إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow فلسفة ، علوم و ثقافة arrow مجتمع و ثقافة في سورية arrow ترقا – تل العشارة 3000 – 700 ق . م
ترقا – تل العشارة 3000 – 700 ق . م Print E-mail
هلوسات - مجتمع و ثقافة في سورية
بقلم: د. بشار خليف   
03 آب 2008 الساعة 17:52
على ضفاف نهر الفرات الأوسط 
 
مع نهاية عصر فجر التاريخ \3500-2900 ق.م \ و بداية عصر فجر السلالات الذي تميزت فيه مدن عدة في الهلال الخصيب ، و لاسيما كيش و أوروك و ماري و إبلا و لاجاش و أور و بابل و أشور , و ما نشأ من صراع مصالح بين هذه المدن- الدول، و طغيان الانتماء المديني و عدم نضوجه إلى وعي اتحادي , لم تستطع المنطقة أن تكوّن وحدة سياسية إلا في بعض الأحيان نتيجة الحاجات الاقتصادية والبيئية والمائية .
و نشأت عن هذه التناحرات و الصراعات مراكز قوى استراتيجية في بعض المناطق الحساسة و لاسيما تلك التي تقع على خطوط التجارة و الملاحة التي تصل الشمال بالجنوب و الشرق بالغرب.
 و من هذه المدن أو المراكز كانت ترقا الواقعة في حوض الفرات الأوسط إلى الجنوب من مصب نهر الخابور في نهر الفرات .
 تبعد ترقا  حولي 60 كلم عن ماري - إلى الشمال – و تقع فوق تل يطلق عليه اسم تل العشارة .
أول الاكتشافات ( صدفة ) حصل العام 1910 على يد الرحالة الألماني أرنست هرتزفيلد الذي وجد رقيماً طينياً مسمارياً في التل ، و يذكر هذا الرقيم وجود معبد للإله  دجن في مدينة ( تر - قا - كي ) ترقا .
 و في العام 1948 عثر ,\ بالصدفة أيضاً\ , على نصب حجري آرامي يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد .
 و كل هذا لم يكن ليحدث لولا أن نهر الفرات ساهم في جرف حوالي نصف تل العشارة –عبر العصور- مما أدى إلى ظهور الآثار و اللقى من باطن الأرض إلى سطحها .
التنقيب المنهجي بدأ العام 1974 بواسطة بعثة أميركية برئاسة الدكتورة تيريزا كارتر , ثم انتقل التنقيب إلى الدكتور جورجيو بوتشيلاتي و مارلين كيللي من جامعة كاليفورنيا – لوس أنجلوس .
و يمكننا أن نحدد أهمية اكتشاف هذه المدينة بالنقاط التالية :
أولاً : أمدتنا الوثائق ( الرقم المسمارية المكتشفة ) بمعلومات مهمة تغطي فترة تمتد من سقوط ماري عام 1760 و حتى 1600 ق.م , و هي فترة انتابها بعض الغموض لعدم توافر الوثائق إليها و لاسيما في منطقة الفرات الأوسط و حوض الخابور الأدنى .
ثانياً : قدمت التنقيبات دليلاً آثارياً مهماً عن أضخم سور دفاعي لمدينة من الألف الثالث قبل الميلاد في منطقة الهلال الخصيب بأسرها .
ثالثاً : بعض اللقى الأثرية التي عثر عليها في المدينة قدم دليلاً على وجود تجارة مع الشرق الأقصى .

نتائج التنقيبات في تل العشارة

تؤكد اللقى المكتشفة في التل على أن زمن نشوء ترقا يعود إلى 3000 ق.م , و لم يعثر على لقى تعود إلى ما قبل ذلك .
 و لكن ثمة قرية قريبة منها عثر فيها على معطيات تعود للألف الرابع قبل الميلاد , ثم تنقطع هذه المعطيات مع حلول الألف الثالث قبل الميلاد ، ربما انتقل سكان هذه القرية - لسبب ما - إلى ترقا .
كانت ترقا في الألف الثالث قبل الميلاد تشكل مركزاً مدنياً , و الدليل على ذلك وجود سور دفاعي حصين و ضخم يحيط بالمدينة يبلغ محيط السور 2 كلم و سماكته 20 متراً ، و يتألف من ثلاثة أطواق من اللبن المتين , الطوقان الداخلي و الأوسط مصفحان عند قاعدتهما بالحجر الكلسي ، و يتقدم الطوق الخارجي فراغ يدور حول السور مشكلاً ممراً , و ثمة أبراج تبرز إلى الداخل و الخارج , و أحيط السور بخندق عريض .
التنقيبات أدت إلى العثور على قبرين لامرأتين يعودان إلى 2400 ق.م , و عثر في أثاثهما الجنائزي على حلي و فخار ، كما عثر على منشآت حرفية و تخزينية و تنانير تعود إلى 2500 ق.م , و أوانٍ و لقى برونزية و بنتيجة التحريات أن سور المدينة  جُدّد أكثر من مرة في ذلك الوقت .
و بدءاً من منتصف الألف الثالث قبل الميلاد أصبحت ترقا مركزاً للفاعلية التاريخية لماري التي كانت تسيطر على منطقة الفرات الأوسط و حوض الخابور من \ 2100-1760 ق.م \ . و يؤكد ذلك ما جاء في محفوظات ماري الملكية إذ عثر على حوالي 200 رسالة من ترقا موجهة إلى البلاط في ماري .
 و من المحتمل أن تكون ماري هي التي أسست ترقا كحصن دفاعي يحميها من الشمال بالإضافة إلى كونها مركزاً دينياً مهماً في منطقة الفرات الأوسط .
*و يعتقد أن السلالة العمورية التي حكمت ماري مع بداية الألف الثاني قبل الميلاد عبر أول حاكم لها و هو يجيد- ليم ثم ابنه يخدون- ليم الذي حكم بين 1825-1810 ق.م  قد نشأت في مدينة ترقا قبل أن تحكم مدينة ماري .
كانت ترقا تتبع فاعلية ماري خلال الألف الثالث قبل الميلاد ، و كان لها أهمية اعتقادية كما احتفظت بوظائف سياسية في وادي الفرات الأوسط في الألف الثاني قبل الميلاد ، إلى جانب وظيفتها الدينية . 
و تشير المعطيات إلى مساهمتها في تأسيس و تنظيم النشاط و الفاعلية الاقتصادية لمدينة ماري حيث تحولت إلى أحد المراكز الأساسية لمقاطعات مملكة ماري .
و تشترك ماري و ترقا في أن سيد الأرباب في كلتيهما هو الإله دجن .
 وقد قدم موقع ترقا أول رقيم مسماري يعود إلى حوالي 1900 ق.م حيث تحدّث عن غياب عدد من العمال لأسباب صحية .
بعد تدمير ماري يعتقد أن العائلة العمورية الحاكمة المتبقية من سلالة يجيد ليم عادت إلى موطنها الأصلي في ترقا .
ثمة لوحة تتضمن مشهداً طقسياً عثر عليها في ترقا هي بارزة و مصبوبة عثر على مثيلتها في ماري ما يؤكد أنهما صنعتا من قالب واحد ، وهذا يشير الى مبلغ التداخل والعلاقة الوشيجة بين المدينتين .

حين استلم يجيد- ليم حكم ماري\ مفتتحا" حكم السلالة العمورية في ماري \ ، وقع في صراع مع ترقا عبر حاكمها إلا- كبكابو والد شمشي أدد , كان يجيد- ليم يريد ضم ترقا إلى فاعلية ماري المتصاعدة بحيث تم طرد إلا- كبكابو الذي توجه إلى بابل عبر إيمار ثم استولى ابنه شمشي أدد على مدينة آشور و شرع في تحقيق حلمه الملكي .
يخدون- ليم ابن يجيد ليم ، لقّب نفسه ب \ملك ماري و توتول و بلاد خانا\  .
حصّن يخدون- ليم ماري و ترقا بالأسوار و الخنادق و حفر القنوات واضعاً نهاية للتقليد القائم برفع المياه للري .
في عهده كان هناك تحالفان في منطقة الفرات الأوسط حيث كان التحالف الأول يضم مدن إيمار – أباتم – توتول – سمانم , و الثاني ضم ترقا – ماري – سكّاراتوم , و في عصر زمري- ليم حلّ التفاهم بين الحلفين .
 وقد تبعت توتول فاعلية ماري في عهد زمري- ليم و كانت تحاول التحالف مع إيمار ضد زمري- ليم و مصالح ماري , و كان ثمة توجه من توتول لتكون تابعة لفاعلية يمحاض \ حلب .
كانت توتول تشكل مركزاً دفاعياً مهماً لماري و مركزاً لصنع القوارب و مركزاً تجارياً مهماً عبر مينائها و فاصلاً بين إبلا و ماري .
ذكّر حاكم ترقا ملك ماري زمري- ليم بأمر من الإله دجن أنه على الأخير تقديم القربان الجنائزي عن روح والده مرتين كل شهر .
بعد سقوط ماري 1670 ق.م تأسست في ترقا مملكة قوية عرفت بمملكة عانا حيث استمرت فاعليتها حتى 1500 ق.م , و قد أصبحت عاصمة إقليمية مهمة غير أنها لم ترقى إلى مستوى فاعلية ماري .
ظهر ماريون في موقع مملكة عانا حيث قدمت الوثائق أسماء لملوك صغار قد يكونون من ماري منهم : إيشارليم – إيكيش دجن .  
      

