| أخبار Google |
|---|
| Google News العالم العربي |
| Google News العالم العربي |
|
|
|
|
|
| مواقع سورية |
|---|
مختارات متنوعة
الأولوية للتحرير الديني قبل التحرير السياسي | الأولوية للتحرير الديني قبل التحرير السياسي |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||||
| 13 آب 2008 الساعة 12:55 | ||||
|
هاشم صالح - الراية القطرية
مأساة العالم العربي حاليا تعود في قسم كبير منها الي انعدام الدراسات العلمية والتاريخية عن التراث وطغيان الكتابات السطحية المتسرعة او الاصولية التقليدية التي تكرر نفس الكلام منذ مئات السنين. وهذا ما ندعوه بالكتب الصفراء التي علاها الغبار او تملأ الارصفة ومعارض الكتب والمكتبات ايضا. ضمن هذا الجو من الفراغ الخطير يجيء تدخل اركون القوي والمحرر لكي يسد نقصا خطيرا في المكتبة العربية. وهو يقول بما معناه: أننا ننطلق في دراساتنا للإسلام او لتراثه الديني والثقافي من الفكرة العامة التالية: وهي أن الإسلام، ككل الأديان الكبري الأخري، ألهم مجمل القيم التي رسخت البنية الشمولية للمجتمعات التي انتشر فيها وخلع عليها المشروعية الإلهية. ولكن هذه المجتمعات من عربية وإسلامية أخذت تتعرض منذ القرن التاسع عشر لطفرات معرفية وسياسية شبيهة بتلك التي تعرضت لها المجتمعات الغربية المسيحية منذ القرن السادس عشر. وبالتالي فقد أصبح لزاما علينا ان ندرس تراث الإسلام بشكل مختلف عن كل ما سبق لكي نراعي حركة التطور والتقدم التي لا مرد لها. ولهذا السبب فاني ادعو الي تطبيق المنهجية النقدية علي التراث الإسلامي الكلي. لكن مالذي أقصده بذلك؟ ما معني المنهجية النقدية؟ وما معني التراث الإسلامي الكلي؟ علي هذين السؤالين يجيب قائلا بما معناه: بالمنهجية النقدية نقصد نقل كل مناهج التفحص العلمي التي طبقها الغرب علي تراثه المسيحي ذاته الي المجال العربي لتطبيقها علي التراث الإسلامي ايضا بعد اجراء بعض التعديلات عليها لكي تتناسب مع الموضوع الجديد. وهذا يتطلب من الفكر العربي الإسلامي القبول بالتمييز بين شيئين: الاول ضرورات الصراع السياسي والايديولوجي مع الغرب. الثاني الاستفادة من المكتسبات العلمية لهذا الغرب ذاته. وقد يبدو الامر تناقضيا ولكن من حيث الظاهر فقط. فالغرب غربان لا غربا واحدا. وعلينا ان نعرف كيف نستفيد من الغرب الايجابي ونهمل السلبي بكل شططه وانحرافاته وصرعاته. بمعني آخر لا ينبغي ان نرفض كل ما يجيء من جهة الغرب بحجة انه إمبريالية، صهيونية، استعمار. ينبغي ان نعرف كيف نفرق بين الجانب التوسعي والتسلطي للغرب، والجانب المعرفي التحريري الرائع لهذا الغرب ذاته. والا فسوف نظل نتخبط في تخلفنا ولن نضر الغرب في شيء إذا ما رفضناه كليا وانما سنضر أنفسنا فقط. وهذا ما لم يعرف المثقفون العرب في أغلبيتهم الساحقة القيام به بسبب هيمنة الشعارات الايديولوجية والسياسية الديماغوجية عليهم. فكان ان تخلف الفكر العربي كثيرا عن ركب