محمود درويش يهزم الموت Print E-mail
ملاحق - ملف الشاعر محمود درويش
بقلم: رأفت الغانم   
12 آب 2008 الساعة 17:07
محمود درويشلم يرحل عنا الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش دون أن يبلغنا بذلك ، وكأنه عرف واجبه تجاهنا الذين استطعنا أن نتذوق كلماته ونعيش بداخلها . وهي التي تدلنا عليه وترشدنا حيث يريد أن يأخذنا ، هكذا عشنا كثيراً مع درويش، بداخل فضاءه الواسع، وسبحنا فيه كما نشاء دون أن يتضايق يوماً منا ويشعرنا بذلك بمفردة تعيسة تحاول ان تنتقم من قرائها أو بؤس موقفنا المتخاذل عن قضيته ، كنا دائماً نحس بأننا ننتمي لما يتحدث عنه درويش وبأنه يتحدث عن معاناتنا ، فدرويش استطاع أن يؤنسن القضية ويسبغها الصورة الأممية ، بعد أن تجاوز النظر إليها من الزاوية التقليدية ، لينقل لنا المشهد من زاوية انسانية خالدة لا ترتبط مع الحدث بقدر ما تستمد قوتها من الحس المشترك الذي يجمعنا كبشر متجاوزاً كل الأطر الثقافية والجغرافية وغيرها. وهذا ما يفسر لنا بالفعل احتفاء الفرنسيين بجداريته ، ونفاذ الطبعة الأولى ( المترجمة ) من أسواقهم.


فدرويش كان رحيماً بنا دائماً ، ولذلك لم ينسى أن يكتب لنا من موقعه الآن ويبلغنا حاله بجملة تخفف عنا الأسئلة عن حاله بمكانه الذي لم يعهده :


 (لاشيء يُوجِعُني على باب القيامةِ .
لا الزمانُ ولا العواطفُ )


ويضيف بهدوئه المعتاد :

( وكأنني قد متُّ قبل الآن …
أَعرفُ هذه الرؤيا . )


ولعل الجدارية التي أرسلها لنا بعد أن أقترب من موقعه الحالي تصور ليس فقط موقعه إنما وما سيحصل له بعد أن ينتقل لموقعه الآني ، وقبلها صراعه مع الموت ، والذي يخاطبه كثيراً ويساومه على ( كرسي عند باب البحر ) ، وأن يتركه لينتهي من ( قراءة طرفة بن العبد ) ، فلازال لديه عمل ما في الدنيا ، كما أن الوجوديين يغرونه في البقاء  (لإستنزافهم كل هنيهة ، حرية وعدالة ونبيذ آلهة ) ، إلا أن الموت العنيد الذي يعلق سلسلة مفاتيحه الثقيلة فوق نافذته يأبى المساومة ويحذره (لا تقترب يا ابن الخطيئة يا ابن آدم من حدود الله ) .
وكأني الآن وأنا أتحدث عن الجدارية أعيد صياغتها بشكلها الروائي ، أو أعيد تنضيدها كيفما أشاء ، أو أحس بأني مراسل ينقل أخبارها ( الجدارية ) والتي تحدثنا عن درويش الآن بالصيغة الصحفية .

لا ينسى درويش أن يستحضر قصة غلغامش وصاحبه أنكيدو ، وفجيعته به قائلاً

( نام أنكيدو ولم ينهض ) .

وعنادنا تجاه الموت ، والذي يصفه :

قادرون
على التحرُّر ، سائرون على خُطى
جلجامشَ الخضراءِ من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ … /

ويبحث عن هزيمة الموت ، والتي يختصرها بجملة :

" هزمتك ياموت الفنون جميعها "

 

يعيش  درويش الآن حياة أخرى وأشاهد بهذه اللحظة كيف  انتصر على الموت كما ( أغاني بلاد الرافدين ومسلة المصري ) ، والحروف التي تخاطبه ( أكتب تكن وأقرأ تجد ) .

وعلني استطيع أن أتخذ موقعاً محايداً وأتركه يتحدث إليكم قائلاً :

خضراءُ ، أرضُ قصيدتي خضراءُ
يحملُها الغنائيّون من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ كما هِيَ في
خُصُوبتها .
ولي منها : تأمُّلُ نَرْجسٍ في ماء صُورَتِهِ
ولي منها وُضُوحُ الظلِّ في المترادفات
ودقَّةُ المعنى ...

