أخبار Google
Google News العالم العربي
Google News العالم العربي
 
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

مواقع سورية
في سورية
البداية arrow هل سرق أحدهم فكرتك؟ arrow مجتمع arrow أسباب وجيهة ..!!
أسباب وجيهة ..!! Print E-mail
هلوسات - مجتمع
بقلم: المحامي موسى شناني   
30 تموز 2008 الساعة 12:11
   يقال في كثير من فروع المعرفة وعلم النفس أن طريقة تعليل الأحداث وربط النتائج بالمقدمات ، تدل بشكل كبير ، على طريقة التفكير ، والعقلية ، بل إن أولى موجبات العقل هي : تعقل الحدث ، أي إدراكه بشكل صحيح عن طريق معرفة : الأسباب والنتائج ومن ثم تعقلها : ربط الأسباب بالنتائج .. وعكسها : عندما ترى نتيجة ما .. تستطيع أن تخمن أسبابها . وإذا ما نجحت في ذلك ، وكان ربطك منطقيا وعقلانيا ( علميا ) فهذا يعني أنك كائن عاقل وتستطيع أن تقدم دائما " أسبابا وجيهة " لتصرفاتك أو لنتائج أعمالك ، أما إذا لم يحدث ذلك ، وراح ربطك للأحداث بشكل مغاير .. وأرجعت حوادث الأمور إلى أسباب وهمية أو غيبية ، فهذا يعني أنك ما زلت تسبح في ... الخرافة.


        لن نعرض لـ " سيكولوجيا الإنسان المقهور " في التفسيرات الخرافية ، والتبريرات الوهمية لوضعيات الفشل والقهر والحرمان والاستلاب .. موضوعي أقل من ذلك بكثير وأريده خفيفا على المعدة .

    ربط النتيجة بالسبب ، يعني بالضرورة إدراك " العلاقة السببية " ما بين أي حدث وسببه . هذه العلاقة السببية لا تقتصر أهميتها على المنطق وتعقل الأمور فقط ، بل لها أهمية كبيرة جدا وأساسية في تحمل : المسؤولية ! هذه العلاقة السببية يهم الكثير بنفيها حين تريد أن تنسب لهم نتيجة ما ، فيبادرك بالقول : ( والله العظيم ما لي علاقة ) !

    ولذلك أفرد فقهاء القانون الجزائي بحوثا وأبواب لشرح وتفصيل " العلاقة السببية " باعتبارها ركنا من أركان المسؤولية الجزائية ، فلا يكفي أن تطلق النار على شخص فيموت حتى تثبت مسؤوليتك الجزائية عن إزهاق الروح ، فلا بد أن يثبت أن الطلق الناري هو الذي أدى إلى الوفاة ، فلربما يكون الشخص قد وافته المنية خوفا حين أشهرت المسدس بوجهه .. هنا يختلف التوصيف .. لأن العلاقة السببية انقطعت ما بين إطلاق النار والموت .. والوفاة ارتبطت بعلاقة سببية مع حدث آخر .. المهم أن المسؤولية لا تقوم لمجرد وقوع " فعل جرمي + نتيجة جرمية " بل لا بد من قيام العلاقة السببية ما بين الحدثين ، وهذا يعني بالضرورة ، التثبت من أن فعل هذا الشخص هو بالتأكيد الذي أدى إلى تلك النتيجة ، ولذلك إذا انقطعت العلاقة السببية ما بين الفعل والنتيجة ، فلا يسأل الشخص إلا عن فعله .. كما لو قمت بضرب شخص على وجهه فكسرت أنفه وأسعف إلى المشفى .. ثم شب حريق في المشفى .. فمات .. فلا تسأل إلا عن الضرب ، ولا يجوز القول : أنه لو لم تضربه أنت لما دخل المشفى ، ومن ثم لما كان قد أدركه الحريق !! إن " لو " هذه غير مقبولة في المنطق .. ولا في القانون .. وفي المأثور المقدس قيل : إن لو تفتح عمل الشيطان . وفي المأثور الفرنسي مثل يقول : إن لو تجعل برج إيفل ينفذ من ثقب إبرة . وكم ضحكت ذات مرة حين أراد محام أكبر مني بسنين أن يقيم دعوى على شخص افتض بكارة صبية ، فقتلها شقيقها ، فسألني ، فضحكت وقلت : لا شك أن عقلي لا يستطيع أن يربط ما بين ممارسة الجنس .. والموت قتلا بالرصاص !!.

    لذلك ، إذا لم تقم العلاقة السببية ، وتم ربط علمي منطقي للنتائج بأسبابها ، فلا يمكن القول بقيام المسؤولية ، ومنه : لا يمكن القول بأن عدم إنجاب فلانة من الناس سببه قيام ضرتها بعمل " كتيبة " لها عند مشعوذ .. فأعمال الشعوذة في القانون لا يبنى عليها مسؤولية جزائية .. وهذا الحكم طارئ لم كذلك في العصور الغابرة حيث كان للسحر وأعمال الشعوذة والتعاويذ حضورا بحيث كان الناس يعتقدون أن تلك الأفعال تسبب الكثير من النتائج : بدءا بالمرض .. والعقم .. وفشل الحب .. وانتهاءا بهزيمة الجيوش في المعارك .. مرورا بغضب الأمير ومرض ابنه الصغير.
 