*مع بداية الألف الثاني قبل الميلاد " زمن الانقلابات الكبرى في الهلال الخصيب " على حد قول أندره بارو , نجد أن الصراع المديني استحكم بين بابل و أشور , و نتج عنه سقوط ماري و سيطرة آشورية ممثلة بشمشي أدد ( 1812-1782 ق.م ) ملك أشور الذي نصب ابنه \يسمع أدد \ ملكاً عليها . و هذا استتبع بالضرورة سقوط بقية المراكز التابعة لماري تحت الفاعلية الآشورية .
و مع عودة زمري ليم ملك ماري إلى عرشه بعد موت شمشي أدد ( 1782 ق.م ) عادت الفاعلية التاريخية لماري لتسيطر من جديد على توابعها .
 و لكن هذا لن يستمر إذ أن الفاعلية البابلية كانت بلغت نضجها المديني وفاعليتها التاريخية ، فسقطت ماري على يد حمورابي 1760 ق.م و دمرت نهائياً .
وقعت ترقا تحت التأثير البابلي لسنوات قليلة , و يبدو أن ثمة استقلالاً ذاتياً بدأ يظهر في ترقا بعد انتقال الفاعلية التاريخية من ماري إليها . و هنا ظهر اسم جديد لترقا هو خانا أو عانا, و أصبح ملك ترقا يلقب بملك خانا .
و بعد موت حمورابي امتد تأثير خانا و توسعت حدودها السياسية خصوصاً في الجنوب مع حدود بابل الشمالية , و هذا ما تؤكده الوثائق المكتشفة العائدة لتلك الفترة .
و يظهر أن حجم مملكة خانا – ترقا، صار يعادل حجم مملكة بابل .
وصل التنقيب الآثاري حتى السويات المعاصرة لفترة ماري . ففي فترة شمشي أدد عثر على سدادة طينية تحمل اسم الملك شمشي أدد , كما عثر على رقيم طيني يحمل اسم شهر لم يستخدم إلا في أيام ذلك الملك .
 و للفترة العائدة لحكم الملك كبري دجن في ترقا 1775 ق.م عثر على رقيم مسماري يتحدث عن إقامة مخزن للثلج ( بيت الثلج ) في ترقا أنشأه الملك زمري ليم , و رقيم يتحدث عن إنشاء الملك شمشي أدد لمعبد دجن في ترقا .
كما تم العثور على رقيم يتحدث عن جداول دوام لعمال غابوا عن عملهم لأسباب صحية و هو يعود إلى حوالي 1900 ق.م .
كما عثر أيضاً على معبد أسسه الملك قشتيلياش 1690 ق.م هو معبد نينكاراك , بالإضافة إلى بيت لرجل أعمال اسمه بوزوروم .
مخطط معبد نينكاراك يماثل المخططات المعمارية للنمط الرافدي , إذ أن قوائم الأبواب مفروزة و الأعمدة مندمجة في الجدران . و عثر في المعبد على كنز مطمور محفوظ داخل حقيبة و يحتوي على 3737 خرزة متنوعة من العقيق و الجاد و اللازورد و الكريستال الصخري و الهيماتيت . و بعض هذه الخرزات يحمل أشكال حيوانات . و وجد أيضاً تمثال كلب مصنوع من البرونز و طبعة لختمين أسطوانيين يحملان اسم نينكاراك , و هو اسم سومري لرمز الشفاء .
بيت بوزوروم : جرف الفرات نصف هذا البيت , و يبدو أنه تعرض للحريق في الزمن الماضي إذ عثر بداخله على أثاث منزلي و أدوات باقية في مكانها منذ 3700 سنة و حتى الآن . يتألف البيت من باحة سماوية متوسطة و ثلاث غرف . عثر في إحدى الغرف على مئة رقيم مسماري بعضها محفوظ داخل مظروف فخاري ممهور بخاتم .
تتحدث الرقم عن  شؤون إدارية تخص شراء عقارات و بيعها .
 و عثر أيضاً على 76 آنية فخارية في مكانها الأصلي ، و هذا الاكتشاف يضيء على فخار ذلك العصر في المنطقة , و لهذا يعتبر كشفه مهماً . و في إحدى الأواني عثر على " كبش قرنفل " و المعلوم أن هذا لم يستنبت آنذاك سوى في الشرق الأقصى , و لم يذكر في الهلال الخصيب إلا في العصر الروماني عند المؤرخ بلليني , مما يؤكد وجود تجارة مع الشرق الأقصى و بالتالي وجود طرق ملاحة و أسواق و أشخاص متخصصين في ذلك .
و لعل الاكتشاف المهم هو العثور على شبكة لتصريف المياه تقوم على كهريز عمودي قطره 80 سم , و ثمة مجروران جانبيان يصبان فيه , و هو على عمق 10 أمتار حيث يصل إلى المياه الجوفية . و لوحظ أن هذه الشبكة مجهزة بحوض و مصافٍ توحي بوجود خزان مائي .

في الألف الأول ق.م

يبدو أن الآراميين استوطنوا المدينة في تلك المرحلة و أطلقوا عليها اسم سرقو ( و تبعت فاعلية مدينة لاقي الآرامية ) , و كانت تدفع الضريبة للآشوريين . و ذكرت الحوليات الآشورية أن الجيش الآشوري سار لتحصيل الضرائب من الآراميين في سرقو , و عثر أيضاً على نصب حجري مكتوب عليه بالآرامية عن مرور جيش آشوري بقيادة الملك تيكولتي نينورتا الثاني حوالي 700 ق.م .
و تنعدم الأدلة الأثرية من 700 ق.م و حتى 1200 ميلادية عندما نشأت قرية صغيرة في تل العشارة في العصر الأيوبي , دل على ذلك وجود بعض اللقى الفخارية المزججة و 76 قطعة نقدية فضية تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي . و يعتقد أن اسم العشارة أطلق في تلك الفترة على هذا التل . 

* هذه الدراسة الموجزة بمناسبة الرحلة النهرية \ الاستكشافية والأثرية والبيئية \ التي ستنطلق يوم 7\8 2008 من توتول إلى ترقا .   
 

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم