..)(2)، ضمت تلك الحضارة التي ضمت شعوباً من أعراق وديانات شتى. وعندنا ان اقتناع العديد من الأنظمة السياسية العربية بضرورة تطوير ودعم الجامعات ـ حتى لو كانت نسبة التطور الديموقراطي فيها تتباين من نظام الى آخر ـ سيكون مؤشراً هاماً لمدى إدراكها، لأن المؤسسات الفكرية كحام أساسي لهوية شعوبها. مثاله ان الاتحاد السوفياتي السابق، ذا النظام الحزبي الواحد، حين انهار نظامه السياسي هذا وتغيرت خارطته الجيوبوليتيكة (بظهور دول مختلفة، أبرزها روسيا)، تواصلت فيه الجامعات ومراكز الأبحاث، رغم تأثرها بالنتائج الاقتصادية لتغير النظام السياسي وظلت تلعب دورا رياديا في مجالات علمية عالمية شتى، لا سيما في المجال الفضائي، مجسدة بذلك مكان شعوبها ورياداتها. بالمقارنة، نلاحظ ان أهم مؤشرين لوحدة بلدان العالم العربي هما إنشاء الجامعات والتبادل الاقتصادي لكنهما بكل أسف مفقودان، ان لم نقل إنهما معدومان، وأنهما يتطوران ببطء شديد على مسرح التطور التقني الذي تحتله أمم عالمة، هي وراء ظاهرة «الدولة العالمة» (Etat- sarant). العلم والهوية الكبرى: ختاماً نقول: لا يخفى ان هوية البشر بدأت تتعين، منذ خمسة قرون، بالعلم. وعليه فإن المجتمعات التي تأخرت عن انتاج وتجديد هويتها بعلم، وتالياً بعلمية او علمانية (كلية العلوم مقابل كلية اللاهوت: را.ف. معتوق، مرتكزات الهيمنة الغربية، بيروت، دار الحداثة، 2008)، لا تجد أمامها سوى هويات سابقة، باتت ثانوية جدا، كالهوية الدينية (المذهبية او الطائفية) وما يتفرع عنها من تماهيات سياسية قاصرة، ولا ترقى بمجتمعاتها الى ما يسمى الهوية الكبرى (Méga identité)، هذا المزيج من الهوية الأولية (المجتمع) والهوية الثانوية (الدولة) الذي لا يُنتجه سوى الوسيط الفكري. هذا الوسيط، كما أشرنا، يتجلى في المعاهد والجامعات العلمية التي باتت عاملاً محدداً وأساسياً لهوية الشعوب، وتالياً، لا مناص من العمل، ليس فقط على زيادة أعدادها وتوسيع مجالات الاختصاص فيها، بل ايضا وبنحو خاص العمل على نقلها من مراكز تدريسية الى مراكز بحث وتحليل في مختلف المجالات، مما سيسمح بتبادل فكري فعال فيما بين الدول العربية من جهة، وبين الدول الأكثر تقدماً علمياً من جهة أخرى. من هذه الزاوية، نستنتج ان تفكيك العالم العربي الفعلي قد تم، ويجري استكماله ليس فقط بتقسيمه الى دول متغالبة عدة، وأحياناً متحاربة، بل ايضاً خصوصاً بعدم قدرة انظمة دوله على تفعيل رؤية مستقبلية موحدة لهويات شعوب هذه المنطقة ـ المعروفة بالمدار الحضاري العربي/الإسلامي (حسب تصنيف رولان برتون، جغرافيا الحضارات بيروت، دار عويدات، 2000 ـ)، وذلك لعدم استنادها الى خطاب واقعي، عقلاني وعلمي، أكثر مما هو ايديولوجي، خطاب معرفي ينسجم مع الحاجات المشتركة لشعوب هذا العالم العربي. صفوة القول إن التطور التكنولوجي من خلال العلوم الدقيقة، كالفيزياء والكيمياء والرياضيات وسواها... يلعب بلا ريب دوراً حاسماً، في الألفية الثالثة، لتحقيق الكثير من متطلبات المجتمعات الفكرية والاستهلاكية. ولئن أردنا أقله، تدريس هذه العلوم، فمن الواجب التساؤل: ما هو عدد العلماء في العالم العربي الذين يستطيعون مواكبة تطورها، على الأقل، من حيث وضع صيغة مع اللغويين لترجمة التعريفات العلمية المناسبة لاحياء اللغة العربية علمياً وإغنائها والتمكن من التعليم بها (كما هو حال العبرية، مثلاً، في معاهد إسرائيل وجامعاتها) وإبرازها كجزء من هويتنا، على غرار باقي الأمم المتقدمة؟ ان موازنة المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) في فرنسا تعادل تقريبا موازنة جامعة ماساشوسيش التكنولوجية (MIT) في الولايات المتحدة الأميركية، ولكنه، مع ذلك، يعمل دائماً على مواكبة كل التطورات العلمية، لأنه بالمتابعة يستطيع ان يشارك في التطوير لاحقاً، وفوق ذلك يستطيع الحفاظ على مكانه ضمن التطور المتسارع لجزء من البشرية، الذي لن يسمح لأحد بأن يشاركه، وبسهولة، في مردود هذا التطور. أخيراً، نرى ان علينا في العالم العربي الخروج فعليا من سياسات قائمة على رؤى قصيرة المدى، والإسراع في بناء وتطوير المعاهد ومراكز البحوث العلمية كمؤسسات مستقلة عن أي سجال سياسي، لأن أي استراتيجية علمية ترمي، أقله، إلى ضمان هوية أي شعب، لا يجوز أن تكون رهينة المتغيرات السياسية. وتالياً لا مفر من حماية المؤسسات الفكرية وتطويرها بمعزل عن الايديولوجيات التي تصنف الاولويات، والتي يمكن ان تتغير بحكم تبدل رؤية الانسان لأولويات أسس توازنه. ان الإرث الفكري يبقى هو الضامن الكافل لبقاء الأمة حية ولنهضتها بذاتها، ومثاله أن هزيمة نابوليون العسكرية ـ نابوليون الذي وضع نظام البكالوريا أي وحدة امتحان الجميع ـ لم تؤد إلى زوال الحضارة الفرنسية. وان اقتناع أي نظام سياسي بالحفاظ على الجامعة وبتطويرها، لما تمثله من قيمة عليا تأسيسية كمركز للحوارات الفكرية وللتعليم والبحث العلمي، يعني أنه نظام متنور وأنه قد أيقن أخيراً ان المؤسسات الفكرية، وعلى رأسها الجامعة، هي المحرك الأساسي لصون الهويات الوطنية وتطوير المجتمعات وتمكين الشعوب ودولها من البقاء على الخرائط وتالياً هي الحامي الكبير لثقافتها وهويتها. ([) فيزيائي ـ استاذ جامعي (1) ترجمة حسن قبيسي، بيروت، معهد الانماء العربي، .1989 (2) Cf, Ahmed Djebbar, une Histoire de la science Arabe, Paris, Ed. Point. 2006
|
|||
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|