 
ولا تتوقف هزيمته للموت ، عند خلوده الذي يجده بقصديته الخضراء العالية وما له منها وما يدلنا منها إليه ،ولا تتوقف هزيمة درويش للموت في كتاباته التي نعيد أحيائها فدرويش أستطاع أن يهزم الموت ذاته مع نفسه حين خاطبه قائلاً :


، كأنَّكَ المنفيُّ بين
الكائنات . ووحدك المنفيُّ . لا تحيا
حياتَكَ . ما حياتُكَ غير موتي .

ويكرر بثقة على مسامع الموت :

(( أَنا حَبَّةُ القمح
التي ماتت لكي تَخْضَرَّ ثانيةً . وفي
موتي حياةٌ ما … ))

كما أنه العصامي أمام الموت والذي أعتمد على هزيمته وحده وبطريقته  :

لم أَلِدْ وَلَدا ً ليحمل مَوْتَ
والِدِهِ ” …
وآثَرْتُ الزواجَ الحُرَّ بين المُفْرَدات .


فالصراع الملحمي الذي خاضه الشاعر مع الموت سابقاً ، لم يكن بالاتجاه الكلاسيكي ( البحث عن العشبة ) ، إنما كان يبحث عن قتل الموت ذاته من خلال تجاوزه نحو حياة أخرى، لذلك يتحدث بهدوء عن الموت كما نراه نحن الأحياء ، ويوصينا بنعشه واسمه الذي سيخطأ لفظه على التابوت وها هو اليوم يعود بتابوت كتب عليه اسمه بخطأ لفظي ، وأن نضع سبع سنابل خضراء على نعشه ولا يكلفنا كثيراً إذ أضاف ( إن وجدت ) ، يخبرنا بأن كل شيء زائل وبأن النهر سيشربه البحر وبأننا سائرون إلى الموت أيضاً، ولا يترك المساحة خالية للموت طبعاً فتحدث طويلاً عن شبحه الذي يزور البحر ويتمتم قرب السور ، فتلتفت إليه فتاة ترتدي ناراً  ، ثم تنصرف إلى حانوتها في آخر السوق القديمة ، وهنا نجد روح الشاعر التي تحارب الموت وتهذي عن المكان والحنين والأنثى التي وجدت مصادفة في خياله لترسم لنا صورة أنضج نسبح بداخلها كما يريد أن ينعشنا درويش ، وبأن لا يثقل كاهلنا بالكثير ، ويخبرنا قبل أن يغادر قضيته ، بأن كل شيء له الشارع المتعرج الذي يفضي إلى الميناء له والحذوة التي طارت عن الأسوار ، وحتى السائل المنوي على الأرصفة واسمه الذي أخطئنا في لفظه على التابوت له .



وقبل أن يمتلأ بكل أسباب الرحيل يلقي بجملته الأخيرة على مسامعنا :

 
أَما أَنا - وقد امتلأتُ
بكُلِّ أَسباب الرحيل -
فلستُ لي .
أَنا لَستُ لي
أَنا لَستُ لي . . .

 

بالأمس محمود درويش هزم الموت بجدارة ، ليكون لنا جميعاً ، الذين عشنا بداخله ، ولعل القصة مترابطة جداً حيث ان هيدغر يشير بأن ( الأثر الفني ) ، ( القصيدة مثلاً ) القناة التي تعرفنا بالفنان ( المنبع ) ، ودرويش كتب الكثير من الجمل قبل أن يهزم الموت التي تحدثت عن أثره الفني ( خضراء أرض قصيدتي ) والتي تدلنا إليه دائماً وهو الذي ( على مهل أدونها ) ليجعلها القناة التي توصلنا إليه ، ودرويش القارئ النهم الذي عاش كثيراً مع الفلاسفة وبينهم ، لم ينسى أن يحلم بهم في منامه ( رأيت ريني شار يجلس مع هيدغر على بعد مترين مني ) لذا يستحق أن نعيش معه ونستدل بقصائده إليه ، وأن لا ننسى أن نحلم به .

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: خليل موسى في 2008-08-19 06:11:28

ما مات من ولدت الكلمات على شفاه قلمه كما تولد الرصاصة على شفاه رحم البندقية
الاسم

البداية، هلوسات، سورية، منتديات، ثقافة

منتديات
 
مجتمع
 
فلسفة، علوم، ثقافة
 
في سورية
 
مشاهد من الذاكرة
 
موقف باص
 
هلوسات نسائية
 
خواطر ونصوص
 
تناقضات
 
أدب عربي وعالمي
 
قضايا وآراء
 
بحث
RSS Feeds
روابط XML