أخبار Google
Google News العالم العربي
Google News العالم العربي
 
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

مواقع سورية
في سورية
البداية arrow هل سرق أحدهم فكرتك؟ arrow مختارات متنوعة arrow الأولوية للتحرير الديني قبل التحرير السياسي
الأولوية للتحرير الديني قبل التحرير السياسي Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
13 آب 2008 الساعة 12:55
هاشم صالح - الراية القطرية

مأساة العالم العربي حاليا تعود في قسم كبير منها الي انعدام الدراسات العلمية والتاريخية عن التراث وطغيان الكتابات السطحية المتسرعة او الاصولية التقليدية التي تكرر نفس الكلام منذ مئات السنين. وهذا ما ندعوه بالكتب الصفراء التي علاها الغبار او تملأ الارصفة ومعارض الكتب والمكتبات ايضا. ضمن هذا الجو من الفراغ الخطير يجيء تدخل اركون القوي والمحرر لكي يسد نقصا خطيرا في المكتبة العربية. وهو يقول بما معناه: أننا ننطلق في دراساتنا للإسلام او لتراثه الديني والثقافي من الفكرة العامة التالية: وهي أن الإسلام، ككل الأديان الكبري الأخري، ألهم مجمل القيم التي رسخت البنية الشمولية للمجتمعات التي انتشر فيها وخلع عليها المشروعية الإلهية. ولكن هذه المجتمعات من عربية وإسلامية أخذت تتعرض منذ القرن التاسع عشر لطفرات معرفية وسياسية شبيهة بتلك التي تعرضت لها المجتمعات الغربية المسيحية منذ القرن السادس عشر. وبالتالي فقد أصبح لزاما علينا ان ندرس تراث الإسلام بشكل مختلف عن كل ما سبق لكي نراعي حركة التطور والتقدم التي لا مرد لها. ولهذا السبب فاني ادعو الي تطبيق المنهجية النقدية علي التراث الإسلامي الكلي. لكن مالذي أقصده بذلك؟ ما معني المنهجية النقدية؟ وما معني التراث الإسلامي الكلي؟

علي هذين السؤالين يجيب قائلا بما معناه:

بالمنهجية النقدية نقصد نقل كل مناهج التفحص العلمي التي طبقها الغرب علي تراثه المسيحي ذاته الي المجال العربي لتطبيقها علي التراث الإسلامي ايضا بعد اجراء بعض التعديلات عليها لكي تتناسب مع الموضوع الجديد. وهذا يتطلب من الفكر العربي الإسلامي القبول بالتمييز بين شيئين: الاول ضرورات الصراع السياسي والايديولوجي مع الغرب. الثاني الاستفادة من المكتسبات العلمية لهذا الغرب ذاته. وقد يبدو الامر تناقضيا ولكن من حيث الظاهر فقط. فالغرب غربان لا غربا واحدا. وعلينا ان نعرف كيف نستفيد من الغرب الايجابي ونهمل السلبي بكل شططه وانحرافاته وصرعاته. بمعني آخر لا ينبغي ان نرفض كل ما يجيء من جهة الغرب بحجة انه إمبريالية، صهيونية، استعمار. ينبغي ان نعرف كيف نفرق بين الجانب التوسعي والتسلطي للغرب، والجانب المعرفي التحريري الرائع لهذا الغرب ذاته. والا فسوف نظل نتخبط في تخلفنا ولن نضر الغرب في شيء إذا ما رفضناه كليا وانما سنضر أنفسنا فقط. وهذا ما لم يعرف المثقفون العرب في أغلبيتهم الساحقة القيام به بسبب هيمنة الشعارات الايديولوجية والسياسية الديماغوجية عليهم. فكان ان تخلف الفكر العربي كثيرا عن ركب البحث العلمي المعاصر وفشل في تشخيص مشاكل المجتمعات العربية هذا ناهيك عن حلها. وللاسف الشديد فان الصراعات السياسية بين العالم العربي والغرب منعت حتي الان المثقفين العرب من القيام بمثل هذا التمييز اللهم الا فيما يخص استثناءات قليلة. ينبغي ان يظهر مثقفون جدد في العالم العربي، مثقفون لاهم لهم الا البحث عن الحقيقة حتي ولو كانت مزعجة او جارحة لنا.

ثم ان المنهجية النقدية في منظور اركون تعني شيئا آخر ايضا. انها تعني مدي قدرتنا كباحثين علي التقاط العناصر الحية من التراث من جهة، والعناصر المحررة او الاستلابية في الحداثة من جهة اخري. فليس كل شيء في التراث خطأ او قديما باليا عفي عليه الزمن. لاريب في ان قسما كبيرا منه اصبح في ذمة الماضي. وهناك قشور وتراكمات وتكلسات وصدأ كثير ينبغي التخلص منه. ولكن هناك أفكار وقيم عديدة لا تزال حية وصالحة اذا ما عرفنا كيف نكتشفها ونجدد فهمها علي ضوء عصرنا. نذكر من بين ذلك مواقف وكتابات الفلاسفة وكبار الادباء والصوفيين والروحانيين والمعتزلة وسواهم. اذا ما نظرنا الي الامور عن كثب لاحظنا ان الموقف الحالي للمسلمين يبدو متأرجحا بين شيئين: اما الافتخار الشديد بالعصر الذهبي للتراث العربي الإسلامي ومعارضته بالحداثة المادية الالحادية للغرب. واما احتقار التراث كله بحجة انه اصبح متكلسا، متحجرا، مليئا بالشعوذات والخرافات مقارنة له بالحداثة التكنوقراطية المتقدمة والديناميكية للغرب. فيما يخصنا ينبغي تحاشي هذين الموقفين المتطرفين. فالعصر الذهبي علي الرغم من أهميته وعظمة انجازاته تفصلنا عنه مسافة الف سنة تقريبا. وبالتالي فلا يمكن ان يكون حلا لمشاكل الحاضر لانه ينتمي الي عصر غير عصرنا وزمان غير زماننا. انه ينتمي الي ما ندعوه بالفضاء العقلي للقرون الوسطي. يضاف الي ذلك ان الحداثة الغربية ليست كلها مادية الحادية كما يتوهم الكثيرون عندنا وانما هي مشكلة من عدة تيارات مختلفة ومتناقضة وحية. من هنا غناها وخصوبتها. والتراث العربي الإسلامي ليس كله خرافات وخزعبلات كما يزعم المتطرفون الحداثويون الذين بالغوا في حبهم او انبهارهم بالحضارة الغربية. وبالتالي فالامور اكثر تعقيدا مما نظن. ويفضل الا نطلق الاحكام العمومية جزافا في هذا الاتجاه او ذاك. هناك شيء واحد مؤكد علي أي حال: هو ان التراث اصبح بحاجة ماسة لنفض الغبار عنه وتطبيق المناهج العقلانية في البحث العلمي عليه لكي نعرف ما هو اولا ثم لكي نستطيع ان نفرز الصالح عن الطالح منه. هذه حقيقة لا يختلف عليها عاقلان اليوم. ثم ان انفجار الحركات الاصولية الراديكالية بمثل هذه القوة حاليا يدفعنا غصبا عنا الي الانخراط في عملية الدراسة العلمية والتحريرية لتراثنا. والا فاننا فلنعلن تقاعسنا واستقالتنا كمثقفين عاجزين عن تحمل مسؤولية المشاكل الكبري للامة. المثقف في كل امة او مجتمع بشري هو الرائد وهو المسؤول عن تشخيص المرض العضال وايجاد الحل له. والا فانه يبطل عن ان يكون مثقفا. والتطرف الاصولي الذي أعلن الحرب علي العالم كله وكفّر اربعة اخماس المعمورة هو مرض مستفحل بدون ادني شك. انه يكشف عن عجز المسلمين عن التأقلم مع العصر. وهذا التأقلم لن يتم قبل ان يتخلوا عن لاهوت التكفير المتعصب ويحدثوا القطيعة الابستمولوجية معه. ولكنهم لا يستطيعون ان يفعلوا ذلك لانهم تشربوا هذا الفقه التكفيري منذ نعومة أظفارهم في البيت والمدرسة والجامع والجامعة والفضائيات الخ.. انه أغلي عليهم من روحهم. فكيف يمكن ان يقطعوا معه وهو المقدس الغالي المعصوم؟ انها عملية شبه انتحارية. ومن سيتحمل كل النزيف الناتج عن عملية القطيعة؟ من يستطيع ان يقطع مع حياته السابقة وينتقل الي حياة جديدة وينسي شرائح الماضي الغالية وكأنها لم تكن؟ علي هذا المستوي الاركيولوجي العميق ينبغي ان نموضع الامور لكي نفهم ظاهرة بن لادن والظواهري والزرقاوي ومئات الآلاف من الشباب الآخرين. فالوعي الإسلامي يعيش اليوم أكبر أزمة تناقضية مع نفسه، أزمة قد تقتله او تحييه. فاذا ما نجا منها وهذا ما نأمله ونسعي اليه خرج اكثر صحة وشبابا وقوة. الأزمة التي لا تقتلني تقويني.. وهذا ينطبق علي الفرد كما علي الجماعة. واذا لم ينج منها وهذا مانستبعده بالطبع فان المرض قد يقتل المريض. من هنا اهمية ظهور المفكرين الكبار في التاريخ. انهم أطباء للامراض التي قد تصاب بها الامة من حين الي حين. فالمفكر الكبير هو وحده الذي يعرف كيفية تشخيص المرض، أي مرض الأمة، بشكل صحيح وبالتالي اعطاء الوصفة والعلاج. هذا ما فعله مارتن لوثر في القرن السادس عشر عندما انفجر بالاصلاح البروتستانتي كرد علي فساد رجال الدين في عصره وعلي انسدادات المسيحية وتناقضها مع التطور. ولكن يمكن ان نقول الشيئ ذاته عن ايراسموس المعاصر له وأمير عصر النهضة والذي صالح المسيحية مع النزعة الانسانية والفهم العقلاني المستنير للدين. هو ايضا خاض حربا ضروسا ضد طبقة رجال الدين وامتيازاتها الفاحشة وفسادها في عصره. وكان ذلك من خلال كتابه الشهير: ثناء علي الجنون. وقد توقفت عنده مطولا في كتابي: مدخل الي التنوير الاوروبي. وبالتالي فنحن واقعون حاليا في تناقض قاتل لا مخرج منه الا بتقديم تأويل جديد مقنع للدين الإسلامي: أي تأويل يحدث القطيعة مع الماضي ولكن علي مراحل وبالتدريج للتخفيف من حدتها وهولها.

مهما يكن من أمر فإن موقف أركون من هذه النقطة واضح: ينبغي نقد التراث بشكل راديكالي جذري أي من اساس اساساته عن طريق تطبيق كل مناهج العلوم الانسانية عليه. وينبغي تفكيك المقولات التراثية المسيطرة علينا منذ مئات السنين وكأنها حقائق معصومة مطلقة في حين انها تاريخية بشرية. ولكن ذلك يخفي علي عامة الشعب بل وحتي علي قسم كبير من المثقفين أنفسهم. وهي المقولات التي يستخدمها الاصوليون بكل براعة لأغراض سياسية من اجل تهييج الجماهير وتعبئتها. انظر الخميني مثلا في الجهة الشيعية الايرانية او حركات الاخوان المسلمين في الجهة السنية عموما. لو ان التراث الإسلامي كان مدروسا بشكل علمي او تاريخي لما استطاعت هذه الحركات ان تجيش الجماهير بمثل هذا الشكل. او قل لما استطاعت ان تستلب عقلية الجماهير عن طريق هذه القراءة الظلامية للدين.

باختصار شديد فإن أركون يدعو الي الانخراط في أكبر عملية لنزع الأسطرة والأدلجة عن التراث الديني للإسلام. فتراثنا مؤسطر ومؤدلج الي حد مخيف. انظر ما يقال في الفضائيات العربية عن الدين مثلا. شيء لا يكاد يصدق. انه تقليدي ممل الي درجة مرعبة هذا ان لم يكن استلابا كاملا للعقول.. أول تحرير للعرب والمسلمين عموما سوف يبتديء من هنا: أي تحريرهم من الفهم الخاطيء واللاتاريخي للدين. وإلا فلا تقدم في السياسة او في المجتمع او في الاخلاق او حتي في الاقتصاد او في أي شيء.. كل شيء مرتبط بالتحرير الروحي للروح: اذ كيف يمكن ان ينطلق من هو مغلول ومقيد بالأصفاد؟ كيف يمكن ان يصنع المستقبل والتاريخ ويغير العالم شخص مشدود دائما الي الوراء؟ والواقع ان الدين يشكل الذروة العليا التي تعلو ولا يعلي عليها خصوصا بالنسبة لمجتمعات لا تزال متدينة ولم تمر بمرحلة التنوير الفلسفي بعد كما حصل للشعوب الاوروبية التي تخلصت من الفهم الاصولي الظلامي للمسيحية. ولهذا السبب فإن صاحب نقد العقل الإسلامي يعتقد بأن الأولوية ينبغي أن تكون للتحرير الديني في العالم الإسلامي لا للتحرير السياسي. لماذا؟ لأن التحرير الديني هو الشرط المسبق لحصول التحرير السياسي والاجتماعي والجنسي وبقية التحريرات الأخري.. والتحرير الديني يعني بالدرجة الأولي تحرير عقولنا من معظم التصورات القديمة والمقولات الفقهية المتراكمة علي مدار ألف سنة! من هنا صعوبة العملية وحرجها وخطورتها.

