إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow عبد الوهاب المسيري ... رائد التنوير العربي الحديث
عبد الوهاب المسيري ... رائد التنوير العربي الحديث Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
09 تموز 2008 الساعة 22:19
د. أحمد حسين - جريدة الجريدة

انتقل إلى رحمة الله تعالى الدكتور عبدالوهاب المسيري زعيم من زعماء حركة التغيير السياسية الكبيرة في مصر والمسماة «كفاية»، وذلك بعد صراع مرير مع المرض العضال.

الحقيقة، إنه رغم الحزن الذي أصابني لفقده، فإن هذه المناسبة فرصة جليلة لمحاولة فهم شخصية هذا الرجل الموسوعي الذي وهب نفسه وقوته للعلم والمعرفة، بل لقد تجاوزت شخصيته ذلك، فأصبح نموذجا لقيادة أسطورية رائدة في معركة الإصلاح وتقويم الأداء السياسي للسلطة، ليس في مصر فحسب، بل في العالم أيضا.

عبدالوهاب المسيري رجل بدأ حياته منظما بشكل أيديولوجي واضح، فلقد تربى في أحضان الإخوان المسلمين، ثم التحق بالقوميين، والتيارات اليسارية، ثم بعد ذلك انتقل منظرا لمنهج إسلامي متنور فريد من نوعه، وكتب للفكر العربي والإسلامي الممانع المقاوم آراء جديدة بالتأمل، ولا شك أنها تعد مشاعل تنوير للمجتمع المسلم المعاصر.

عبدالوهاب المسيري يستحق أن يكون «ظاهرة»، وذلك لأنه يعبر عن حالة التجدد التي يمتاز بها الفكر النقي الصادق، مهما كان وكيفما كان. ولقد كان رحمه الله دليلا واضحا على أن المسلمين مازالوا قادرين على تجديد الحضارة، وتأسيس الفكر، ولكن ينقصهم ربط هذا الفكر بالعمل، وتغيير الواقع بما يحقق النهضة الجديدة.

من أهم الأمور التي يتميز بها عبدالوهاب المسيري أنه بعد دراسته للأدب الانجليزي، وبعد تعمقه في منظومات الأفكار المتنوعة، تكونت لديه الرؤية الواضحة لمساره الفكري.. وهذه الرؤية دليل نجاح المفكر، وأعز ما يملك في الوجود. ولذلك فإن تحققها عملية صعبة ودقيقة جداً في آن واحد، فهي تحتاج إلى معرفة متوازنة تتناسب مع الأصالة في الرؤية، وتتناغم مع المعاصرة في المعالجة، ودراسة مفاهيم العصر ومراعاة مقتضيات التطور.. وكلنا يعلم أن أساس تخلفنا وتراجعنا هو عدم وجود هذه الرؤية لدينا، إن مصير الأمة يتحدد وفقا لهذه الرؤية التي ينبغي أن تتوافر فيها عناصر الحقيقة وركائزها. ولقد كان راحلنا العظيم ذا رؤية باعثة فعالة اكتشفت الطريق وأنارت درب السائرين للبناء والتقدم والنهضة.

أعجبت جدا بالدكتور عبدالوهاب المسيري ومنذ زمن طويل، حتى أنني اقتنيت ما استطعت إليه سبيلا من كتبه وبحوثه التي نجحت في إخراج النخبة المثقفة من قلعة الماضي وصندوق التنظير الفلسفي المتآكل، المتهالك إلى رحابة الإبداع في مجالات تمس الحياة الكريمة للأمة والمجتمع الصغير. وهذا هو الإبداع الحقيقي لعبدالوهاب المسيري. فلقد خرج بالمعرفة من مستنقع المعلوماتية إلى بهاء الفعل ونورانية الحركة الإدارية. ولذلك كبر الرجل في أعيننا جميعا، ولاسيما عندما رأيناه يتقدم الجموع المتظاهرة والتي التحمت مع قوات الأمن في صورة فدائية راقية. ولقد تذكرت يومها أصحاب الأساطير من عظماء التاريخ، وانتشت روحي لأن عهد الحكماء العظام، والأبطال الأسطوريين، قد عاد من جديد، وتمثل عمر المختار، روحا في جسد عبدالوهاب المسيري.

قد يتساءل البعض عن السبب الذي جعل المسيري ينتقل من الماركسية إلى الإسلام، والحق أن الرؤية الإنسانية التي آمن بها هذا الرجل، هي التي تسببت في هذه النقلة النوعية الجريئة. وكان سبب هذه الرؤية دراسته للأدب الإنجليزي التي جعلته يدرك أن للغة دورها الأساس في بلورة القدرة على التجاوز، وأن بين الدالّ والمدلول مساحة بينية كبرى، هي أساس العقل الإنساني المبدع. ولذلك انتقل من المادية إلى الإنسانية الرحبة العارمة. ولذا لم يعد للنموذج المادي أية قيمة لديه، فلقد وعى بشكل واضح تجاوز التاريخ.

هذه الرؤية أثرت في العديد من آرائه وبرزت فيها بشكل واضح، فالإنسان عند المسيري ظاهرة مركبة، لا يمكن أن ترد إلى ما دونها مثل المادة، وهي التي تتحكم فيها نماذج مادية بسيطة، آلية ذات قوانين ثابتة معروفة. ومن هنا فلقد كان التفرقة بين الطبيعي والإنساني أساسي جدا في وعي المسيري للتاريخ. ولذلك فلقد ذهب إلى أن الفلسفات الفاشية تحاول دائما أن تضع نهاية للتاريخ، وأن تبدأ من نقطة الصفر. وهذا ما يفعله الصهاينة سواء تجاه الفلسطينيين أو سائر يهود العالم، فإنهم يعملون جاهدين لتحويل فلسطين العربية إلى «إرتس يسرائيل»، أو «صهيون»، أي أن فلسطين أرض بلا شعب. أما يهود العالم، فإنهم أشخاص بلا وطن، فهم شعب بلا أرض.. وعندئذ يتوقف تاريخ فلسطين التي تنتظر أصحابها الأصليين، أي اليهود، كما يتوقف تاريخ يهود العالم، فهم يعيشون في المنفى ويتوقون للعودة إلى وطنهم الأصلي.

إن من أبرز ما أسهم به الدكتور المسيري رحمه الله تطويره لمفاهيم اجتماعية وتوظيفها في دراسته لظواهر جديدة.

ومن أبرز الأمثلة عليها مفهوم الجماعات الوظيفية الذي قام بتطويره وتطبيقه على تاريخ الجماعات اليهودية، وبالتالي فلقد حلل أصل الدولة الصهيونية، باعتبارها دولة وظيفية تخدم أهدافا استراتيجية في المنطقة العربية. ولذلك كان يؤكد أن وجود الكيان الصهيوني لا يهدف إلى اغتصاب الأرض فقط، بل إلى ما هو أبعد من ذلك وأخطر بكثير.

دعونا نتوقف عند المسيري الباحث إلى هذا الحد، ولكن قد سمعنا أن المسيري كتب للأطفال، فما هي الحكاية؟

لعلها أخطر رسالة وأهم رسالة تستحق العناية والاهتمام عندما نعلم أن المسيري قد كتب للأطفال قصصا هادفة لغاية حقيقية جدا، وهي تقويم العقل والمعرفة لدى أبناء هذه الأمة منذ الصغر، فإن الأمة لكي تدافع عن حضارتها، لا بد أن تتزود بالمعرفة على كل المستويات، بل لا يقف الأمر عند الدفاع، بل إن الأهم من ذلك، هو تغيير رؤى العالم، وطرح رؤى جديدة تطلق الفكر العربي من أسر ثقافة الغرب، وتجعله يتواصل مع العالم.

لقد أخرج المسيري في قصصه سندريلا من إطار القصة الغربية الشهيرة لتتواصل مع حاضرها، إنها عندما تركب المترو وتدعى إلى حفل حصول الأمير قمر الزمان على الدكتوراه.. وعندما ترتدي زيا تهديه إليها زينب هانم، وليس العرافة الطيبة.

هذه قصص تربط الماضي الخيالي بالحاضر الواقعي، وهي تعكس إيمان المسيري بالجيل القادم، وتطلّعه للمستقبل، وهذا ما يؤكد خروج المسيري من صندوق الفكر المغلق إلى فضاء العقل الحضاري الفعال المبدع.

أخيرا أقول إن خطابات المسيري العلمية خطابات جديدة تجاوزت حواجز الزمان ورواسب المكان، وهي خطابات تعلمنا تغيير عقلية السرد والالتقاط إلى عقلية معرفية باحثة فاحصة تتحرك من الجزئي، كالمعلومات التفصيلية إلى الكلي، وهو النموذج المعرفي المتكامل. وهذا ما يمتاز به النوادر من المفكرين. ولذلك فإن المسيري يستحق بجدارة لقب «رائد الفكر والتنوير في العصر الحديث».

أخيرا، حزني كبير وعميق على فَقْد عبدالوهاب المسيري، ولن تنطفئ ناره، حتى نرى أمثاله، وحتى تتحقق وصيته الأخيرة، فيتم تحرير فلسطين، لأن تحرير فلسطين، هو تحرير للعالم ممن يريد استعباد الإنسان.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم