إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






مشاهد من الذاكرة
في سورية
التنكيل الشمولي Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
30 حزيران 2008 الساعة 18:30
د.عبدالله إبراهيم - جريدة أوان

أعادني كتاب «بجعات برية» للصينية يونغ تشانغ إلى الكتب العظيمة التي تتقاطع فها مصائر البشر، مثل: «الدون الهادئ» لشولوخوف، و«مائة عام من العزلة لماركيز»، و «الساعة الخامسة والعشرون» لجورجيو، و «الدكتور زيفاكو» لباسترناك، ولكنه كتاب مختلف كُتب بصيغة أخرى، وبزاوية نظر مغايرة. وهو كتاب يذكّر بما كان برنارد شو قد قاله«مَنْ يكتب عن نفسه، وعن عصره، إنما يكتب عن كل الناس، وعن كل العصور». قدم هذا الكتاب ضربا من التمثيل الملحمي للأمة الصينية، وهي تنزلق، وترهن مصيرها لأيدولوجيا شمولية مغلقة. لم أشعر أبدا بأية درجة من المفاضلة بين الصين الإقطاعية، والصين الشيوعية.

يرسم الكتاب حالة انكسار مؤلمة جدا لأمة حاولت أن تستجمع نفسها من شتات التمزّق لتجد ذاتها تُضغط بقوة هائلة في بوتقة التماثل المطلق، وهي الأمة الكبيرة والمتنوعة والغنية، وقد دُفعت إلى مرجل الأيديولوجيات الشمولية الكبرى، ذلك المرجل الملتهب الذي جعل التنوّع الخلاّق منقصة، والتباين الطبيعي عارا، فصار الأفراد الذين كانوا في العصر الإقطاعي مجموعات منفرطة كائنات متماثلة، أصبحوا سربا من مخلوقات مذعورة، فقد زرع فيها الخوف، وسيطر عليها الهلع، وأُجبرت على جلد نفسها علنا بالتكفير عن أخطاء مختلقة لم يجر أبدا اقترافها.. والحال فالكتاب ملحمة تصور الكيفيات التي يؤول الإنسان فيها، بفعل الخوف الجماعي، إلى وحش خطير يجب الحذر منه. كما أنه يكشف الطرق التي يتنامى فيها ضعف الإنسان ليصبح أسيرا لفلسفة الطاعة العمياء الهادفة إلى تحويل الاختلافات الطبيعية إلى تماثلات كاملة بغية تحقيق الولاء الكامل. صوّر كتاب «بجعات برية» تجارب متداخلة لثلاث نساء عشن في الصين طوال القرن العشرين، وقرنَّ تجاربهن الذاتية بالتحولات الكبرى التي عرفتها الصين بانتقالها من عصرها الإقطاعي إلى الشيوعي، ولكن هذا إنما هو مجرد وصف عام، فالصوت الداخلي المفعم بالحرية، الذي يميز الحفيدة، وهي مؤلفة الكتاب «يونغ تشانغ» يغذّي السيرة الاستعادية للجدة والأم اللتين كانتا بؤرتين تم من خلالهما رسم التحولات غير المنظورة في المجتمع الصيني طوال القرن العشرين.. وليس خافيا الحس الأنثوي العميق الموجّه لأحداث الكتاب، ولعلّها المرة الأولى التي تستبطن فيها رؤية أنثوية عالما من التحولات الكبرى، بهذه البراعة من التصوير.. فكلما جرى تحول في سياق الأحداث من مرحلة إلى أخرى، تجلّى ذلك من خلال الأثر المباشر على إحدى النساء، فالحقبة الإقطاعية مسخت الجدة، وأحالتها كائنا للمتعة، حينما أهديت بوصفها جارية، وهي في الخامسة عشرة من عمرها، إلى جنرال من أسياد الحرب الإقطاعيين في الخمسين من عمره.. والمرحلة الشيوعية حالت دون أن تتمتع الأم بدورها الأسري ، فيما لاذت الحفيدة بالهرب إلى الغرب حينما أوصلها وعيها الحاد إلى طريق مسدودة.

أعدّ هذا الكتاب أهم مدوّنة فضحت المجتمعات الشمولية، فقد كشف كيف تنزلق المجتمعات إلى عالم التطهر الخادع، وادعاء النقاء، والخضوع الكلي للنزعة «التوتاليتارية»، حيث يتم اجتثاث الماضي الشخصي الدافئ، بصورة منهجية ليحل المواطن المشبع بأيدولوجيا الولاء محل الفرد المستقيم، ولتسود حكمة القطيع التي يحركها راع يقبع في الخلف متواريا في غموض وهيبة، متعاليا في وسط أسطوري مبهم خاص به، ومتطابقا تمام المطابقة مع نفسه، فهو وأفكاره متلازمان، يتلاعب بالآخرين الذين لا همّ لهم سوى تطبيق رؤاه، ويمضون أعمارهم تحت مديونية خوف من أنهم دون ما ينبغي عليهم أن يكونوا، فيعاد صوغ علاقاتهم في ظل رهبة تطال خصوصياتهم الإنسانية، ويتم اقتلاع المكونات الحميمة لوجودهم، ويصبح كل ذلك ضعفا ينبغي اجتنابه وإزالته، وتختلق ممارسات محددة يعلن فيها الجميع الولاء.

يصبح التكوين الإنساني شاحبا، ويعاد تشكيل المجتمع طبقا لمعايير يحكمها الولاء والذل والتبعية، ويسود التكاذب والمراءاة والخداع، ويصبح الخطأ هو الهدف المنشود، ويعاد ترتيب العلاقات الاجتماعية في ضوء ذلك، ويرتهن الجميع أسرى لفكرة يملك سرّها شخص واحد فقط، فيتحرك الجميع كدمى بين يديه أو كظلال باهتة لحقيقته الغامضة، وتشغل النخبة بتأويل أفكاره، ومدّها خارج الزمان والمكان من جهة، والسيطرة الكلية على المجتمع، وإخضاعه بالقوة لتلك التأويلات من جهة ثانية. وكما يقول كونديرا فالنظام الشمولي «يحرم الشعب من ذاكرته، فيحوّل الأمة كلها إلى كتلة من الأطفال»فيشيع الخوف بوجوهه الكثيرة، فالأيدلوجية الشمولية محكومة بنزعة الخوف، والمجتمع ينبغي أن يحكم بالأوامر.

وهذا يذكّر بما كان (دك هلدر) قاله في رواية «النور الذي انطفأ»، لكبلنغ، «ينبغي ألا يفكر أحد في نفسه، أو يرضى عن فعله». وفي الوقت الذي ينخرط الجميع في ولاء كاذب، يصبح الاقتصاص هو الوسيلة الوحيدة، ليس لمواجهة أولئك الذين لم يمتثلوا بعد، إنما حتى لأولئك الذين كان سوء طالعهم قد جعلهم مختلفين عن كل ذلك في حقبة سابقة، بسبب انتماءاتهم الطبقية أو الدينية أو العرقية أو المهنية، فلا يدان المرء على حاضره فحسب إنما على ماضيه، ولذلك يجري تنقيب دقيق في سيرته الشخصية من النواحي الفكرية والعرقية والطبقية والروحية، ويقع التشهير به لكل نأمة طالت حياته قبل ظهور الأيديولوجية الشمولية، وتعقد مواجهات للعقاب والتقريع، ويصطلح على ذلك فخرا بـ «النقد الذاتي» فيتحمّل الإنسان خطأ لم يتسبّب فيه، خطأ الوجود والتاريخ، لأن الأيديولوجية الشمولية لا تهدف إلى فرض التماثل على الحاضر والمستقبل، إنما على الماضي أيضا. هذه هي الرسالة الكبرى التي حملها كتاب «بجعات برية».

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم