|
|
| قضايا وآراء |
|---|
قضايا و آراء
فلسفة ، علوم و ثقافة
عن مكر هيغل والتناقض الحضاري | عن مكر هيغل والتناقض الحضاري |
|
|
| هلوسات - فلسفة ، علوم و ثقافة | ||
| بقلم: حسام مطلق | ||
| 16 تموز 2008 الساعة 16:25 | ||
|
تعقيباً على "مكر العقل والتاريخ عند هيغل - جان هيبوليت - ترجمة: فؤاد بن أحمد - موقع سؤال التنوير"
حين نناقش الفكر, والفكر اولا وأخرا حالة انسانية, لابد وأن نأخذ السياق الإنساني في سعينا للتفسير. هيغل هو في الأساس تلميذ لاهوت, من اللاهوت ولج للفلسفة. الفلسفة تشكلت, كما نفهمها اليوم, على يديه, قبلا كانت كما كتبها أرسطو. الفيلسوف يمتاز عن الآخرين أنه يفكر بعمق, بما لا يلوح في أفكار الآخرين. المفكر يفكر إنفعاليا, يعيد صياغة الصور, يعيد قولبة المنقول حسيا. الفيلسوف يقيم عالما غير العالم الحسي, ينقله للحسي عبر الفكري, خلال عملية النقل هو يحتاج إلى صور, هذه الصور تسمى المقولات, ترجمتها إلى الورق تتطلب استخداما لغويا, هذا الاستخدام مقنن بما هو موجود. ومع ذلك كان لهيغل إيجاد في عالم اللغة والكلمات ليس اقله من تسمية كتابه \" فينومينولوجيا\" فليس هناك قبله أي استخدام لهذه الكلمة. هو إذن صار مطالبا ليس فقط بشرح مقولاته عبر إثباتها بل صار مطالبا بأن يفسر التسميات. هذه الصعوبة يدركها فقط من يؤمن بالسؤال الفرضي, المتقوقعون خلف المستدرك من المعارف ليس لهم أن يفهموا المشقة في الإيجاد اللغوي.
وعلينا ألا ننسى الظرف الموضوعي فهيغل درس في جامعة في مدينة «يّينا» وعايش طردها للفيلسوف فيخته بسبب الحاده ولن ننسى انه هو شخصيا طرد لاحقا بسبب اراءه التحررية لاحقا. مع انه منطقيا يجب ألا يقبل الفلاسفة بالمساومة على أفكارهم ولكن في المقابل علينا أن نقبل منهم الانتقاء اللغوي الدقيق وكلما زادت الرقابة كلما صعب التعبير والإفهام. وبما أن محور سؤال الكاتب يدور حول فهم هيغل للوغس فليس أقل من أن نستحضر لكمات هيغل في توصيف الله \" “ نحن نعرف وجود الله وهذه المعرفة موجودة فينا وجودا مباشرا لدرجة انها تغدو سلطانا، وهو السلطان الداخلي للوعي – هيجل محاضرات في التاريخ \" هنا يمكننا أن نتلمس الصوفية في الكلام الهيغلي فهو يساوي بين الله والإنسان في جغرافيا الوجود, الطبقية والسلطانية قضية اخرى, فالله كما أرى هيغل قد قصد, هو الوعي الإنساني النهائي, أي انه مجمل ما وعى الإنسان عبر التاريخ. فهو إنساني ولكن كلي الإنسانية وليس فردي الإنسانية, وبرأيي هنا تفترق الصوفية عن الأديان. فالله في اليهودية والمسيحية والإسلام إنساني فردي صفاته نتاج وعي اجتماعي مرحلي ولكنه في الصوفية خلاصة الوعي الإنساني. ولذا يصح أن نقول أنه لا خلاف فلسفيا على أنسنة الله ولكن الخلاف على الفردانية الدينية والكلية الصوفية. هذا الاستطراد هو لضرورة ربط لاحق ستأتي به السطور، فهيغل في المحصلة النهائية لا يغادر الصوفية كما سوف نرى. عودة إلى هيغل وتعريفه لله \" اذن فالله، في حقيقته، ليس محض مثال يولده الخيال، بل إنه يتدخل في تناهي الواقع الخارجي. إن الدين يفعّل فهم الحياة التي لا نصل اليها عن طريق الفهم او الفكر، فبالدين نرى الحياة المتناهية ترتفع الى الحياة اللامتناهية، وما ذلك إلا لأن الحياة المتناهية هي نفسها حياة، وبالتألي فهي تتضمن في جوفها امكان الارتفاع الى الحياة اللامتناهية \". ولتر ستيس يشرح هذا القول الهيكلي بأنه وعي العقل أو الفكرة الشاملة \" يمكن العودة الى مقال الصوفية لماذا وكيف فهي تشرح هذه الارتباط وان بطريقة غير مباشرة. وليس علينا طبعا أن نأخذ كلمة دين على حرفيتها, فهيغل يريد بها التفكير الديني, أي التفكر في الوجود وفي النشوء والمآل وليس الدين بمعنى الجنة والنار والحوريات, هذه الفكرة يجب أن تلازم تفكيرنا ونحن نتحدث عن هيغل, هو كما قلت قادم من ثقافة لاهوتية ارتد عليها ولكنه يحتاج إلى لغة لتكون أداة للتعبير واللغة كلمات ومصطلحات تستدعى من المخزون الثقافي . وهيغل لم يبخل في توضيح هذه الفكرة حي يضع لها محددين اثنين : 1- وعي الإنسان بأن له إله, وهذا وعي تاريخي, وهو متشكل موضوعي خارجي 2- الوعي الثاني هو وعي الخشوع أو الرغبة في الخضوع وممارسة العبادة, وهو ما أسماه ماركس لاحقا بغريزة التدين. ويقع التضارب في المصالح بين الدين والفلسفة حين ترغب الفلسفة في إخراج هذا الشعور من عالم الشعور لتلج به إلى عالم الأفكار التجريدية ( راجع مقدمة هل الله موجود تساؤلات في مساحة حرة ) . وبرأي هيغل \" الفلسفة لا تتعارض مع الدين بل هي تفهمه \" ويمكننا أن نقول أن هيغل يلقي بالمسؤولية على الضمور الديني في فهم البعد الفلسفي. هذه الآلية الفكرية يقسمها هيغل إلى شقين : 1- الوعي الحسي. 2- التأمل. وهو يرى أن ولوج احدهما في الأخرى استدعى أن يتم التعبير عن فكرة الحق المتأمل بها عبر الدين. ليكون الدين في الوعي الجمعي للتاريخ الإنساني تفسير لقضية الحق. وعلينا ألا ننسى أن هيغل لا يعتبر الفكرة الشاملة هي فكرة مرحلة, بل فكرة مجمل حركة التاريخ الإنساني, ومن هنا لا يسعنا إلا أن نسجل أن هيغل نقض الدين كنهاية السعي الإنساني وقوننه بأنه الشكل المرحلي لفكرة الحق الإنساني. أما من أين استمد هيغل أفكاره ومن هو ملهمه, فلا أعتقد أن هذا يمكن أن يحدث فرقا في فهم القصد الهيغكلي, فحتى قضية الدولة التي ينسب الكاتب وعي هيغل بها إلى روسو فهي لا تنتقص من ترابط الفكر الهيغلي, فمن الطبيعي لمن يؤمن أن الروح المطلق هو كامن في التاريخ أن يعتبر الترابط الأعلى للبشر هو الشكل الأكثر قدرة على التعبير عن مرادهم النهائي. وبطريقة تطورية للدولة يمكنها أن تصل بالإنسانية إلى الروح المطلق. أما الأديان فلن تستطيع لأنها تنتهي الى تناقض في ذاتها ومع من حولها فهي قابلة للإلغاء لا للاندماج. وبرأي أن ماركس حين تحدث عما بعد الدولة لم يكن يتحدث بجديد بل هو يعيد صياغة الفكرة الهيغلية بكلمات ربما بدت أكثر ملائمة أو انسجام وهذا يرد إلى عاملين : الأول ما ساهم فيه التمهيد الهيغلي في تقبل الفكرة. الثاني هو ما راكم النقاش في الهيغلية من مصطلحات زادت من أدوات التعبير. عليه, فإن ما ذهب إليه الكاتب في نفي أن تكون الدولة الشكل النهائي للحق الإنساني برأي فيه مغالطة. فالدولة تتطور, تتشكل في منظومات, وبقدر ما يرتفع الوعي الاجتماعي بقدر ما تتحول الدولة إلى أدارة تعبيرية عن الفردية الإنسانية, أي تعبير عن الكلية الإنسانية, وهذه هي الديمقراطية الاجتماعية التي تتحول فيها الدولة إلى أداة المجتمع بعد أن كان المجتمع أداتها. الدولة تمارس عملية الصهر التي تنشأ المجتمع المتوافق حضاريا, وبتقدم المراحل تتشكل المنظومات التي منشأها الدولة, كالاتحاد الأوربي وربما يوما الإتحاد العربي, ومن مجمل تلك التشكلات الجديدة التي هي في أساسها ليست إلا تعبير عن دولة بصورة أوسع تنشأ منظومات جديدة, تتويجها هو ما يقود إلى الروح المطلق. أي النظام العالمي الذي يلغي مجمل الفوارق الإنسانية لصالح بناء إنساني كلي قائم على الحق المطلق الذي يكون الدين, وفقا للمرحلة, تجسيده. أما السؤال الأخير الذي يثيره الكاتب : ما هو مصير التاريخ؟.فجوابه يقع في كلمات الكاتب نفسه. التاريخ هو الإنسان ومع بلوغ الإنسان مرحلة الحق المطلق, الروح المطلق, يتوقف التاريخ عن كونه إنسانيا ليغدو مرتبطا بالظاهرة الطبيعية. أي لا يبقى تاريخ سياسي أو اجتماعي, لا حروب ولا تبدلات في الخارطة العالمية أو في الرفاه المعيشي ولكن ارتقاء مستمر ما لم تقع كارثة قادمة من الكواكب على نمط التفكير البراهميني الهندي لتعيد إنتاج الحياة بدورة جديدة. هذه النهاية, نهاية التاريخ, فهمها فوكوياما بأنها تتحقق بالديمقراطية الليبرالية الكاثوليكية. إلا أن فوكوياما أغفل عنصرين : الأول أن الإمبريالية, الحاضن لليبرالية الكاثوليكية, لايمكن أن تحمل راية الحق المطلق لأن الحق المطلق كلية تستلزم عناصر الكلية, العدوانية الخارجية للإمبريالية مقارنة بالديمقراطية الداخلية تدخلها في تناقض مع ذاتها تنبه له ماركس مبكرا يوم كانت برجوازية فقط. الثاني أن الكاثوليكية هي حق مرحلي وفقا لهيغل, وهذا أيضا ليس عنصرا كليا كي يقيم الكلية المطلقة. أي منطقيا لايمكن صياغة مقولات كلية من جزئيات فكيف بالكلية النهائية. الكاثوليكية تصور إنساني لفكرة الحق المطلق, تصور إجتماعي كما سبق الإيضاح, وهذا يعني أنها لا تصلح, كما أي فكرة دينية, لتنتج الكلي المطلق. صومائيل هينغتون كان أكثر نباهة حين تحدث عن صدام الحضارات, ويمكننا أن نرى في الخفايا أن هذا الصدام, بفعل الرد الغريزي للمتصارعين, لابد وأن ينتج تشكلات جديدة هي في عناصرها اتحاد دول. أي صراع الحضارات كما أراه مرحلة من مراحل المقولة الهيغلية في الحق النهائي. ومن هنا يجب أن ينصرف بحثنا إلى موقعنا من التصور النهائي, من التشكلات الحضارية التي سوف تتصارع. الطرف الآخر قادم وفي جعبته قانون الإلغاء, الامتصاص الذي قال هيغل أنه احد أشكال الذي تنتهي إليه الأضداد, كي لا أكون عدوانيا كما المحافظين الجدد فسوف أنادي بتشكل جديد من الامتصاص المتبادل يتيح لكل طرف أن يتغير دون أن يفنى لان الصدام الحر سوف يقود إلى حتمية الإلغاء وبحكم أننا الطرف الأضعف حضاريا لست متفائلا في أننا سوف نبقى ما لم نعطي فرصة أكبر للمفاهيم الأخرى غير المدمرة بأن تصبح جزء من منظومتنا الكلية. بهذا فقط ندخل الآخر في تناقض مع ذاته, عبر دفعه إلى الوراء بنفي الفكرة الوحشية المطلقة عنا بدلا من الإسهام في تثبيتها في وعي الحضارة المضادة. الإسلام, بما يفعل, وكما يراد له أن يكون برأي معتنقيه سوف يدفع إلى التناقض الحاد والجذري الذي يبرر الإفناء لتحقيق الاستقرار للآخر المتفوق .
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|