البحث العلمي المعاصر وفشل في تشخيص مشاكل المجتمعات العربية هذا ناهيك عن حلها. وللاسف الشديد فان الصراعات السياسية بين العالم العربي والغرب منعت حتي الان المثقفين العرب من القيام بمثل هذا التمييز اللهم الا فيما يخص استثناءات قليلة. ينبغي ان يظهر مثقفون جدد في العالم العربي، مثقفون لاهم لهم الا البحث عن الحقيقة حتي ولو كانت مزعجة او جارحة لنا. ثم ان المنهجية النقدية في منظور اركون تعني شيئا آخر ايضا. انها تعني مدي قدرتنا كباحثين علي التقاط العناصر الحية من التراث من جهة، والعناصر المحررة او الاستلابية في الحداثة من جهة اخري. فليس كل شيء في التراث خطأ او قديما باليا عفي عليه الزمن. لاريب في ان قسما كبيرا منه اصبح في ذمة الماضي. وهناك قشور وتراكمات وتكلسات وصدأ كثير ينبغي التخلص منه. ولكن هناك أفكار وقيم عديدة لا تزال حية وصالحة اذا ما عرفنا كيف نكتشفها ونجدد فهمها علي ضوء عصرنا. نذكر من بين ذلك مواقف وكتابات الفلاسفة وكبار الادباء والصوفيين والروحانيين والمعتزلة وسواهم. اذا ما نظرنا الي الامور عن كثب لاحظنا ان الموقف الحالي للمسلمين يبدو متأرجحا بين شيئين: اما الافتخار الشديد بالعصر الذهبي للتراث العربي الإسلامي ومعارضته بالحداثة المادية الالحادية للغرب. واما احتقار التراث كله بحجة انه اصبح متكلسا، متحجرا، مليئا بالشعوذات والخرافات مقارنة له بالحداثة التكنوقراطية المتقدمة والديناميكية للغرب. فيما يخصنا ينبغي تحاشي هذين الموقفين المتطرفين. فالعصر الذهبي علي الرغم من أهميته وعظمة انجازاته تفصلنا عنه مسافة الف سنة تقريبا. وبالتالي فلا يمكن ان يكون حلا لمشاكل الحاضر لانه ينتمي الي عصر غير عصرنا وزمان غير زماننا. انه ينتمي الي ما ندعوه بالفضاء العقلي للقرون الوسطي. يضاف الي ذلك ان الحداثة الغربية ليست كلها مادية الحادية كما يتوهم الكثيرون عندنا وانما هي مشكلة من عدة تيارات مختلفة ومتناقضة وحية. من هنا غناها وخصوبتها. والتراث العربي الإسلامي ليس كله خرافات وخزعبلات كما يزعم المتطرفون الحداثويون الذين بالغوا في حبهم او انبهارهم بالحضارة الغربية. وبالتالي فالامور اكثر تعقيدا مما نظن. ويفضل الا نطلق الاحكام العمومية جزافا في هذا الاتجاه او ذاك. هناك شيء واحد مؤكد علي أي حال: هو ان التراث اصبح بحاجة ماسة لنفض الغبار عنه وتطبيق المناهج العقلانية في البحث العلمي عليه لكي نعرف ما هو اولا ثم لكي نستطيع ان نفرز الصالح عن الطالح منه. هذه حقيقة لا يختلف عليها عاقلان اليوم. ثم ان انفجار الحركات الاصولية الراديكالية بمثل هذه القوة حاليا يدفعنا غصبا عنا الي الانخراط في عملية الدراسة العلمية والتحريرية لتراثنا. والا فاننا فلنعلن تقاعسنا واستقالتنا كمثقفين عاجزين عن تحمل مسؤولية المشاكل الكبري للامة. المثقف في كل امة او مجتمع بشري هو الرائد وهو المسؤول عن تشخيص المرض العضال وايجاد الحل له. والا فانه يبطل عن ان يكون مثقفا. والتطرف الاصولي الذي أعلن الحرب علي العالم كله وكفّر اربعة اخماس المعمورة هو مرض مستفحل بدون ادني شك. انه يكشف عن عجز المسلمين عن التأقلم مع العصر. وهذا التأقلم لن يتم قبل ان يتخلوا عن لاهوت التكفير المتعصب ويحدثوا القطيعة الابستمولوجية معه. ولكنهم لا يستطيعون ان يفعلوا ذلك لانهم تشربوا هذا الفقه التكفيري منذ نعومة أظفارهم في البيت والمدرسة والجامع والجامعة والفضائيات الخ.. انه أغلي عليهم من روحهم. فكيف يمكن ان يقطعوا معه وهو المقدس الغالي المعصوم؟ انها عملية شبه انتحارية. ومن سيتحمل كل النزيف الناتج عن عملية القطيعة؟ من يستطيع ان يقطع مع حياته السابقة وينتقل الي حياة جديدة وينسي شرائح الماضي الغالية وكأنها لم تكن؟ علي هذا المستوي الاركيولوجي العميق ينبغي ان نموضع الامور لكي نفهم ظاهرة بن لادن والظواهري والزرقاوي ومئات الآلاف من الشباب الآخرين. فالوعي الإسلامي يعيش اليوم أكبر أزمة تناقضية مع نفسه، أزمة قد تقتله او تحييه. فاذا ما نجا منها وهذا ما نأمله ونسعي اليه خرج اكثر صحة وشبابا وقوة. الأزمة التي لا تقتلني تقويني.. وهذا ينطبق علي الفرد كما علي الجماعة. واذا لم ينج منها وهذا مانستبعده بالطبع فان المرض قد يقتل المريض. من هنا اهمية ظهور المفكرين الكبار في التاريخ. انهم أطباء للامراض التي قد تصاب بها الامة من حين الي حين. فالمفكر الكبير هو وحده الذي يعرف كيفية تشخيص المرض، أي مرض الأمة، بشكل صحيح وبالتالي اعطاء الوصفة والعلاج. هذا ما فعله مارتن لوثر في القرن السادس عشر عندما انفجر بالاصلاح البروتستانتي كرد علي فساد رجال الدين في عصره وعلي انسدادات المسيحية وتناقضها مع التطور. ولكن يمكن ان نقول الشيئ ذاته عن ايراسموس المعاصر له وأمير عصر النهضة والذي صالح المسيحية مع النزعة الانسانية والفهم العقلاني المستنير للدين. هو ايضا خاض حربا ضروسا ضد طبقة رجال الدين وامتيازاتها الفاحشة وفسادها في عصره. وكان ذلك من خلال كتابه الشهير: ثناء علي الجنون. وقد توقفت عنده مطولا في كتابي: مدخل الي التنوير الاوروبي. وبالتالي فنحن واقعون حاليا في تناقض قاتل لا مخرج منه الا بتقديم تأويل جديد مقنع للدين الإسلامي: أي تأويل يحدث القطيعة مع الماضي ولكن علي مراحل وبالتدريج للتخفيف من حدتها وهولها. مهما يكن من أمر فإن موقف أركون من هذه النقطة واضح: ينبغي نقد التراث بشكل راديكالي جذري أي من اساس اساساته عن طريق تطبيق كل مناهج العلوم الانسانية عليه. وينبغي تفكيك المقولات التراثية المسيطرة علينا منذ مئات السنين وكأنها حقائق معصومة مطلقة في حين انها تاريخية بشرية. ولكن ذلك يخفي علي عامة الشعب بل وحتي علي قسم كبير من المثقفين أنفسهم. وهي المقولات التي يستخدمها الاصوليون بكل براعة لأغراض سياسية من اجل تهييج الجماهير وتعبئتها. انظر الخميني مثلا في الجهة الشيعية الايرانية او حركات الاخوان المسلمين في الجهة السنية عموما. لو ان التراث الإسلامي كان مدروسا بشكل علمي او تاريخي لما استطاعت هذه الحركات ان تجيش الجماهير بمثل هذا الشكل. او قل لما استطاعت ان تستلب عقلية الجماهير عن طريق هذه القراءة الظلامية للدين. باختصار شديد فإن أركون يدعو الي الانخراط في أكبر عملية لنزع الأسطرة والأدلجة عن التراث الديني للإسلام. فتراثنا مؤسطر ومؤدلج الي حد مخيف. انظر ما يقال في الفضائيات العربية عن الدين مثلا. شيء لا يكاد يصدق. انه تقليدي ممل الي درجة مرعبة هذا ان لم يكن استلابا كاملا للعقول.. أول تحرير للعرب والمسلمين عموما سوف يبتديء من هنا: أي تحريرهم من الفهم الخاطيء واللاتاريخي للدين. وإلا فلا تقدم في السياسة او في المجتمع او في الاخلاق او حتي في الاقتصاد او في أي شيء.. كل شيء مرتبط بالتحرير الروحي للروح: اذ كيف يمكن ان ينطلق من هو مغلول ومقيد بالأصفاد؟ كيف يمكن ان يصنع المستقبل والتاريخ ويغير العالم شخص مشدود دائما الي الوراء؟ والواقع ان الدين يشكل الذروة العليا التي تعلو ولا يعلي عليها خصوصا بالنسبة لمجتمعات لا تزال متدينة ولم تمر بمرحلة التنوير الفلسفي بعد كما حصل للشعوب الاوروبية التي تخلصت من الفهم الاصولي الظلامي للمسيحية. ولهذا السبب فإن صاحب نقد العقل الإسلامي يعتقد بأن الأولوية ينبغي أن تكون للتحرير الديني في العالم الإسلامي لا للتحرير السياسي. لماذا؟ لأن التحرير الديني هو الشرط المسبق لحصول التحرير السياسي والاجتماعي والجنسي وبقية التحريرات الأخري.. والتحرير الديني يعني بالدرجة الأولي تحرير عقولنا من معظم التصورات القديمة والمقولات الفقهية المتراكمة علي مدار ألف سنة! من هنا صعوبة العملية وحرجها وخطورتها. لكن مالذي يقصده أركون بالتراث الإسلامي الكلي؟ هذا المصطلح من اختراعه الشخصي في الواقع ومن خلاله يتجاوز المنظور الإسلامي التقليدي والمنظور الاستشراقي في آن معا. انه يقصد به دراسة كل المذاهب والفرق الإسلامية قاطبة ودون استثناء: أي الإسلام السني بكل فرقه والشيعي بكل فرقه ايضا والخارجي بكل فرقه ثم المعتزلة الذين انقرضوا لاحقا بسبب هجمة الحنابلة عليهم. هذا بالاضافة الي الإسلام الصوفي بالطبع والذي يشكل أكبر تيار روحي في الإسلام. لا ينبغي ان نستبعد احدا ولا ان ننبذ أي فرقة كائنة من كانت. كلها تستحق الدراسة وكلها تشكل جزءا لا يتجزأ من التراث الإسلامي الكلي. أما المنظور الإسلامي التقليدي بل وحتي الاستشراقي فانه ينطلق من مقولة الإسلام الصحيح او الارثوذكسي باللغات الاوروبية، والإسلامات غير الصحيحة او المهرطقة. هذا المنظور يرفضه اركون رفضا قاطعا ويعتبره متحيزا للمذاهب الاقوي التي اتيح لها ان تصل الي السلطة وتتكرس كمذاهب رسمية للدولة. فمثلا في ايران الإسلام الوحيد الصحيح هو المذهب الشيعي الاثني عشري وفي العالم العربي الإسلام الوحيد الصحيح هو المذهب السني الذي ينبغي ان يلغي كل ما عداه. في رأي اركون انه آن الاوان لتغيير هذا المنظور التقليدي السائد منذ مئات السنين بل وقلبه تماما. لماذا؟ لانه لا توجد أية معايير موضوعية قاطعة تتيح لنا ان نقول: هذا هو الإسلام الصحيح وكل ما عداه باطل. وفي رأيه ان المذاهب الإسلامية تحاربت مع بعضها البعض علي مدار التاريخ حول مقولة الإسلام الصحيح بالضبط. وسالت الدماء أنهارا عليها او بسببها. وكل فرقة تدعي احتكارها لها وتتهم الأخريات بالانحراف عنها. كل واحدة تدعي أنها الفرقة الناجية وبقية الفرق في النار. أركون يقول: لا. كلها صحيحة او شرعية. وبالتالي فهي تشكل بمجملها الإسلام الصحيح وليس أي واحدة منها علي حدة دون الأخريات. ويري اركون انه قد آن الاوان لكي نتحرر من هذه المقولات العقائدية الدوغمائية التي رسختها كتب الملل والنحل علي مدار ثلاثة عشر قرنا من الزمن. آن الاوان لكي نتحرر من هيمنة اللعنات اللاهوتية والادانات الفقهية والفتاوي التكفيرية علي عقلية كل المذاهب الإسلامية قاطبة دون استثناء. فهي مقولات تنتمي الي فترة القرون الوسطي: أي الي عصر ما كان الناس فيه يعتقدون بإمكانية وجود عدة مذاهب مشروعة او عدة فرق صحيحة لأن مفهوم التسامح او التعددية الدينية والمذهبية كان غائبا عن أفق تلك الفترة أو قل كان يشكل ما ندعوه باللامفكر فيه او المستحيل التفكير فيه بالنسبة لأناس تلك العصور الغابرة. مفهوم الحرية الدينية او التعددية العقائدية والمذهبية حديث العهد ولم يترسخ حتي الآن إلا في المجتمعات المتقدمة لأوروبا الغربية علي وجه الخصوص. ولم ينتقل بعد الي العالم الإسلامي بل ولا حتي الي العالم المسيحي الارثوذكسي الشرقي كروسيا واليونان وصربيا والمسيحية العربية حيث لا يزال الفكر الديني جامدا متخلفا. لكن لماذا تابع المستشرقون المسلمين علي نفس الخط وقسموا الإسلام ايضا الي مذهب واحد فقط صحيح والباقي فرق مهرطقة؟ لان العديد من المستشرقين كانوا من اصول مسيحية تقليدية وقد نقلوا الي ساحة الإسلام نفس التقسيم السائد في المسيحية: أي مسيحية صحيحة، ومذاهب مهرطقة. وقد طبقه مذهب الاغلبية الكاثوليكي البابوي الروماني علي البروتستانتيين والارثوذكس تماما كما فعل المذهب السني مع الشيعة والخوارج. ومعلوم ان المذهب الكاثوليكي هو أكبر المذاهب المسيحية عددا، مليار شخص، والارثوذكس والبروتستانتيين يشكلون المليار الباقي. وبالتالي فهو يعتبر نفسه نظرا لكثرته العددية بصفته الممثل الوحيد للمسيحية الصحيحة والباقي هراطقة وبخاصة البروتستانتيين. ولكن المذاهب الأخري ترد عليه بالصاع صاعين وترفض اطلاقا ان يحتكر الحقيقة المسيحية لوحده. بالطبع فإنهم تجاوزوا الآن هذه الانقسامات الي حد كبير نظرا لانبثاق الحركة المسكونية التي استطاعت التقريب بين المذاهب المسيحية الي حد كبير في الخمسين سنة الاخيرة. وهنا ايضا نجد ان الإسلام متأخر بالقياس الي المسيحية الاوروبية. فحركة التقريب بين المذاهب الإسلامية لا تزال ضعيفة ولا تزال تتخبط في نفس المحاجات اللاهوتية للعصور الوسطي. وهي محاجات ينبغي تفكيكها جذريا وتجاوزها اذا ما أردنا لحركة التقريب بين المذاهب الإسلامية ان تنجح او تصل الي نتيجة حاسمة. لهذا السبب ينتقد اركون كتاب المستشرق الفرنسي هنري لاوست عن الانقسامات في الإسلام علي الرغم من اعترافه بأهميته وضخامة الجهود المبذولة فيه. لماذا ينتقده؟ لأنه يكتفي بالدراسة الوصفية لعقائد كل المذاهب والفرق الإسلامية. ولا ينتقل من مرحلة الوصف الي مرحلة التفكيك. انه ينقل الي اللغة الفرنسية مضامين عقائد الفرق كلها فيذكر لك ماذا قالت الاشاعرة او المعتزلة او المرجئة او القدرية او الشيعة او السنة او الاباضية او الازارقة الخ.. لكنه لايفكك هذه العقائد: بمعني انه لا يربطها بسياقها التاريخي والفئات الاجتماعية التي اعتنقتها وما هي القبائل التي كانت خارجية مثلا وتلك التي كانت سنية الخ..وما علاقة كل فرقة بالصراع الحامي علي السلطة وكيف انعكس ذلك علي عقائدها اللاهوتية.. كل هذا يرفض المستشرق الكلاسيكي ان يخوض فيه ويعتبره من اختصاص المسلمين أنفسهم ولا يحق له التدخل فيه. ولكن أركون يرفض هذا المنطق ويعتبره بمثابة الاستقالة العلمية التي لا يجوز علي الباحث أن يقع فيها. فإما ان تنخرط في مجال البحث العلمي حتي النهاية وتوضح الاشكالية من مختلف جوانبها واما الا تنخرط ابدا. لكن ان تترك الامور معلقة هكذا في منتصف الطريق فهذا لا يجوز. لهذا السبب بلور اركون منهجية جديدة خاصة به لدراسة التراث العربي الإسلامي وتمايز عن الاستشراق الذي كان احد تلامذته في البداية. وهذه مسائل منهجية كنت قد تحدثت عنها سابقا ولا اريد تكرار ما قلته. وهنا تكمن النقيصة المنهجية العظمي للاستشراق الكلاسيكي بحسب اركون. نقول ذلك علي الرغم من عظمة الانجازات الاستشراقية وبخاصة فيما يتعلق بتطبيق المنهجية الفيلولوجية علي التراث لأول مرة. ولكن هذه المنهجية علي أهميتها لم تعد كافية الآن. وإنما ينبغي أن نضيف اليها المناهج التفكيكية، أي التحريرية الحديثة. وإذن فالمسألة منهجية وابستمولوجية عميقة في نهاية المطاف. اركون لا يكتفي بالمرحلة الوصفية من الدراسة وإنما يضيف اليها المرحلة التحليلية - التفكيكية التي تستند علي المعطيات المتجمعة في المرحلة السابقة وتعتصرها وتستغلها علميا من أجل التحليل والتركيب واستخلاص النتائج العامة في نهاية المطاف. أيا يكن من أمر فإن أركون يري أن كل الفرق الإسلامية من سلطة ومعارضة كانت تمثل أحزابا لاهوتية - سياسية. وعندما كانت تدافع عن مواقفها الدينية او اللاهوتية فإنها بشكل مباشر او غير مباشر كانت تدافع ايضا عن مصالحها السياسية او السلطوية. وبالتالي فلا ينبغي ان ندرس عقائدها الدينية وكأنها معصومة او منزلة. وإنما ينبغي ان نتساءل في كل مرة لماذا اتخذت الفرقة الفلانية موقفا معينا من مسألة القضاء والقدر، واتخذت فرقة أخري موقفا معاكسا. ما هي مصلحتها السلطوية في ذلك؟
|
||||
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|