|
|
|
|
| مواقع سورية |
|---|
مرصد الطائفية
مختارات متنوعة
المُواطنة في زمن العولمة | المُواطنة في زمن العولمة |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | |||
| 21 تموز 2008 الساعة 22:53 | |||
|
د.امحمد مالكي - جريدة أوان
استَعرتُ عنوانَ هذا العمود من مؤلف « السيد يسين»، الصادر عام 2002 عن « المركز القبطي للدراسات الاجتماعية في القاهرة».. ليس مقصدنا الإشارة إلى الكتاب والإشكاليات الفكرية التي تمت مُقاربتها، بل الغرض الوقوف عند القضايا النظرية التي دخلت مجالَنا المعرفي في سياق التداول المكثّف لمفهوم « العولمة» والإتساع الجغرافي والحضاري للظاهرة نفسِها. فالحاصل أن لكل من «العولمة» و«المواطنة» مرجعيتها الخاصة. فالعولمة بما هي « سيرورة اقتصادية واجتماعية وسياسية جديدة في تطور المنظومة الرأسمالية»، تروم « الجمع بين المحلي والعالمي والفردي والإنساني» في اتجاه انبثاق « المجتمع الواحد»، ولربما « الحكومة الواحدة» تُحيلُ على مرجعية قيمية وسياسية مختلفة عن مرجعية «المواطنة»، حيث يكون الولاء للدولة، باعتبارها وحدةً بشريةً مستقرةً فوق إقليم ترابي محدد، تلحم عناصرَه مقوماتُ التاريخ والثقافة والدين والعيش المشترك. فمن الجدير بالملاحظة أن المتغيرات العميقة التي طالت بنية النظام الدولي، ورسَّمت القسمات الكبرى للعولمة، ورسَّختها كظاهرة مُمَيَّزة نهايةَ القرن العشرين ومستهل الألفية الجديدة، قد فعلت فعلَها في استيلاد وعي جديد قوامُه أن الإنسان لم يعد شخصاً طبيعياً بخصائص محلية ، بل كائناً بشرياً بسمات وأبعاد عالمية، حجَّة أنصار هذا الرأي في ذلك الثورة المعلوماتية الجارفة التي ألغت الحدود وقرَّبت المسافات، وفتحت أبوابَ التواصل بفضل الشبكات العنكبوتية، وتكنولوجيات الاتصال جد المتطورة.. بل إن وفرةً من الأدبيات لا حصرَ لها شرعت في تداول وتوظيف مفهوم «المواطنة العالمية» أو « المواطن العالمي» .. فهل نحن فعلاً أمام انتقال حقيقي من « المواطنة المحلية» إلى «المواطنة العالمية»؟، وهل ثمة ما يؤكد صدقية ميلاد ما قد يُسمى « الإنسان العالمي»؟. لعل من الأهمية بمكان التشديد على أن « العولمة»، وإن حملت عناصر كثيرة دالَّة على حصول تغيُّر نوعي في بنية النظام الدولي، قد انطوت، بالمقابل، على مفارقات من شأنها الإقناع باستحالة تحقق مفهوم « المواطنة العالمية» على صعيد الواقع. إذ علاوة على المقاومات التي عمّت العديد من المجتمعات وخلقت لدى حركاتها قدراً متصاعداً من الممانعة لظاهرة العولمة وتأثيراتها الخطيرة، شهد العالم في سياق هذه الأخيرة قرابة خمسين حرباً في مجمل مناطق المعمور، ظل العنوان الأبرز فيها الدفاع عن الهويات المحلية بألوانها الدينية والتاريخية والُإثنية والثقافية.. بل إن انقساماً عمودياً وأفقياً طال منظومات ودولاً كثيرةَ، ومازلنا نشهد بانتظام سعياً حثيثاً إلى تأجيج النزعات المطالِبة بالانفصال تحت ذريعة استرجاع الهويات المفقودة. وفي الطرف الآخر من هذه المفارقات سمحت تكنولوجيات الاتصال الحديثة بإمكانيات هائلة للتشبيك Networking والتفاعل الرقمي وولوج فضاءات ظلت مُغلقة على الدوام، بل إن تكتلات بشرية من جنسيات وحضارات محتلفة خلقَت لنفسِها فرصاً فعليةً من التواصل والعمل المشترك، وهو أمر لا يقتصر على حركات الممانَعة المناهِضة للعولمة وقيمها فحسب، بل يخُصُّ كذلك مؤسسات الاقتصاد والمال والتجارة، وكل ما يدخل في خانة الخدمات الإلكترونية الجديدة. نستبعدُ في الزمن المنظور إمكانيةَ استبدالِ «المواطنة» المؤسَّسة على فكرة الدولة الوطنية أو الدولة الأمة بـ«المواطنة العالمية»، أو حلولِ الثانية مكان الأولى، بسبب أن الدولة هي الكيان الأقدر دون سواه على صهر الناس ولحم نسيجهم المجتمعي، وجعل الولاء المؤسَّسِ على الحقوق والواجبات ممكناً وقابلاً للتجسيد، في حين ستظل « المواطنة العالمية» مفهوماً ملتبساً، غامضاً، وعصيّاً على الإدراك، لاعتبارات ذات صلة مباشِرَة بطبيعة النظام الدولي نفسِه، وبجدلية الصراع والتدافع الناظِمة لمكوناته وأطرافه. ونميل إلى الظن، من زاوية ثانية، أن مفهوم « المواطنة العالمية» سيظل براقاً وجذاباً، طالما استمر سلطان الدولة الوطنية في التآكل والضمور، وحيثما بقيت أركان الدولة مهتزةً ومتراجعةً أمام اللاَّعبين الدوليين الجدد، الذين تزايدت قدراتهُم واستقام نفوذهم في مواجهة هيبة الدولة الوطنية ووصايتها. والحال أن سيلاً من الأدبيات ماانفك يشدد أنصارُهُ على أيلولة الدولة الوطنية إلى التراجع التدريجي، ولربما انقراضها في النهاية، لتفتح المجال أمام الاتحاد العالمي. ففي مؤلفه «انقلاب العولمة»، يرجع الباحث الفرنسي «برتراند بادي» انكماش الدور المركزي للدولة القومية إلى ثلاثة مصادر، هي على التوالي: عدم الاتساق المعرفي ما بين السلوك السياسي للدولة والبيئة الدولية والداخلية والمعلومات التي تتلقاها، ثم نزعة التمركز الاقتصادي المُستنِدة إلى سيطرة الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات الدولية والتكتلات الاقتصادية، وهو ما أفقد الدولة إحدى وظائفها المفصلية المؤسِّسة لشرعيتها، أي تحقيق الرفاه للمواطنين أفراداً وجماعات، إضافة إلى نزعة التشتت الاجتماعي التي أفقدت الدولة قدرتها على ضمان استمرار تماسكها الاجتماعي الداخلي. ومع تقديرنا لوجاهة الاعتبارات المومأ إليها أعلاه، نعتفد أن دور الدولة الوطنية مازال موجوداً ومطلوباً لاستكمال الوظائف المؤسِّسة لشرعيتها وحماية ديمومتها فاعِلة في الحياة اليومية للأفراد والجماعات، ليس في الأمصار التي صعُب عليها توطيد الاندماج الوطني وتمتين الولاء لكيان الدولة القومية فحسب، بل حتى في البلدان التي توطنت فكرة الدولة في كيانها المجتمعي، وغدت قيمة مشتركة في ثقافتها السياسية.. لذلك، ستظل «المواطنة» باعتبارها حالة متقدمة من الوعي السياسي الجمعي، وعنواناً بارزاً لانتقال الأفراد من الولاءات الأولية والبدائية القبائل والعشائر والطوائف إلى نمط جديد أكثر نضجاً وعمقاً واتساعاً من حيث الحقوق والواجبات حاضرةً ومتجددةً، غير أنها، بحسبها لازمةً للدولة القومية، تحتاج إلى قدر كبير من الديمقراطية كي تُنتج مفعولها على الأفراد والجماعات. فالعولمة ليست، كما يتم الترويج إلى ذلك، نفياً للمواطنة المحلية، أو تعويضاً واستبدالاً لها، إنها سيرورة فعلية وواقعية في تطور المنظومة الرأسمالية ليس إلا. ومن هذه الزاوية بالذات، نعتقد أن من الممكن جداًّ للعولمة أن تلعب دوراً محفِّزاً ومساعداً على انبثاث قيمة الديمقراطية في المجتمعات التي عزَّ على دولها الانعطاف الفعلي نحو الديمقراطية، بفعل الإمكانيات والفرص الكبيرة التي تتيحها في مجال التواصل والاتصال والتفاعل الأفقي والعمودي بين الشعوب والأفراد.
|
|||
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|