لكن مالذي يقصده أركون بالتراث الإسلامي الكلي؟ هذا المصطلح من اختراعه الشخصي في الواقع ومن خلاله يتجاوز المنظور الإسلامي التقليدي والمنظور الاستشراقي في آن معا. انه يقصد به دراسة كل المذاهب والفرق الإسلامية قاطبة ودون استثناء: أي الإسلام السني بكل فرقه والشيعي بكل فرقه ايضا والخارجي بكل فرقه ثم المعتزلة الذين انقرضوا لاحقا بسبب هجمة الحنابلة عليهم. هذا بالاضافة الي الإسلام الصوفي بالطبع والذي يشكل أكبر تيار روحي في الإسلام. لا ينبغي ان نستبعد احدا ولا ان ننبذ أي فرقة كائنة من كانت. كلها تستحق الدراسة وكلها تشكل جزءا لا يتجزأ من التراث الإسلامي الكلي. أما المنظور الإسلامي التقليدي بل وحتي الاستشراقي فانه ينطلق من مقولة الإسلام الصحيح او الارثوذكسي باللغات الاوروبية، والإسلامات غير الصحيحة او المهرطقة. هذا المنظور يرفضه اركون رفضا قاطعا ويعتبره متحيزا للمذاهب الاقوي التي اتيح لها ان تصل الي السلطة وتتكرس كمذاهب رسمية للدولة. فمثلا في ايران الإسلام الوحيد الصحيح هو المذهب الشيعي الاثني عشري وفي العالم العربي الإسلام الوحيد الصحيح هو المذهب السني الذي ينبغي ان يلغي كل ما عداه. في رأي اركون انه آن الاوان لتغيير هذا المنظور التقليدي السائد منذ مئات السنين بل وقلبه تماما. لماذا؟ لانه لا توجد أية معايير موضوعية قاطعة تتيح لنا ان نقول: هذا هو الإسلام الصحيح وكل ما عداه باطل. وفي رأيه ان المذاهب الإسلامية تحاربت مع بعضها البعض علي مدار التاريخ حول مقولة الإسلام الصحيح بالضبط. وسالت الدماء أنهارا عليها او بسببها. وكل فرقة تدعي احتكارها لها وتتهم الأخريات بالانحراف عنها. كل واحدة تدعي أنها الفرقة الناجية وبقية الفرق في النار. أركون يقول: لا. كلها صحيحة او شرعية. وبالتالي فهي تشكل بمجملها الإسلام الصحيح وليس أي واحدة منها علي حدة دون الأخريات. ويري اركون انه قد آن الاوان لكي نتحرر من هذه المقولات العقائدية الدوغمائية التي رسختها كتب الملل والنحل علي مدار ثلاثة عشر قرنا من الزمن. آن الاوان لكي نتحرر من هيمنة اللعنات اللاهوتية والادانات الفقهية والفتاوي التكفيرية علي عقلية كل المذاهب الإسلامية قاطبة دون استثناء. فهي مقولات تنتمي الي فترة القرون الوسطي: أي الي عصر ما كان الناس فيه يعتقدون بإمكانية وجود عدة مذاهب مشروعة او عدة فرق صحيحة لأن مفهوم التسامح او التعددية الدينية والمذهبية كان غائبا عن أفق تلك الفترة أو قل كان يشكل ما ندعوه باللامفكر فيه او المستحيل التفكير فيه بالنسبة لأناس تلك العصور الغابرة. مفهوم الحرية الدينية او التعددية العقائدية والمذهبية حديث العهد ولم يترسخ حتي الآن إلا في المجتمعات المتقدمة لأوروبا الغربية علي وجه الخصوص. ولم ينتقل بعد الي العالم الإسلامي بل ولا حتي الي العالم المسيحي الارثوذكسي الشرقي كروسيا واليونان وصربيا والمسيحية العربية حيث لا يزال الفكر الديني جامدا متخلفا.

لكن لماذا تابع المستشرقون المسلمين علي نفس الخط وقسموا الإسلام ايضا الي مذهب واحد فقط صحيح والباقي فرق مهرطقة؟ لان العديد من المستشرقين كانوا من اصول مسيحية تقليدية وقد نقلوا الي ساحة الإسلام نفس التقسيم السائد في المسيحية: أي مسيحية صحيحة، ومذاهب مهرطقة. وقد طبقه مذهب الاغلبية الكاثوليكي البابوي الروماني علي البروتستانتيين والارثوذكس تماما كما فعل المذهب السني مع الشيعة والخوارج. ومعلوم ان المذهب الكاثوليكي هو أكبر المذاهب المسيحية عددا، مليار شخص، والارثوذكس والبروتستانتيين يشكلون المليار الباقي. وبالتالي فهو يعتبر نفسه نظرا لكثرته العددية بصفته الممثل الوحيد للمسيحية الصحيحة والباقي هراطقة وبخاصة البروتستانتيين. ولكن المذاهب الأخري ترد عليه بالصاع صاعين وترفض اطلاقا ان يحتكر الحقيقة المسيحية لوحده. بالطبع فإنهم تجاوزوا الآن هذه الانقسامات الي حد كبير نظرا لانبثاق الحركة المسكونية التي استطاعت التقريب بين المذاهب المسيحية الي حد كبير في الخمسين سنة الاخيرة. وهنا ايضا نجد ان الإسلام متأخر بالقياس الي المسيحية الاوروبية. فحركة التقريب بين المذاهب الإسلامية لا تزال ضعيفة ولا تزال تتخبط في نفس المحاجات اللاهوتية للعصور الوسطي. وهي محاجات ينبغي تفكيكها جذريا وتجاوزها اذا ما أردنا لحركة التقريب بين المذاهب الإسلامية ان تنجح او تصل الي نتيجة حاسمة. لهذا السبب ينتقد اركون كتاب المستشرق الفرنسي هنري لاوست عن الانقسامات في الإسلام علي الرغم من اعترافه بأهميته وضخامة الجهود المبذولة فيه. لماذا ينتقده؟ لأنه يكتفي بالدراسة الوصفية لعقائد كل المذاهب والفرق الإسلامية. ولا ينتقل من مرحلة الوصف الي مرحلة التفكيك. انه ينقل الي اللغة الفرنسية مضامين عقائد الفرق كلها فيذكر لك ماذا قالت الاشاعرة او المعتزلة او المرجئة او القدرية او الشيعة او السنة او الاباضية او الازارقة الخ.. لكنه لايفكك هذه العقائد: بمعني انه لا يربطها بسياقها التاريخي والفئات الاجتماعية التي اعتنقتها وما هي القبائل التي كانت خارجية مثلا وتلك التي كانت سنية الخ..وما علاقة كل فرقة بالصراع الحامي علي السلطة وكيف انعكس ذلك علي عقائدها اللاهوتية.. كل هذا يرفض المستشرق الكلاسيكي ان يخوض فيه ويعتبره من اختصاص المسلمين أنفسهم ولا يحق له التدخل فيه. ولكن أركون يرفض هذا المنطق ويعتبره بمثابة الاستقالة العلمية التي لا يجوز علي الباحث أن يقع فيها. فإما ان تنخرط في مجال البحث العلمي حتي النهاية وتوضح الاشكالية من مختلف جوانبها واما الا تنخرط ابدا. لكن ان تترك الامور معلقة هكذا في منتصف الطريق فهذا لا يجوز. لهذا السبب بلور اركون منهجية جديدة خاصة به لدراسة التراث العربي الإسلامي وتمايز عن الاستشراق الذي كان احد تلامذته في البداية. وهذه مسائل منهجية كنت قد تحدثت عنها سابقا ولا اريد تكرار ما قلته. وهنا تكمن النقيصة المنهجية العظمي للاستشراق الكلاسيكي بحسب اركون. نقول ذلك علي الرغم من عظمة الانجازات الاستشراقية وبخاصة فيما يتعلق بتطبيق المنهجية الفيلولوجية علي التراث لأول مرة. ولكن هذه المنهجية علي أهميتها لم تعد كافية الآن. وإنما ينبغي أن نضيف اليها المناهج التفكيكية، أي التحريرية الحديثة. وإذن فالمسألة منهجية وابستمولوجية عميقة في نهاية المطاف. اركون لا يكتفي بالمرحلة الوصفية من الدراسة وإنما يضيف اليها المرحلة التحليلية - التفكيكية التي تستند علي المعطيات المتجمعة في المرحلة السابقة وتعتصرها وتستغلها علميا من أجل التحليل والتركيب واستخلاص النتائج العامة في نهاية المطاف.

