|
|
في سورية
مجتمع و ثقافة في سورية
بحسيتا ..حكاية بيوت المتعة في حلب | بحسيتا ..حكاية بيوت المتعة في حلب |
|
|
| هلوسات - مجتمع و ثقافة في سورية | |||||||||||
| بقلم: المحامي علاء السيد | |||||||||||
| 27 حزيران 2008 الساعة 17:54 | |||||||||||
ما ذُكرت بحسيتا أمام حلبي ، إلا و ابتسم .أثار هذا الأمر فضولي . و بما أن جيلنا لم يعرفها ، و الجيل السابق الذي أدركها يتجنب الحديث عنها ، و كلما سألت كبار السن عنها ينفون - في البداية و بشدة - معرفتهم المباشرة بها ، ثم - تدريجيا - يتبسطون و يسترسلون في الحديث عنها ، و يشيرون بحذر أنهم ربما زاروها مرة او مرتين للإطلاع على ما فيها فقط ، ثم و بصوت منخفض - مع تحذيري من نقل ما يحكونه على لسانهم - يروون مغامراتهم فيها . و بما أنها تعد جزءا من تاريخ بلدنا ، و التاريخ تاريخ ،سواء كان سلبيا او ايجابيا ، و لم أجد في أي مرجع دراسة وافية لتاريخ هذا المكان ، الذي قل من امتنع عن زيارته في ذلك الزمان ، حسبما تبين لي ، و لأهمية المؤشرات الأخلاقية و الاجتماعية التي يكشفها تاريخه ، و التي أترك تقديرها للقراء ، قمت بجمع المعلومات عنه من شفاه من عاصروه ، و ها أنا أقدمها لكم في مقالتي هذه: في عام 1901 م قرر والي حلب العثماني رائف باشا افتتاح دار دعارة مرخصة في حلب ، أسوة بباقي مدن السلطنة العثمانية ،كما ذكر الطباخ في كتابه إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء ، و كان الهدف منها حصر و تنظيم عمل المومسات في هذا المجال منعا من تواجدهن في مختلف الأحياء و فرض رقابة صحية عليهن ، و انقسم الناس حينها بين مؤيد لفكرة حصر الدعارة في أماكن محدودة ، و معارض بشدة للترخيص الرسمي لها ..يقول الطباخ في كتابه الصادر في العشرينيات من القرن الماضي : (بعد ان كانت المومسات قلائل أصبح عددهن يناهز خمسمائة ، و أصبح زائرو هذه الأماكن مئات من الناس بل ألوفا ، و تهافت الشباب على هذه المواخير لسهولة الوصول إليها و فشا فيهم داء الزهري و التعقيبة) . لكن ترخيص الدعارة في أماكن محددة محصورة لم يمنع انتشار هذه الظاهرة بشكل سري، و المرأة التي كانت تمارس الدعارة بدون رخصة خارج البيوت الرسمية المخصصة لها، كانت تعاقب بالحبس ، فإذا ضبطت مرة ثانية او ثالثة تجبرها السلطات المختصة على الإقامة الإجبارية في دور الدعارة المرخصة. و تقرر على إقامة بيوت الدعارة المرخصة في حلب - التي أطلق عليها اسم المحل العمومي - في حي بحسيتا ،التابع لحارة القلة ، قرب ساعة باب الفرج الحالية . كان أغلب سكان حارة القلة و بحسيتا قبل افتتاح المحل العمومي من العائلات اليهودية ، و قد حدد مؤرخ حلب كامل الغزي في كتابه نهر الذهب عدد سكانها اليهود بحوالي أربعة ألاف شخص في العشرينيات ، و اشهرهم آل جدّاع , آل نحمات , آل ساسون , وآل دويك ، الذين انتقل الأغنياء منهم للإقامة في محلة الجميلية تجنبا للإقامة قرب بيوت الدعارة . أما معنى اسم بحسيتا فقد أورد الغزي عدة آراء حول معنى الاسم ، و رجّح أخيرا ان بحسيتا مركبة من كلمتين : أولاهما بيت و التي تختصر في السوريانية بحرفي ( با ) فقط مثل أسماء المناطق السوريانية الأخرى ( بانقوسا و تعني بيت الناقوس ، باريشا و تعني بيت الريس و غيرها ) والثانية حسيوتا ومعناها الغفران أو الطهارة ، و بذلك يكون معناها بيت الطهارة و المغفرة . ويقول الغزي : (الظاهر إنه كان فيها زمن الكلدانيين مكان مقدس ،يقصده الناس للاعتراف بخطاياهم ) أما خير الدين الاسدي صاحب موسوعة حلب المقارنة فقد رجح رأياً آخر أورده الغزي فيما أورده من آراء ، و هو الرأي الذي يقول أن الاسم محرف من باح سيتا ، وان شخص اسمه سيتا باح بسر ما ، و افترض الاسدي ان سيته هذا رجل صالح و لهذا السبب هناك جامع قديم جدا في المنطقة اسمه جامع سيته . و هناك رأي يقول ان سيتة هو اسم منطقة من اصل سورياني ، و ان جامع سيته المذكور كانت له باحة أمامه ، و بدمج باحة مع اسم سيته كانت بحسيتا . و أنا أرجح رأي الغزي على الآراء الأخرى فمن الواضح ان اسم سيته هو اسم قديم آرامي سرياني ، و لا يعقل ان يسبق بكلمة عربية هي كلمة باح ( بمعنى أفشى ) أو بكلمة باحة ( بمعنى ساحة ) . شارع بحسيتا هو شارع مستقيم بطول ثلاثمائة متر تقريبا ، على جانبيه كانت توجد الدكاكين و اغلبها بقاليات ، و منها دكان يبيع المشروبات الروحية ، و في منتصف الشارع جهة اليمين يوجد مدخل صغير يؤدي الى زقاق المحل العمومي . و سابقا كان في الزقاق الذي أقيم فيه المحل العمومي قبل ترخيصه ، مضافة للعموم ، و يطلق العامة على بيوت الضيافة اسم المنزول ، و هي من كلمة ( نزل ) الفصحى ، فيقال مثلا : (حللت أهلا و نزلت سهلا ) ، و عادة كان الأثرياء و الباشاوات و الآغوات ينشئون مكانا مخصصا لإقامة الأغراب و ضيافتهم مجانا ،هو المنزول ،و يسمى في الأرياف ( الاوضة ) . و بعدما تحول هذا الزقاق الى مكان للدعارة ، صار اسم المنزول لدى الحلبيين مرتبطا ببيوت الدعارة ، بينما يستخدم أبناء بقية المحافظات هذا الاسم للإشارة الى المضافات . كما يستعمل الحلبيون كلمة كارخانة للدلالة على بيوت الدعارة ، و هي كلمة تركية تعني ( مكان العمل ) ، فالكار هو العمل او المهنة و الخانة هي المكان . كان المحل العمومي الذي تم ترخيصه للدعارة ، مؤلف من مدخل ضيق يحمل رقم 142 في لوحة معلقة على جداره ، و لذلك اشتهر هذا الرقم كرمز للمنزول . و تنفذ من المدخل الى زقاق ضيق ، على طرفيه مجموعة من الدور العربية، لكل دار حوش و عدة غرف موزعة في أطرافه ، لبعضها غرف علوية ( مربع ) . و في نهاية الزقاق منفذ آخر له باب مغلق لا يفتح إلا في أحوال خاصة كاستقبال الجنود الفرنسيين و المليس ( و هي كلمة مشتقة من ميليشيا ) او لدخول الأطباء و موظفي الصحة . قرب المحل العمومي كانت توجد حمام عامة تحمل اسم حمام الهنا ، و قد خصصت أوقات محددة فيها لفتيات الكرخانة ، و قد هدمت الآن . و قرب المنزول مشفى خصصته الدولة لفحص الفتيات و لمعالجة الأمراض التناسلية . في الأربعاء من كل أسبوع ، تخرج الفتيات من الباب الخلفي للزقاق المخصص لهذا الأمر ، ليقمن بزيارة الطبابة الشرعية - التي كانت قريبة من المنزول - لإجراء الفحص الدوري ، و في حال تبين إصابة أي منهن بمرض ما ، تعزل و تحجر حتى تتماثل للشفاء في المستوصف القريب من المنزول . و توجد فيه غرف تشبه الزنزانات ، كما تحجر الفتيات فيه طوال فترتهن النسائية الشهرية ، لمنعهن من العمل خلالها . كانت الفتيات تلجأن لكيّ الرحم منعا من حصول الحمل ، و الى الإجهاض في حال تم حدوثه ، فقد كانت تربية الأطفال ممنوعة داخل المحل العمومي . في مدخل المحل العمومي غرفة صغيرة تتواجد فيها دائما مفرزة مؤلفة من عنصرين من رجال الشرطة ، لمنع دخول الأحداث و للتفتيش عن الاسلحة منعا من استعمالها من قبل أقرباء الفتيات اللذين يرغبون بقتلهن لغسل عارهم . للشرطي في المنزول أهمية عظمى ، فهو يمنع إدخال الأسلحة والسكاكين والمشروبات ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة . و يصدف أحيانا أن يعين شرطي متساهل ، فيتقاضى مبلغ بحدود الربع ليرة سورية - ارتفعت لاحقا الى ليرة واحدة - لغض النظر عن الشبان القاصرين الذين دون السن القانونية و الراغبين في دخول المنزول . أمام مدخل المنزول مباشرة يوجد مسرح ضخم لتقديم العروض الفنية ، مؤلف من ثلاث طوابق ، على واجهته الحجرية كتابة قديمة هي ( قهوة السلام ) ، و قد اشتهر آخر أيام عمل المنزول باسم ( مسرح غازي )، و كانت الفتيات اللواتي يملكن مواهب فنية يقدمن عروضا فيه، و يسمين حينها الخوجات و مفردها خوجة ، و لا يشترط بالخوجة ان تمتهن الدعارة . في المنزول تقيم عشرات الفتيات البالغات من مختلف الأعمار و الجنسيات، و كلهن غريبات من خارج المدينة ، فلا تضع السلطة فتاة من ذات المدينة في منزول المدينة ، لأنها تتعرض للقتل فورا من قبل أفراد عائلتها . السبب الأكبر الذي كان يدفع الفتيات للدعارة ، و من ثم الإقامة الجبرية في المحل العمومي بعد القبض عليهن ، هو الفقر و الظروف الاجتماعية و الأسرية السيئة ، و أغلب المومسات لسن جميلات . كانت المشروبات الروحية ممنوعة بشكل رسمي تجنبا للمشاكل التي يثيرها السكارى ، و لكن بعض الزجاجات كانت تتسرب للداخل ، كما تقدم المطاعم المحيطة بالمحل العمومي أنواع اللحوم المشوية الى داخل المحل . لا يجوز أبدا إخراج الفتيات من المحل العمومي الى منازل المدينة . و يحق للفتاة يوم إجازة أسبوعي هو يوم الاثنين فكانت الفتيات - في فترة بعد الظهر - ترتدين لباسا محتشما ، و يركبن الحنتور مع رجال مفضلين لديهن لحضور السينما . و في حال كبرن في السن ينقلن الى منزل قريب يسمى المنزول العتيق ، حيث يمضين ما تبقى من حياتهن في عوز و فاقة بالغين. كان أغلب رواد المحل العمومي من الشباب العازبين و المراهقين و من العساكر و الوافدين الغرباء عن المدينة. كان للعساكر يوم خاص هو الخميس مساءاً ، من الساعة السابعة حتى التاسعة مساءاً ، و تم تغييره لاحقاً الى يوم الجمعة ، و لهم تخفيض خاص في السعر يصل حتى النصف ، و يأتون برفقة عريف و يصطفون بالدور برتل عسكري ، قد يصل الدور الى العشرات ، و تستبدل يومها مفرزة الشرطة التي تحرس مدخل المنزول بعناصر من الشرطة العسكرية. في الأربعينات كانت هناك ثلاث تسعيرات متعارف عليها ، و هي ليرتين ، و ثلاث ليرات ، و خمس ليرات ، تبعا لعمر الفتاة و مستوى جمالها ، و قد زادت هذه التسعيرة لتصل الى إحدى عشر ليرة في أواخر أيام المحل العمومي . يمضي الشاب مع الفتاة فترة قصيرة لقاء