|
|
|
|
| مواقع سورية |
|---|
أدب عربي وعالمي
أدب وشعر عربي وعالمي
احتراق شمعة - فاديا سعد | احتراق شمعة - فاديا سعد |
|
|
| ملاحق - أدب وشعر عربي وعالمي | |||
| 09 آب 2008 الساعة 17:01 | |||
![]() لم أعد أذكر آخر مرة رأيت فيها نفسي أمام المرآة. كنت طويلة القامة. بيضاء اللون، يتدلى شعري الطويل على كتفي الأيمن، ومرات أجعله مسرحاً فوق كتفي الأيسر.
جاء فتى.. شاب وسيم.. حملني في راحته اليمنى، أو اليسرى.. لا أذكر، كان لطيفاً مع قامتي الشمعية الناحلة، و ثبّتني فوق صحن مذهب.. هكذا كانت وقفتي الأولى والأخيرة: رشيقة. طويلة، و شعري مسترسلاً بلطف. وبيضاء.. ناصعة البياض. كنت ملكة بحق في تلك اللحظة. هوى علي عود ثقاب في شعري.. أقصد الخيط الغليظ .. أخاف عادة اللهب الضئيل، لكني في تلك اللحظة، شعرت بحب غامر في قلبي.. لفحت اللهبة وجهي بدفء.. انتشيت أيضاً للتوهج، الذي تكثف في دائرة صغيرة، وانتشر في ظلام الغرفة.. وهج اللهب الصادر من خصلة شعري. كنت سعيدة لأن الفتى جلس مقابلا لوقفتي. قريباً مني، ينظر لي. يتأملني، ينعكس من عينيه بريق انعكاس الضوء الصادر من شعلة شعري. يثير وهجي بالفتى مشاعر معينة، فيحطّ هذا التأثير فوق شفتيه ابتسامة لطيفة. كنت سعيدة لما تفعله شعلتي، رغم معاناتي من هذه الحرارة التي تأكلني رويداً رويدا. هبت نسمة خفيفة من نافذة الغرفة الضيقة فارتاح وجهي من الحرارة التي لفتحه. ها أنا اشتاق لملمس باطن تلك اليد، لأصابع الفتى النحيلة، رغم أني أخاف من الحرارة التي كانت تأكل وجهي المرمري. لقد انتظرت، إذ كان قدري كشمعة أن أراقب ما يفعله الآخرون، بل هذا الفتى بالتحديد، وأتساءل: هل يعود ليشعل الخصلة، أم يبقيها مطفأة هكذا ؟! كانت معاناة الانطفاء والاشتعال عند الشموع حقيقية: لقد نصحتني أمي، و قبلها جدتي، من هذه اللحظات الفاصلة، التي تميز حياة الشموع، مع ذلك هناك ما يدفع دائماً شمعة مثلي للتجربة، وأحاول إقناعهن: "ليس من المعقول أن أبقى مرمية بإهمال في الكيس الشفاف، كالأموات. أنا لن أرضى يوماً عن حالة السكون. بدا موقفي من حالتي الإضاءة مترافقة ومعاناة الاحتراق، ومقابلها أن أكون في الظلام مع الاستراحة، والاسترخاء معادلة صعب على غرّة مثلي. في كلتا الحالتين كان دوري ألا يأتِ ما يجعلني أترنح وأهوي عن الصحن المذهّب. عاد الصراع يأكل جسدي الشمعي، فيا لي من شمعة مضطربة.. ماذا أريد؟ أن أشتعل أم لا؟! أرغب بالإضاءة أم لا؟ أَأَرغب بملمس أصابع الفتى أم لا؟.. هيا بصورة واضحة، وبديهية، وبسيطة.. حددي موقفك يا فتاة.. يا امرأة.. أيتها الشمعة.. أتريدين أم لا؟ هيا عبّري عما ترغبين.. آه منك يا خفيفة العقل، هل القرار بيدك؟ تقولين: أشتعل فتشتعلين؟.. أنطفئ فتحصل معجزة؟.. تستطيعين أمراً واحداً.. أن تخففي العذاب الناتج عن الحرارة والاحتراق.. إن السؤال المنطقي الذي تطرحينه على نفسك آنذاك: "كيف أصمد؟".. لا تأبهِ للدموع التي تسيل من حافتك اليمنى، أو اليسرى، أو هذه الفجوة التي تكبر وتكبر في خاصرتك. هكذا تحدثت الشمعة مع نفسها طوال عمرها القصير، وعندما أتت النار على الجزء الأخير منها، أدركت أنها صارت عجوزاً.. أولادها كبروا.. و كل منهم يسير في طريقه.
|
|||
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|