إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow فلسفة ، علوم و ثقافة arrow حوار مع الدكتور في علم الاجتماع والروائي السوري حليم بركات
حوار مع الدكتور في علم الاجتماع والروائي السوري حليم بركات Print E-mail
هلوسات - فلسفة ، علوم و ثقافة
بقلم: د. بشار خليف / د.حليم بركات   
18 تموز 2008 الساعة 14:51
حاوره د. بشار خليف *


●● كيف نقيّم موقفك من التراث .. ؟؟

 ● رغم أن مفهومي للتراث قد تطور فإنني مازلت أنظر إليه نظرة انتقادية . فالتراث هام لتحديد الهوية كما أنه هام من ناحية الكتابة الإبداعية لأنه يحدد المنطلقات التي تعطي المادة الإبداعية نوعاً من الخصوصية و الجذور و لكن في الآن نفسه يمكن لهذا التراث / خاصة كما نفهمه في الوقت الحاضر و من ضمن الواقع الذي نعيش / أن يحدد المفاهيم و يضيّقها بحيث يمكن له أن يسبب إعاقة للتجارب الفنية .
لهذا فموقفي من التراث يعتمد على تحديدنا لما يُقصد بالتراث . فإن كان هو التقاليد المتوارثة فموقفي منه موقف نقدي و ما أقصده هنا هو التراث العائلي و الديني كما نفهمه في الوقت الحاضر . و إذا كان التراث يحدد كيفية الأشكال و المضامين بحيث يضيّق على الكاتب من حريته و من إبداعه فلدي تجاهه موقف نقدي . أما إذا كان يعني تأثيراً على الخصوصية و في الوقت نفسه يعطي للكاتب حرية التعبير و التجارب و انفتاح على العالمية فأنا مع هذا التراث .

●● هل نستطيع أن نقول أنك تتبنى مفهوماً خاصاً للأصالة .. و أنك تقرأها من منظور ما
تمثله من قيمة معاصرة مثلاً .. ؟؟
 ● حتى مفهوم الأصالة يمكن أن يؤخذ بمنحيين , إيجابي و سلبي . فإذا كان مفهوم التأصيل يتضمن شيئاً غير موجود في التراث يمكن أن نعتبره نبتاً غريباً أو مستعاراً من ثقافة الآخر و بالتالي نقف منه موقفاً سلبياً و نرفضه لأنه ليس جزءاً من التراث فأعتقد أن هذا انغلاق .
 و أنا أرى أن المفهوم السلبي هذا يمكن أن يتغلب على المفهوم الإيجابي في حالة التخلف و في حالة الأوضاع التي نعيش في ظلها . حتى أنه في مثل هذه الحال يكفي أن يقول لك أحدهم أن هذا نبت غريب أو مستعار من الخارج حتى ترفضه بدون أن تدرس ما إذا كان له علاقة بالواقع الذي تعيشه و طبيعة هذا التأثير في الواقع أم لا .. , أو إذا كانت هناك حاجات أساسية في المجتمع تقتضي أن يكون هناك تجارب من هذا النوع .
لهذا , فأنا أعتقد شخصياً أن الأصالة أو التراث لهما مدلول إيجابي طالما أنهما لا يشكلان عائقاً أمام التجارب و أمام الحرية و الانفتاح . فالمجتمع ليس الماضي فقط و ليس الحاضر فقط بل هو المستقبل أيضاً,.. و التراث هو حرية المجتمع بأن يعبر عن نفسه بأشكال جديدة . و هذا التراث يصبح سلبياً إذا كان تقليداً و محاكاة للآخر بمعنى ألا يكون هناك انفتاح على الآخر , و أشير هنا أن الانفتاح هنا لا يعني بالتأكيد تقليداً للآخر .
 فيجب أن نأخذ من الجذور و لكن مفهوم الجذور يجب أن يكون عميقاً و واسع الأفق و رحب الصدر بأن يسمح للإبداع و التجارب الجديدة أن تفعل . مثلاً , في الخمسينيات و عندما كنا نحكي عن التراث و كان بيننا شعراء .. كان مفهومنا للتراث متخلفاً يُعنى بالشكل فقط بمعنى صار البعض ينظر للشعر و يُعرفه إن كان حديثاً أو قديماً وفق النظر إلى كونه موزوناً أو مقفى , و لم يكن ليربط بين الحداثة في الشعر و الحداثة في الحياة نفسها و في مختلف الأشكال . و كنت أعتبر في ذلك الوقت أن الرواية لا تعاني من عبء التراث لأن لديها حرية لتجارب كثيرة أكثر من الشعر , و لكني اكتشفت تدريجياً أن الرواية و القصة أصبح لهما أيضاً مفهوم محدد و ضيق أحياناً فقد أصبح لهما تراث .

●● بسبب تنشأتنا العامة .. كانت أجيالنا سلفية .. , و العديد من مبدعينا يستلهمون الماضي بالمطلق و ثمة تيارات في المجتمع تنظر إلى التراث و كأنه ينبع من نقطة وهمية في سلف تجريدي .., الأرسوزي مثلاً يعتبر الجاهلية هي العصر الذهبي للأمة العربية و هو يستلهم قيمها كتراث , و من جهة ثانية نجد تيارات تحدد التراث في السلف الإسلامي ,.. و هناك من يخلط بين الحقبتين , الإسلام و الجاهلية , برأيك كيف يمكن أن نضع تحديداً اختصاصياً أكثر دقة لهذا المصطلح ؟

 ● أهمية هذا السؤال تنبع من أن مسألة التراث هامة في المنطقة العربية لأسباب عديدة , منها أن هناك حاجة لتحديد الهوية القومية . و لأننا في العصر الحديث نظل مشغولين بمسألة تحديد هويتنا القومية . أؤكد أن هذا السؤال هام جداً . و أزيد هنا بأن هناك سيطرة من الخارج .. من الغرب فهو مسيطر اقتصادياً و اجتماعياً و سياسياً و ثقافياً و إعلامياً .
و نتيجة لهذه السيطرة و الهيمنة يظل موقفنا مبنياً على هذا الانطباع الذي يشعرنا و كأنه هناك اعتداء على وجودنا . فأنا أرفض هذا الآخر و أعود إلى أصولي لأحافظ على وجودي ,.. خشية أن أذوب في الآخر ,.. إذن أنت لا تريد هذه الهيمنة فترتد إلى أصولك و لكن , أنت في الوقت ذاته - في واقعك - جزء من العالم و جزء من تراث سابق لهذا العصر ,.. كنتُ في مصر و رأيت كيف أن التراث المصري القديم واضح و مهيمن و مازالت جذوره واضحة و فاعلة في المجتمع المصري . فقبل إسلام مصر كانت هناك ثقافة و ما تزال موجودة في الواقع . فالثقافة سواء كانت أسطورية أو تاريخية تنشأ عن واقع اجتماعي مستمر .. و يمكن لك أن تنكرها , بيد أنها موجودة في الواقع .. و هي نتاج تفاعل الثقافات القديمة مع الثقافات الحديثة مع ثقافات العالم الآخر و تصبح بكل هذا مزيجاً من كل هذه الثقافات فلا تستطيع بعد ذلك أن تقبل بعضها و ترفض بعضها الآخر .
أنا شخصياً , أعتقد أن هناك تراثاً غنياً سواء في المغرب أو مصر أو سورية . هناك تراث قديم كان و مازال جزءاً من الثقافة التي نعيشها , كما أنه أصبح جزءاً من الثقافة العالمية . و هذا التراث فاعل سواءً عن وعي أو بلا وعي و أنا أعتقد أن على الكاتب أن يستوحي هذا التراث لأنه جزء من ثقافته . بمعنى أن ملحمة جلجامش مثلاً يجب أن تصبح جزءاً من ثقافتنا .
أنا أستغرب كيف أن الإنكليزي يعتبر أن الثقافة اليونانية هي جزء من حضارته و يقبلها , بينما نحن نعرف الإلياذة و الأوديسا و نقبلهما أكثر من معرفتنا لملحمة جلجامش و غيرها ؟ هذا تناقض . و مع هذا يجب / كما أرى /أن على هذه الثقافة ألا تشكل فواصلاً بينك و بين الآخر بحيث يجب أن تكون مصدر إغناء لا انعزال , لأنه إذا صارت مسألة انعزال / كما تستعمل في مصر سياسياً / فهي تصبح سلبية . لهذا أرى أنه يجب الانفتاح بعمق على هذه الثقافات الغنية جداً – أقصد ثقافات ما قبل الجاهلية و الإسلام – و التي لا يمكن فصلها أبداً عن الثقافة التي جاءت مع الامتداد العربي و الإسلامي .

●● كعالم اجتماع , و دكتور في علم النفس الاجتماعي , اسمح لي أن أطرح السؤال التالي : " التصوف " كميل فكري نفسي ... ثم الحداثة كخروج عن المألوف .. أو النمط المقنن ,.. هل هما نزعتان تعبران عن حضور اللاشعور الاجتماعي الممتد في أصوله إلى التراث الحضاري في مرحلة ما قبل الإسلام , و ذلك من حيث علاقة المتصوف بفكرة الإله الأقل تجريداً و إطلاقاً , و الأكثر نزوعاً نحو الأنسنة كما في مضمون الألوهة في الأسطورة السورية .. و ما انبثق عنها من فلسفات و طرائق في التفكير ؟

 ● طبعاً , فمثل هذا لا يأتي عن اختيار عقلاني و سياسي , بل عن اختيار الواقع الاجتماعي . فمثلاً نمط الحياة الزراعية ينتج ثقافة مرتبطة جداً بالتراث الذي يعود إلى ما قبل الإسلام , فحياة الفلاحة لا تقبل التجربة الذهنية في إطارها المجرد , فهي متأثرة بالمناخ و الفصول و الأرض . لهذا فالتشديد على الشخص في المفهوم الديني / الحسين عند الشيعة – المسيح في المسيحية / و التشديد على المزارات هي ظواهر أعتقد أنها مرتبطة بثقافة مرحلة الفلاحة : [ الموت ↔ البعث ↔ الخصب ] .
و هذه الرموز مستمرة من خلال حياة الفلاحة أكثر مما هي مرتبطة مثلاً بحياة المدينة . فالثقافة بعموميتها ليست قراراً سياسياً , بل هي انبثاق عن واقع اجتماعي معين . بل هي انبثاق عن واقع اجتماعي معين . و لهذا السبب نجد اختلافاً في الدين نفسه يظهر جلياً بين الدين الرسمي كما تفسره المؤسسة المتعلمة و بين الدين الشعبي كما يفهمه الإنسان من ضمن الواقع الذي يعيشه .. فمهما حاول الدين الرسمي أن يقضي على الصوفية أو المزارات سيجد نفسه في النهاية فاشلاً فهي جزء من التراث الشعبي الذي يعيش في عقيدة المجتمع . و هذه العلاقة بين الدين الرسمي و الدين الشعبي موجودة أيضاً في أميركا اللاتينية بين مفهوم الكنيسة الرسمي و مفهوم الدين الشعبي . بكلام آخر : مهما كان نوع الدين فإنه لا يستطيع إلغاء الدين الشعبي , يمكن له أن يتفوق كما في المدينة حيث تتمركز السلطات الدينية و السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية فهذه يهمها المفهوم الرسمي للأمور و لكن حين تضعف السلطة المركزية فإن التعبير الشعبي يأخذ الأشكال التي يرتضيها بحرية .
و من حيث سؤالك عن الحداثة الشعرية أقول أنه لا يمكن النظر إلى ثقافة ما قبل الفتح الإسلامي على أنها كانت موجودة و انتهت , فهي مستمرة و فاعلة . و رواد الحداثة هم أبناء قرى كانوا يعيشون الأشياء المستمرة في الحياة الزراعية فحين تتحدث لهم عن معاني تموز فإنك تعني لهم شيئاً يعيشونه في لا وعيهم و ليس فكرة مستوردة من الماضي بل فكرة فاعلة حتى الوقت الحاضر في لا وعي المجتمع . و مثل هذه الأفكار تظل مقبولة لدى الكاتب أو المفكر ليس لأنها أفكار يقتنع بها نظرياً بل لأنها جزء من إحساسه اليومي بالمجتمع و البيئة التي يعيش فيها .

●● إلى أي حد استطاع علماء الاجتماع في العالم العربي أن يؤكدوا على أن العالم العربي يمثل من حيث بنيته الاجتماعية المادية النفسية واقع أربع متحدات متمايزة ..؟؟

 ● علم الاجتماع العربي لم يتناول هذا الموضوع لكنه لاحظ أن هناك تنوعاً كبيراً ضمن المجتمع . و هنا كلمة تنوع يمكن أن تستعمل بشكل واسع كما بشكل ضيق كأن تقول عن المجتمع السوري أنه مجتمع عربي و أن تقول مجتمع جزائري أو مجتمع مغربي .
في كتابي " المجتمع العربي المعاصر " ناقشت مسألة التنوع و الوحدة , و في أي ظروف يكون هناك مزيد من التفسخ و في أي ظروف يكون هناك مزيد من الاندماج الاجتماعي . بمعنى إذا أخذنا العالم العربي ككل نجد تنوعاً هائلاً و تفسخاً , و أيضاً لو أخذنا كل بلد على حده نجد أن هناك تفسخاً كلبنان و العراق و السودان و اليمن .. إلخ .. برأيي أن العالم العربي يعاني من مشكلة مدى وجود اندماج اجتماعي , بمعنى أن يكون هناك تنوعاً و في الوقت نفسه نوع من الوحدة , و بمعنى آخر كيف يمكنك أن تصنع وحدة دون أن تلغي التنوع ..؟؟ ثم كيف يكون لدينا التنوع الإيجابي الذي يغني المجتمع بتجارب مختلفة دون أن يسبب تجزئة أو تفسخاً اجتماعياً و سياسياً ؟؟ أعتقد أن هذا السؤال .. هو من أهم الأسئلة . لهذا أرى أنه من الممكن التفكير بمتحدات أربعة كمتحد سورية الطبيعية الذي يشكل وحدة و كذلك وادي النيل و المغرب و الجزيرة العربية .
و لكنه لا يعني نشوء هذه الوحدات أن يسبب هواجس عدائية بل يجب أن تعطي نوعاً من الخصوصية و هنا أؤكد على هذه الخصوصية مع الانفتاح لأن الخصوصية يمكن أن تستعمل دافعاً للانعزال و التباعد بين المتحدات الأربعة , و أنا شخصياً أعتقد أن العالم العربي هو واقع أربع متحدات , و لكن يجب أن نفهم هذا الأمر بمعنى إيجابي بحيث يقود إلى مزيد من التفاعل و الانفتاح دون أن يشكل سبباً للعزلة , و نحن نعلم أن التيارات التي ركزت على العزلة تفسخت هي ذاتها من داخلها . فهؤلاء الذين يقولون بالعزلة وجدوا حتى المنطقة الصغيرة المقترحة لتمثل هويتهم - حسب ما يرون - لا تعفيهم من التجزئة و التفسخ إضافة إلى العزلة .

●● برأيك .. ما الإضافات التي أسهم فيها أنطون سعادة عبر مؤلفه " نشوء الأمم " على علم الاجتماع بشكل عام " و علم الاجتماع العربي " بشكل خاص ؟

 ● أعتقد أن الإضافة الأساسية التي أضافها سعادة هي أن السياسة يجب أن تحلل و تفهم من منظور الواقع الاجتماعي , بمعنى التحليل السياسي في الإطار الاجتماعي . شخصياً و كعالم اجتماع أعتقد أن مثل هذا الفهم هو من أهم الإضافات .بمعنى أن أفسر السياسة و الأدب و الدين و المعتقدات و الصراع الفكري ضمن الواقع الاجتماعي  . فمجرد معالجة سعادة لمسألة الهوية في إطار اجتماعي تاريخي يعتبر تقدماً في الاتجاه الصحيح لتحديد الهوية السياسية للمجتمع . و لا أعتقد أن بإمكاننا فهم الأدب أو السياسة أو الدين أو الثقافة خارج إطارها الاجتماعي . " فنشوء الأمم " كان سباقاً في هذا المجال حيث يبدو الفرق واضحاً بين المفكر الاجتماعي عندما يقرأ المسألة السياسية و بين السياسي الذي يكتفي بالتحليل العام المرحلي خارج الإطار التاريخي و الاجتماعي .

●● بالنسبة لإشكالية اللغة في الرواية , هل نحن أمام قبول للفصحى و رفض للعامية أم العكس ؟ أم أننا مع الأخذ بمفهوم " اللغة الوسطى " كما يطرحها عبد الرحمن منيف ؟

 ● اللغة , كائن حي و اللغة العربية الفصحى هي لغة متطورة و كذلك العامية . و أرى أنه مع الوقت يمكن أن يحصل المزيد من التفاعل و التأثير بينهما و هذا التفاعل يساعد تدريجياً و بمرور الوقت على ظهور لغة واضحة و فاعلة و مفهومة .
و أرى أن على الكاتب أن يعبر بصدق و دقة و إيحاء , و في الوقت ذاته , عليه أن يوصل الفكرة إلى القارئ في مختلف البلاد العربية و يكون واضحاً و مفهوماً و هنا تكمن الأزمة .
و الطروحات التي تتناول هذا الأمر تختلف في مشاريعها , فهناك طروحات نخبوية و أحياناً أصولية ترفض اللغة العامية فمثلاً أحد رجال الدين في الجزيرة العربية يقول عن اللغة العامية أنها لغة الرعاع , فالشعب بالنسبة له رعاع , طبعاً هنا ينطلق من مفهوم السلطة الرسمية المركزية , و مثلما استعملت اللغة العامية لأغراض سياسية كما عند سعيد عقل مثلاً , استعملت هنا اللغة الفصحى لأغراض سياسية أيضاً غايتها فرض الثقافة الرسمية . و لكن إذا قلنا أن هناك ثقافات ضمن الثقافة بمعنى أن هناك الثقافة السائدة و ثقافات تتفرع عنها و ثقافات مضادة لأمكننا في هذه الحالة أن ننظر إلى التعبير الشعبي على أنه جزء من التنوع الثقافي . و الثقافة المضادة إذا استعملت في إطار التعبير الأجمل عن الواقع الذي نريد أن نوصله باعتقادي هذا شيء بالنسبة لي مقبول و جميل , و لكن عندما ننطلق من مفاهيم سياسية أو نخبوية تصبح المسألة ليست مجرد مسألة أدبية بقدر ما هي مسألة سياسية لأغراض خاصة و أيديولوجيا خاصة .
بالنسبة لي أترك المجال للتعبير أن يأخذ أشكاله و حيويته من الحياة اليومية , و أعتمد على تعبيرات ذات لغة سليمة و مستمدة من لغة الشعب اليومية , لأن التعابير التي نشأت في حياتنا اليومية لم يتناقلها الناس إلا لأنها فعالة , و لا يمكنك أن تعبر عن الأشياء في بعض الأحيان إلا إذا لم تقدم لك اللغة الفصحى الرديف المناسب , و يمكن حينذاك أن تستخدم التعبير الشعبي فيكون حميمياً أكثر .

●● الأستاذ أنطون مقدسي قال في مقابلة أجريتها معه أن الرواية
" العربية " مازالت تقليداً لرواية بلزاك هل تشاركه هذا الرأي ..؟؟
 
 ● ما أراه هو أن الرواية العربية تجاوزت مرحلة التقليد للرواية الغربية  و خاصة بلزاك . يمكن أن نقول أن هناك روايات مازالت تحاكي رواية بلزاك و لكن ثمة تجارب روائية تجاوزت مرحلة التقليدي سواءً للرواية الغربية أو للروائيين العرب الأوائل , و من الإنصاف أن نقول أنه تنشأ حالياً رواية " عربية " خالصة , خاصةً أن الرواية لم تكن جزءاً من التراث الأدبي عند العرب .

●● فلننتقل إلى الدكتور حليم بركات الروائي .., إلى أي حد يتدخل عالم الاجتماع حليم بركات في بناء روايته و أحداثها و شخوصها ؟

 ● له حضور كبير .., و دائماً كنت أحاول التوفيق بين عالم الاجتماع و الروائي , و هذا لا يعني أن الكتابة الأدبية هي أفكار اجتماعية , أو تعبير عنها , بل هي تجربة بالدرجة الأولى . فالرواية عندي تجربة . و لكن أستفيد من معرفتي بالمجتمع و بالنفس الإنسانية  لأبلور هذه التجربة , و في الوقت نفسه أشدد على الجانب الفني الإبداعي . فحين كتبت رواية
" ستة أيام " كنت أريد القول أن المجتمع محاط بتحدٍّ تاريخي كبير ,.. هذه هي الفكرة , و لكن ليس هذا فقط ما كنت أريد قوله , و في رواية " الرحيل بين السهم و الوتر " كان من الصعب جداً أن أحدد علاقة المرأة و الرجل في المجتمع , و وجدت أن من الصعوبة بمكان أن تكون أن تكون هذه العلاقة صحية وسط مناخ غير صحي و غير طبيعي , و لهذا لم أضعها في شكل اجتماعي مباشر كعالم اجتماعي بل وضعتها بشكل فني فكانت هناك استفادة من العلوم الاجتماعية و الأبحاث التي قمت بها ,.. إذاً أنا أستعمل في أدبي العلوم الاجتماعية كمصدر معرفي لا أكثر , حيث أضعها و أصيغها في قالب فني إبداعي .

●● ما سر هذا الحضور البارز للمكان ,.. و أقصد قريتك " الكفرون " في روايتك " طائر الحوم " .. فهي توحي كأن علاقتك مع المكان الآخر ينتابها بعض الخلل ؟

 ● أحد النقاد المغاربة حين كتب عن هذه الرواية سماها " بطولة المكان " و الحقيقة أنا لم أكن أفكر حين كتبت " طائر الحوم " وفق هذا الأسلوب لكن حين قال ذلك , لمست أنه قبض على الشيء المهم في الرواية . أنا في تلك الرواية أردت الحديث عن تجربة مررت بها كوني أعيش في واشنطن الآن . فالحنين تدفق و العودة إلى الجذور انبثقت , و أضيف أيضاً مسألة السن أو العمر , فكانت الرواية نوعاً من الانتقال السريع بآلية التداعي النفسي بين عالم الكهولة و عالم الطفولة , بين عالم المدينة الأميركية التي أعيش فيها و عالم القرية السورية التي عشت فيها طفولتي .
في طائر الحوم كان التركيز على التجربة النفسية و لكن المكان يحتل أهمية خاصة في هذه التجربة النفسية فهل هي الطفولة ؟ هل هو المكان ؟ أعتقد أن كلاهما معاً .
فالطفولة في القرية تقودك إلى إيمان عميق و ثقة عميقة بمحيطك الاجتماعي و الجغرافي , أي بالمكان , فأنت تكتشف هذا المكان دون خوف بينما الطفولة في المدينة تكون عبر علاقة حذرة من المكان و من الآخرين و لذلك فالطفل عندما يعبر الشارع في المدينة لابد له أن يستند على ذراع أمه ليعبر سالماً , بينما في القرية أنت تستطيع أن تكتشف عالمك بحرية و يكون اكتشافك دون خوف أو قيد أو حذر . لهذا فعلاقة ابن القرية مع بيئته بنوعيها الاجتماعي و الطبيعي هي علاقة محبة للآخرين و للمكان .

●● هل تقصد أن الذاكرة في " طائر الحوم " كان حضورها طاغٍ على الخيال ؟

 ● إذا قصدت بالذاكرة الشيء الواقعي فجوابي نعم . فكل الأشياء التي ذكرتها كانت واقعية و بعض هذه الأشياء التي ذكرت كانت منسية في الطبقات العميقة من الذاكرة , و مع العفوية التي استرسلت بها وجدت أن هذه الأشياء تداعت و تدفقت ,.. طبعاً هذا يعني أن الذاكرة غير منفصلة عن الواقع الذي نعيشه , فطائر الحوم هي رواية ذاكرة مستمدة من الواقع الذي مايزال يعيش و يؤثر في جوهر سلوكي ... و العودة إلى الذاكرة يكون من خلال الأزمات التي يعيشها الإنسان في الوقت الحاضر . و كما قلت في سؤالك ... إذا كان لديك تأزماً من المكان الذي تعيش فيه الآن أو تأزماً في العلاقة مع الوطن فلا بد أن تعود إلى جذورك و إلى صورك القديمة .

●● بعض رواياتك ترجم إلى اللغات الإنكليزية و اليابانية و الفرنسية ..’ برأيك كيف كانت ردود الأفعال تجاهها في المجتمعات الأخرى التي قرئت فيها .

 ● لا أعلم عن ردود الأفعال تماماً و لكن أعرف أن هناك إقبالاً على قراءتها حيث طبعت أكثر من مرة , و أكثر مما طبعت باللغة العربية هذا بالنسبة لروايتي " ستة أيام " و " عودة الطائر إلى البحر " اللتين ترجمتا إلى اليابانية . و بالنسبة لعودة الطائر إلى البحر طبعت بالإنكليزية أربع طبعات بينما طبعت باللغة العربية مرة واحدة .
بالنسبة لي يهمني القارئ العربي أولاً , لأنه يقرأها بشكل آخر , و أقصد ليس للإطلاع فقط كما في الغرب و إنما باهتمام و تفاعل مع القضايا التي تطرحها الرواية .

●● لو سألتك - و أنت القادم من أميركا - عن حرب الخليج و تأثيرها على الجاليتين السورية و العربية هناك .. ؟؟
 ● كان تأثيرها عميقاً جداً و هذا عائد لسببين : الأول : هو نوع اللغة التي كانت تستعمل في النظرة إلى العرب لغة الإهانة و الإذلال التي سببت لنا جرحاً عميقاً سواءً من الناس العاديين أو الرسميين . و المشكل أنهم هناك لا ينظرون على قاعدة أن هذا سوري و هذا عراقي و هذا مصري أو سعودي .. إلخ بل على قاعدة أن هؤلاء كلهم عرب فالموقف السلبي شمل الجميع . حتى أنه كانت هناك محاولات كبيرة لاستجواب عدد كبير من العرب و كان لدينا تخوف من الاعتداء علينا .

أما السبب الثاني : فهو الخلافات التي احتدمت داخل العالم العربي و بيننا أيضاً و لكن بشكل أخف وطأة . و لكي أتمكن من التعامل مع هذا الوضع كنت أدون يومياتي خلال تلك الحرب . و يمكن أن تصير مشروع كتاب سميته " يوميات من جوف الآلة " و هو تعبير عن مشاعري و تسجيل لها و توقعات لما يجري و سيجري .

* مواليد كفرون-الشام . أستاذ في جامعة جورج تاون – واشنطن
* دكتوراه في علم الاجتماع من جامعة ميتشغان – أميركا .
* مؤلفاته : المجتمع العربي المعاصر – رواياته : القمم الخضراء 1956 - الصمت و المطر- ستة أيام - عودة الطائر إلى البحر 1969 - الرحيل بين السهم و الوتر - طائر الحوم .


* هذا الحوار كنت أجريته مع الروائي الصديق الدكتور  حليم بركات عام 1991 ونشر في مجلة صباح الخير – البناء اللبنانية في 7\ 9 \ 1991\ وهو ينشر الكترونياً للمرة الأولى.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: حسام مطلق في 2008-07-19 13:01:06

لست ارقى إلى ما يجعلني قادرا على نقد الأستاذ حليم بركات ولكنني في تنبيهي للنقاط التالية اعبر عن راي واستمزج بالتوقفات التالية فكرة ارجو ان تصل :  
أولا- يقول أستاذنا ( مفهوم الجذور يجب أن يكون عميقاً و واسع الأفق ) . اتفق على ضرورة تعميق مفهوم الجذور بحيث يكون متصلا مع البداية الأولى وألا يقتصر على فترة تاريخية, كأن يختصر تاريخ العرب بالإسلام, فبغض النظر عن رأي البعض في ذاك التاريخ, فإننا مدعون إلى الانتماء إلية لكونه مشكل الكينونة التي تعطينا الهوية وليس لما يتوافق منه مع قيمنا اللحظية التي يجب الا ننسى أنها صناعة القسرية الإسلامية من هنا تبرز أهمية اشارة الاستاذ بركات الى ان يكون وعينا للتراث واسع الافق . ربما لا يعلم البعض وربما لا يريد ان يعلم ولكن وفقا لتحليل مخارج الحروف في تحديد منبت الكلمات فإن كلمة قرآن ليست عربية بل فارسية وفي خانتها تقع كلمة زمان وألفاظ أخرى كثيرة يستخدمها الفرس اليوم كما شعوب ما وراء النهرين وصولا للهند على أنها عربية. لقد كان صدر العرب واسعا فقبلوا وقولبوا الكثير من الكلمات وأعادوها لمنتجيها على أنها عربية. للعربية خصوصية على باقي لغات الأرض, انها ليست لغة طبيعية هي لغة ذكية. ربما يحتاج شرح هذه الفكرة الى كتاب ولكن لمن يحسن الالتقاط سوف اقول التالي : كل لغات الارض هي نتيجة لغباء الشعوب, نتيجة لتراكم تجارب النجاح والفشل, ولمن يدقق فيها يجد عجائب من الغباء صنعتها وجاءت ايام بيض رممت ما استطاعت, قد افرد مقالا لتوضيح ذلك لاحقا, ولكن عودة الى العربية فإنها لغة قانون أي حين يأتي جديد انت لست ملزما بغباء الجيل الذي يتحدث العربية فالناطق ملزم بإدخال الكلمة الى المختبر اللغوي وتطبيق الشروط الفيزيائية الصحيحة كي يحصل على النتيجة المسايرة للسياق, هذا في باقي لغات الارض لا يحدث. لذا فإن اصرار البعض على قوقعة الأصالة والتراث بالارتباط بما هو قديم ممارسة سطحية تشبه ما تقدمه قناة روتانا للطرب حين تصنف كل ما هو اسود وابيض على انه طرب بما فيها اغاني سميرة توفيق وفاهد بلان.  
تطور الامم منوط بجملة عناصر, الانفتاح أحدها, ولكن اهمها هو قدرة الجيل الحامل للواء المعرفة على ايجاد الخيوط الدقيقة بين المفاهيم الفكرية وبرأي التميز بين النمطية والأصالة قضية تحتاج الى نقاش واضح ومستفيض هو لايحدث بسبب الاصرار الرسمي على عدم الخوص في النقاش الفرضي من باب سد الذرائع. 
2- عبر عن الصوفية ضمن الفهم الشائع لها, المزارات والاولياء, ربما كانت هذه هي الصيغة الاسلامية للصوفية او هي الصغية الجاهلة للصوفية عموما ولكن اصل الصوفية هو اقدم من كل الاديان وربما من البحث فيها تحررت الاديان كفكرة تطبيقية سطحية. ان يكون للكون اله وعلاقة الانا بهذا الاله سؤالان فلسفيان كبيران هما اساس الفكر الصوفي إلا ان التعبير عن هذين السؤالين او محاولة الاجابة عنهما تأخذان شكلا مرتبطا بالواقع للحظي للمتصوف ومدلولات ذاك الواقع واستعارة من الاستاذ بركات (فمثل هذا لا يأتي عن اختيار عقلاني و سياسي , بل عن اختيار الواقع الاجتماعي ) من هنا كان المتصوف في الفكر اليوناني ارسطو وكان في الفكر العربي الحلاج وهو اليوم ربما كاتب مسرحية يرمز الى ما يخالجه من تساؤل بحوار بين شخوص مسرحيته. اعتقد انها واحدة من اكبر الاخطاء التي ترتكب في تحديد المفاهيم ان يشار الى الصوفية على انها الصوفية الاسلامية وان تغتزل في الدراويش والمزارات. 
3- لا احد يختلف في ان التعبير يجب ان ينبثق من واقع الحياة ولكن هل هناك فعلا امة في التاريخ لا يحسن ابناءها لغتها؟. هنا السؤال الكبير. استعير هنا من فرناندوز بيسوا من كتابه اللاطمأنيية " ملامستك لقدمي المسيح لا تبرر لك الخطأ في علامات الترقيم " جهلنا بلغتنا الأم نتحمل جزء من مسؤوليتها بشكل فردي ولكن الجزء الأكبر يقع على عاتق اللذين حشرونا في زاوية معرفية ضيقة وقالوا لنا كونوا وانتظروا أن نكون دون بناء أو تراكم بل تركونا للكلمات التامات كي تفعل فعلها في خلق الجيل. 
4- اعتقد ان الاجابة التالية اختصرت مرارة الواقع الذي نعيش فيه ( لا أعلم عن ردود الأفعال تماماً و لكن أعرف أن هناك إقبالاً على قراءتها حيث طبعت أكثر من مرة , و أكثر مما طبعت باللغة العربية ). 
5- وحيث ان المحاور سأل الاستاذ عن مفهوم الامة فإنني من المؤمنين أن دلالة الامة, أي امة, تستمد دائما من اجابة اللاشعور على السؤال وهنا كانت اجابة اللاشعور لانها كانت تخص فكرة اخرى بيد انها عبرت عن مفهوم الأمة ( المشكل أنهم هناك لا ينظرون على قاعدة أن هذا سوري و هذا عراقي و هذا مصري أو سعودي .. إلخ بل على قاعدة أن هؤلاء كلهم عرب فالموقف السلبي شمل الجميع ) .
الاسم