هذا المبلغ لا تزيد عن ربع ساعة ، في حال رغب بتمديدها لمدة ساعة كان عليه ان يطلب فنجان قهوة و يدفع ثمنا له ليرة كاملة، أما إذا رغب بتمضية ليلة كاملة فيدفع تسعيرة مرتفعة و يسمى هذا الأمر الأنكاجيه ( و هي كلمة من اصل لاتيني يستعملها الفرنسيون و الإنكليز و تفيد التعليق و الانشغال ) . بعد وصول الكهرباء للمنطقة ، وضُع في أرض حوش كل دار آلة كهربائية تسمى ( بيك آب ) لإذاعة تسجيلات الاسطوانات ، فيضع الرجل ربع ليرة سورية فيها ، و ينتقي الاسطوانة التي تحمل الأغنية التي يفضلها ، لتدار آليا . ومن أشهر الفتيات اللواتي أقمن فيه في العشرينيات الفنانة ( بديعة ) اللبنانية الأصل ، و التي حملت لاحقا لقبٌ مشتق من حي المصابن القريب من بحسيتا ، هي الفنانة الشهيرة ( بديعة مصابني ) ، و كانت تقوم بالرقص و الغناء في المسرح المقابل للمحل العمومي، ثم رحلت الى لبنان ثم مصر حيث أقامت كازينو شهير جدا و هو كازينو بديعة مصابني ، و قد صدر فيلم مصري شهير بطولة نادية لطفي حول حياتها ، و في آخر حياتها عادت بديعة مصابني الى شتورة في لبنان ، حيث فتحت مخزنا صغيرا بالقرب من مزرعة عائدة لها ، تبيع فيه الألبان على الطريق العام باتجاه الحدود السورية . الجزء 2 استعرضنا في الجزء الأول من مقال ( بحسيتا .. حكاية بيوت المتعة في حلب..) ظروف إنشاء المحل العمومي في بحسيتا مع وصف ذلك المكان و شروط الدخول إليه .و نتابع في هذا الجزء حياة ذلك المجتمع الغريب و حكاياته : تدير بيت الدعارة في المحل العمومي القوادة التي تسمى بالعامية البترونة ( و هو مشتق من الكلمة الفرنسية باترون التي يطلقها الفرنسيون باحترام على السيد او السيدة التي تتولى إدارة مكان ما) ، و تقوم القوادة باستئجار الدار ، و تشرف على تأمين مفروشات و متطلبات مكان عمل و مبيت الفتيات ، لقاء الجزء الأكبر من الأجور ، و يقع على الفتاة مصاريف أكلها و كسائها ، و تقبض الباترونة المال مباشرة من الرجال و لا تقبضه الفتاة ، و غالبا ما تمضي الفتاة حياتها و هي مدينة لهذه القوادة التي تستنزف مالها بشتى الوسائل و السبل .. أشهر القوادات في ذلك الزمان هي حميدة ، و التي تابت في آخر حياتها ، و قررت التبرع بكامل أموالها لعمل الخير ، في عمل نبيل قل من يقومون به ،رجالا و نساءا ممن امضوا حياتهم في جني المال الحرام ، و توجهت الى أحد رجال الدين ، و طلبت منه ان يقبل تبرعها بعدما رفض البقية قبوله ، و فعلا بُني منزل من أموالها خصص للتائبات الراغبات في تمضية بقية حياتهن فيه ،و يقمن فيه ببعض الأعمال اليدوية لكسب العيش الشريف . خارج المحل العمومي في البناء الذي أزيل و أقيمت مكانه المكتبة الوطنية ، كان منزل سيرانوش الشهيرة و هي يونانية الأصل ، و لديها مجموعة من الفتيات ، و كان لها الكثير من المشاكل و الدعاوي في المحاكم . كما يتعاون مع القوادة في خدمة الدار رجل يسمى بالعامية - عذرا من القارىء - ( العرصة ) ، و كلمة عرصة هذه لها تصحيف و معان مختلفة ، فحاليا يقال لقطعة الأرض غير المبنية (عرَصة ) بفتح الراء ، و قد اعتاد العرب ان يبدلوا حرف الصاد بحرف السين ، فكلمة ( سراطا ) مثلا تأتي أيضا ( صراطا ) ، و نقول أيضا سنارة و صنارة . و تأتي كلمة عرّص عند العرب مطابقة لكلمة عرسّ ، و تعني انه نزل أرضا او مقاما للاستراحة ، و منها العريس و العروس اللذين يأخذان مكانا خاصا ليلة العرس للاستراحة فيه . و بذلك تكون مهمة ( العرصة ) في المنزول تأمين مستلزمات مكان الاستراحة ، و مهمته أيضا القيام بمهمة صلة الوصل بين القوادة و السلطة ، و في حال قدم أي زبون شكوى بحق الدار يتحمل العرصة المسؤولية التي تصل للحبس . من المتعارف عليه دخول الرجال مجانا ، للفرجة فقط على الفتيات في ارض الديار ، و يسمى هؤلاء ( حييكة ) و تسألهم الباترونة في صيغة تحريضية هل انتم ( حييكة أم ..... ) أحيانا تقع الفتاة في هوى رجل فتستقبله مجاناً ، و غالباً بعد منتصف الليل ، و ينبغي على الفتاة التعويض على القوادة من مالها الخاص . الرجل الذي تقع الفتاة في هواه و يقع في هواها ، تقيم له حفلا يسمى البالو ( و يبدو أن الاسم مشتق من كلمة ball التي تستعمل في الانكليزية و تعني حفلة راقصة مختلطة ) ، تدعو إليه صديقاتها من المومسات و يدعو هو بعض أصدقائه - إذا شاء - و تصبح محرمة على أصدقائه كما يصبح هو محرما على صديقاتها . و يتحول الى متردد دائم عليها و يقوم بحمايتها و مبادلتها الهوى ، و تقوم هي بالإنفاق عليه إذا شاء ، و أطلق الحلبيون على هذا الرجل لقب السيفونجي ، و قد كان محتقراً جدا في المجتمع، و لقبه مشتق من الكلمة الفرنسية ( سيفون ) و التي يطلقها الحلبيون على مجرى تصريف المياه الوسخة . و قد يتورط أحد شباب العائلات المعروفة بقصة حب مع فتاة من المحل العمومي فيطرده أهله و يمنعوا عته المال ، فيتحول الى سيفونجي . روى لي قاضي متقاعد حقق في قصة كاترينا اليونانية عندما كان نائبا عاما ، التي قام أحد الأشرار بقطع يدها ، لنزع مصاغها الذهبي منها بعدما لم يستطع إخراجه من يدها ، ففقدت وعيها و نزفت ، حتى وصل دمها للطابق الأرضي فحُملت للمشفى ، و في بادرة إنسانية أغلقت الفتيات المحل العمومي و توجهن جميعا للتبرع بالدم لكاترينا. و في خطوة نادرة و غريبة ، تأثر بها بشدة القاضي الذي روى لي الحادثة ، تبين و جود الشعور الديني عند هؤلاء الفتيات ، اقترحت إحداهن إقامة مولد نبوي شريف على نية شفائها ، و فعلا جلبت حميدة ، عدة قراء من العميان الذين يتواجدون في ساحة الجامع الأموي لإقامة المولد ، و تحجبت جميع الفتيات ، المسيحيات منهن و المسلمات ، و أقمن مولدا على هذه النية ، و لكن كاترينا فقدت الحياة من شدة النزيف. و كانت بعض الفتيات يصمن في شهر رمضان و يصلين و يتوقفن عن العمل حتى أول أيام العيد . يحكي الحلبيون عن كثير من الرجال أحبوا فتيات من داخل المحل العمومي ، و تبنّ على أيديهم و تزوجوا منهن فأخْرَجَوهم من دار البغاء ، بشرط ان يقدموا تعهداً للسلطة و على مسؤوليتهم بعدم عودة زوجاتهن للدعارة ، متحدين بذلك كل أعراف المجتمع ، و يروى عن هؤلاء الزوجات أنهن تبن توبة نصوح و كن خير أمهات لأولادهن ، و كانت كل الفتيات في المحل العمومي يتمنين هذا المصير . كما روى لي أحد المحامين المتقاعدين قصة غريبة عن فتاة كانت تُعرف بأنها تخاف من حلف اليمين – سواء يمين صادق أو يمين كاذب – فهي لا تحلف يمين أبدا ، و قد عُرف هذا الأمر عنها ، فقام رجل محتال جشع بإقامة دعوى عليها زاعما أنها استدانت منه مبلغ مائة ليرة سورية ، و عندما أنكرت الفتاة أمام القاضي دعاها المحتال الى حلف اليمين بأنها لم تستدن ، فرفضت وفقا لمبدئها ، و قام القاضي بإلزامها بدفع المبلغ . و بعد فترة كرر هذا الرجل الأمر ، و دعاها مرة أخرى لحلف اليمين ، فنصحها البعض بشرح حقيقة الأمر للقاضي ، الذي تأكد من الأمر ، و ألزم المحتال بإعادة المبلغ القديم و هدده بالحبس ان كرر ذلك . و روى لي قاض متقاعد آخر دعوى عرضت عليه ، قام فيها أحد الشبان بالاتفاق مع امرأة من المنزول على التوبة و الزواج منها بعد أن تشتري بيتا من مالها الخاص ليكون بيت الزوجية ،و اصطدمت المرأة برفض أصحاب البيوت بيعها أي شقة كانت لأنها معروفة منهم ، فاضطرت الى إرسال هذا الرجل لشراء الدار و تسجيل ملكيتها باسمه ، و بعدما فرشتها و جهزتها من مالها الخاص فوجئت به يغير أقفال المنزل ، و يتزوج فيه من غيرها . فما كان منها إلا ان راجعت القضاء للحصول على حقها ، فوقف أغلب الناس في صف هذا الرجل و رفضوا مساعدتها في استعادة حقها . حتى وصلت الدعوى الى محكمة قاض معروف ، اشتهر زمنها بالنزاهة و الشرف ، فأجبر الشاب بعدما تأكد من صدق روايتها على إعادة المنزل لها ، و قد توسط الكثيرون لدى هذا القاضي لمصلحة الشاب ، باعتبارها مومساً و مالها مالا حراماً ، مباركين فعل سلب الشاب لحقوقها ، و يذكر الكثيرون دخولها المحكمة ، و تقبيلها الأرض بين يدي ذلك القاضي ، رافعة يديها بالدعاء له ، و هي غير مصدقة إنصافه لها . كان أهالي البغايا أحيانا يقتلن البغي عندما يعلمون فجأة بمكانها و بعملها هذا ، بعدما تكون قد هربت من بلدها لأسباب مختلفة ، و وصل بها الأمر الى المحل العمومي ، و أحيانا كانت تقوم بهذا العمل بعلم أهلها و تمدهم بالمال من شدة فقرهم ، و قد يقوم احد أفراد عائلتها بقتلها إذا ما توقفت عن إمدادهم بالمال . حدثني قاض متقاعد ثالث عن دعوى عرضت عليه ، قصتها أن فتاة كانت تعمل هناك ، و كان أخوها يقوم بزيارتها للحصول على مصروفه منها ، و بعد مضي عشر سنوات تقدمت الفتاة في السن و قل روادها و بالتالي قل واردها المادي ، فلم تعد تعطي أخاها نقودا ، فقام بقتلها انتقاما منها ، و قد دافع المحامي الذي توكل عن الأخ بأن القتل كان بدافع شريف ، و قد حكمت محكمة الجنايات بإسقاط العقوبة عته بأكثرية مستشارين بمواجهة المستشار الثالث و هو القاضي المذكور ، الذي رفض اعتبار الجرم انتقاما للشرف ، و طلب تشديد العقوبة على الأخ لأنه أمضى عشر سنوات يستغل شقيقته ، و لم يستيقظ شرفه إلا بعد ان أوقفت الأموال عنه ، و أيدت محكمة النقض رأي المستشارين و حكمت بأن القتل لدافع شريف ، و عللت أن دافع الشرف قد يفاجىء الإنسان في أي وقت و لو جاء متأخرا . في أواخر أيام المحل العمومي اشتهرت قصة الفتاة عتاب ، التي كان أخوها الأول يعمل معها في المنزول ، و قام أخوها الثاني الذي كان في السجن - لجريمة ارتكبها - فور إطلاق سراحه ، بذبحها ، و العودة ثانية للسجن . في عام 1958 ، أيام الوحدة بين مصر وسورية ، أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر القانون رقم 10 للقطرين السوري و المصري ، قضى هذا القانون بإلغاء البغاء وإغلاق كل دور الدعارة . و عاقب القانون في حينه كل مدير للمحل العمومي يستمر بالعمل ، بالحبس لمدة تصل حتى أربع سنوات ، و قد نص القانون أن على وزير الشؤون الاجتماعية والعمل إيداع البغايا المرخص لهن من تاريخ العمل بهذا القانون بمؤسسة خاصة ، وللمدة التي يراها مناسبة لتأهيلهن لحياة كريمة وتدريبهن على الكسب الشريف . من غرائب القانون المذكور ، الذي ألغى ترخيص بيوت الدعارة -علما انه القانون الساري حتى يومنا هذا - ان الرجل لا يعاقب بأي عقوبة في حال ضبط مع فتاة دفع لممارسة الدعارة معها ، بل تعاقب الفتاة فقط . أما عقوبة من يسهل الدعارة و هي القوادة أو القواد الحبس حتى ثلاث سنوات ، ويحكم بإغلاق المحل ومصادرة الأمتعة والأثاث الموجود به ، و في حال قام هؤلاء بإكراه و إجبار الفتاة على الدعارة او استقدموا المومسات من خارج القطر ، يكون الحبس حتى خمس سنوات . و في حال استخدم القوادون فتاة قاصراً عمرها دون السادسة عشر ،تشدد عقوبتهم و تصل حتى الحبس لسبع سنوات. و في حال كان من يسهلون دعارتها أبوها أو شقيقها او زوجها ،سواءاً كانت قاصراً أو غير قاصر ، تشدد عقوبتهم كذلك ، و تصل حتى الحبس سبع سنوات . أما مالك أو مؤجر بيت الدعارة ، الذي سلمه لقواد يديره و هو عالم بنشاط البيت ، فيعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر و حتى ثلاثة سنوات . أما الفتاة التي تمارس الدعارة و تعتاد عليها و يتم ضبطها عدة مرات ، فتعاقب بالحبس من ثلاثة اشهر و حتى ثلاث سنوات ، و تتهج أغلب المحاكم حاليا بتطبيق الحد الأدنى للعقوبة و هو ثلاثة أشهر . لم ينفذ هذا القانون عند صدوره إلا لجهة توقف السلطة عن إيداع الفتيات اللواتي يقبض عليهن بجرم الدعارة في المحل العمومي . خلال سنوات.. تم ترحيل الفتيات اللواتي لم يكن يحملن الجنسية السورية ، و بذلك تناقص عدد الفتيات تدريجيا ، و كبرت المتواجدات في المحل العمومي في السن . و لغاية عام 1974 كان عددهن قد أصبح قليلا ، و أصغر النساء سنا قد تجاوزت الأربعين . أخيراً ... بعد أربعة و سبعين عاما ، قررت بلدية حلب هدم منطقة المحل العمومي ، في إطار مشروع تحسين منطقة باب الفرج. و فعلا هُدم المنزول ، و ما زال مكانه خراباً حتى هذا التاريخ ، و تفرقت المومسات إلى أماكن مختلفة في المدينة ، منهن من تابت ، و منهن من استمرت في ممارسة الدعارة السرية . و انتقلت بعضُ منهن الى مدن بعيدة لتجنب الاقتراب من أهلهن ، مثل مدينة دير الزور ، و مدينة القامشلي التي سمي المحل العمومي فيها باسم (البيت الأبيض) . أخيرا ...و في نهاية هذه الدراسة أقول : سمعت تعليقا طريفا كرره الكثيرون أمامي عند جمعي لمعلومات هذه الدراسة ، و لا أدري فيما إذا كانوا محقين به : ( من زمان كان الوضع أفضل ..فقد كانت الدعارة محصورة في المحل العمومي في حي بحسيتا ، أما الآن فقد صارت قرب بيوتنا ، في العديد من الأحياء ، و في المنازل الخاصة و المزارع المقامة في الضواحي).
|
|||||||||||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|