    إدراك علية الحوادث ، وأسباب النتائج ، يجنبك الوفوع في الأخطاء مستقبلا ، وتحقيق نتائج أفضل أيضا. البعض يعتقد بأن عدم حدوث النتيجة يرجع إلى حظه السيء أو أن القدر " يعانده " وأن القوى الخفية لم تقف إلى جانبه .. ربما هذا يذكرنا بالعبقري آينشتاين الذي كان قال بأن غباء الإنسان ليس له حدود مثل " لانهائية الكون " رغم أنه استدرك وقال أن الكون ربما يكون له حدود ولكن غباء الإنسان بالتأكيد لا ، هذا العبقري عرف السذاجة بقوله : ( أن تفعل الأشياء نفسها بالطريقة نفسها ، ثم تتوقع نتائج مختلفة ) هذا يعني فقدان ملكة " تعقل الحدث " .

    العقل الكسول ، وهذا وصف فيه شيء من التقدير ، أو العقل الخرافي ، يقوم بربط النتائج بغير أسبابها الحقيقية .. إذ لا وجود لإدراك حقيقي وعلمي ومنطقي للصلة السببية للحوادث. لذلك ، نرى حضور كائنات غيبية لها قوى خارقة تتحمل مسؤولية ما يحدث ونجد ، عند هذا العقل ، حضور تفسيرات غريبة عجيبة لما يدور.

    الحقيقة أن هذا ليس منشأه الجهل ، ولا تصدي الإنسان البسيط لتفسير أحداث لا يعي لها تفسيرا علميا أو عقلانيا ، ولكن قد يكون ذلك في أحيان كثيرة من قبيل الغش والتواطؤ والتدليس .

    فعندما تقوم بنسبة أمر معين ، لكائن علوي ، أو قوة خارقة ، فوق بشرية ، فهذا يعني تلقائيا ، أنك رفعت المسؤولية عن نفسك .. وأيضا : منعت غيرك من التصدي للحدث بتفسيره أو تغييره .. خصوصا إذا ما كان لصالحك .. لذلك نجد المجتمعات الجامدة والمتخلفة هي التي تسود فيها عقلية لا تنسب فيها الحوادث إلى علاتها الحقيقية ، فقانون العلية عندها ، منفي ومستبعد ، لأنه سيؤدي إلى التغيير ، الذي لا يريده الكثير ، ويهدد مصالح الكثير !.

    فالهزيمة ليس سببها تلك الأسباب ، ولكنها إرادة الله ولحكمة ما ، ولا اعتراض على مشيئة الله ، هكذا تكون الأمور مريحة أكثر .. وتحقق عدة أغراض في آن معا.

    وتخلفنا يصبح مرده خروج المرأة من البيت كما يدعي البعض ، وتراجع التنمية الاقتصادية يصبح سببها نشر الغسيل على الشرفات ، وأزمة الخبز يصبح سببها عدم قص الشعر بشكل جيد ، والبرود الجنسي بين الزوجين يصبح سببه عدم وجود مشروبات روحية جيدة ورخيصة في نفس الوقت !!

    البعض عنده قدرة فائقة ليس على التدليس فقط ، وإنما على ابتداع " روابط عجيبة " بين الأحداث والنتائج ، كأن يحاول شخص ما إقناعك بأن فشل ابنه له علاقة بعين زوجة أخيه مثلا !!.

    عندما تنجح في " تعقل الحدث " يصبح لديك " أسباب وجيهة " لتصرفاتك خصوصا وعلى سيرة " وجيهة " فإن جارتنا التي تحمل هذا الاسم عادة ما تتحفني بأسباب لبعض تصرفات لها ولزوجها وأولادها ، حتى أنني كونت من أعذارها وتبريراتها حزمة أطلقت عليها ما أطلقت على عنوان هذا المقال.

    عند " وجيهة " أعذار جاهزة لأي تصرف ، وأسباب " وجيهة " لأي حدث ، وروابط عجيبة أيضا تستطيع من خلالها ربط حركة الكواكب بمرض سرعة القذف عند زوجها .

    يبدأ موسم " الأسباب الوجيهة " كما لاحظت في كل سنة عند نشر نتائج امتحانات     الثانوية والعامة والتاسع وربما غيرها من الشهادات .. وكل يريد أن يقدم " سببا وجيها " لرسوب ابنه أو ابنته ، بحيث يرفع اللوم والمسؤولية عن نفسه وربما عن ولده أيضا فتسمع عجبا عجابا من " الأسباب الوجيهة " و" الروابط العجيبة " :
-   إحداهن قالت بأن سبب رسوب ابنتها هو مجيء شقيقها من السفر !!
-   أخرى قالت بأن ابنتها لم تكتب جيدا في مادة اللغة العربية لأنها كانت " معذورة "
-   رجل قال بأن ابنه رسب لأن هناك أستاذ " متحطط " على ابنه ويغار من عبقريته الفذة بالطبع.
-   وأخرى أرجعت سبب ضعف مجموع ابنتها لمسلسل " سنوات الضياع " إذ هي كانت متوترة جدا بشأن ابن " يحيى " ولميس.
    هذا لا يعني أنه يحق لنا التعميم ، فهناك صديق سألته عن سبب رسوب ابنه فقال لي بكل شفافية : ( لأنه جحش ، ما خرجو دراسة ) .
    حتى جارتي " وجيهة " صدمتني بتعقلها المفاجئ حين سألتها عن سبب رسوب ابنتها فقالت : واللهين جهلانة يا أبو المجد ، ليش الكذب !!.

أعتقد أن هذه العبارة " ليش الكذب " هي قمة تعقل الحدث !!.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: زائر في 2008-07-31 11:59:13

والله يا أبو المجد كلنا بهالأيام جهلانين. شكرا لموضوعك الممتع
الاسم