أيا يكن من أمر فإن أركون يري أن كل الفرق الإسلامية من سلطة ومعارضة كانت تمثل أحزابا لاهوتية - سياسية. وعندما كانت تدافع عن مواقفها الدينية او اللاهوتية فإنها بشكل مباشر او غير مباشر كانت تدافع ايضا عن مصالحها السياسية او السلطوية. وبالتالي فلا ينبغي ان ندرس عقائدها الدينية وكأنها معصومة او منزلة. وإنما ينبغي ان نتساءل في كل مرة لماذا اتخذت الفرقة الفلانية موقفا معينا من مسألة القضاء والقدر، واتخذت فرقة أخري موقفا معاكسا. ما هي مصلحتها السلطوية في ذلك؟

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: حسام مطلق في 2008-08-13 22:19:35

لا شك أن المقدمة, من حيث ضرورة الأخذ بما هو مفيد وترك ما هو دون ذلك, لا خلاف عليها. فترى حتى بعض منظري التيارات الأصولية حين يخاطبون قواعدهم يستخدمون هذه الفكرة, لذا أرى أن الواجب أن تجرى مناقشات واسعة ومستفيضة وفرضية الصياغة كي تغطي كل الجوانب, طبعا مثل هذه المناقشات لن تقود إلى إحداث تغير في قناعات المتحاورين, ليس أغلبهم على الأقل, استنادا إلى تركيبة عقلية خاصة قائمة على العناد يتكور حولها وعينا جميعا, ولكنها سوف تترك للجيل القادم مساحات كي يسير بها بدلا من أن يستهلك وقتا وطاقة في إعادة إنتاج الإجابة عن السؤال الفرضي الذي سوف يكون وقتها قد تحول إلى حقيقة تتطلب معالجة. 
الوعي النهائي للشعوب لا يقع نتيجة لكتاب, إلا أن يصبغ هذا الكتاب نفسه بالصفة الإلهية, ولعل هذا ما حذا ببعض المصلحين إلى المناداة بأنفسهم كأنبياء, التراكم هو ما يخلق الشعوب الواعية, فالاشتراكية العليمة تعود جذورها إلى فيتشه و كانط وهيغل قبل أن تتكون بصيغتها الأوضح على يد سيمون وفوريه وأوين. 
السؤال الفرضي حين ينطق به الفيلسوف هو ليس سؤالا عبثيا لاستعراض العضلات المعرفية أو للتنبيه إلى قوة ذاتية, فلا يبلغ الشخص مرحلة التفلسف إلا وقد تجاوز حاجته النفسية إلى اعتراف الآخرين به, تلك حقيقة على مجتمعاتنا أن تعيها, وهي سوف تدفع ثمنا لها الكثير من المتفلسفين الزبديين ولكن لكل طريق مصاعبه . 
كي نحدد ماذا نريد من الغرب فلا بد أولا وقبل كل شيء أن نحدد هويتنا, لأننا إن لم نحدد الموضوع لايمكن أن ننتقل إلى متطلبات التطوير. 
سؤال من أنت؟. قد يجيب بجزء منه أو يعطي الطريق للإجابة على سؤال من نحن؟.  
حين أقول أنا حسام مطلق, فمن أعني؟. لنقل أن هناك جملة حقوق يعترف لي بها المحيط جزئيا ومختلف معه على باقي التفاصيل, أو لنقل أنني اكتسبت بعض الحقوق المعنوية والمجتمع في حالة انقسام على حقي بها, فلا شك أن استدلالي سوف يقوم على إثبات أن من أنجز تلك المحددات " بفتح الحاء " هو أنا.  
كيف يعترف المحيط بالأنا إن لم تكن تلك الأنا أصلا معروفة بالنسبة لي دون لبس. 
فلو قلت أنني تلك الخلايا التي كانت تسهر وتقوم تأكل وتتعب وتتعرق وتقاتل ووو من أجل إنجاز هذا المشروع فلا شك أنني من الناحية الطبية مخطأ تماما. لأن كل تلك الخلايا قد تكون قد ماتت عبر سنوات الإنجاز غانيك عن سنوات المطالبة بالاستفادة المعنوية من العوائد والمكتسبات. 
إن الشيء الوحيد الثابت الباقي في كياني هو الجهاز العصبي, أي تراكم الصور والخيالات والأفكار والآمال والطموح وباقي المكونات المعنوية فيما الخلايا ليست أكثر من مجال حيوي لإفراز تلك الدواخل إلى العالم الخارجي. 
الأمم لا تبتع عن الأفراد من حيث الكينونة, فحين بدأ زكي الأرزوزي بالتنظير للقومية العربية كان حوله أفراد شكلوا فضائه الحيوي الذي أراد به تلك الأفكار, ولكن لا أخال اليوم أيا من هؤلاء ما يزال على قيد الحياة, وإن وجد منهم معمر فالأغلب أنه لا يعرف عن زكي الأرزوزي أو عفلق أي شيء. 
من هذا التماثل بين حال الفرد وحال الأمة يمكننا أن نقول إن العرب هم تلك الصور التواريخ والآمال التي شكلت تمايز يسمى العرب, وتاليا, أن أكون كحسام مطلق احتجت إلى زرع كلية من خالد أو سمية فلا يعني أن الكلية لم تعد ضمن فضائي الحيوي وأيضا أن أكون قد تبركت برئة إلى منار أو حسن فهذا لا يجعل من تلك الرئة داخلة ضمن فضائي الحيوي. 
من هنا حين أريد أن أحدد هويتي فلا يمكنني أن أتبرأ تماما من كل المخزون الثقافي الذي شكل كينونتي, لا يمكنني أن ألغي بقراءة كتاب كيف تشكلت, استطيع أن أعيد صياغة تصوراتي, أن أجد كلمات جديدة للتعبير عن دواخلي ولكنني لا أستطيع أبدا أن أقول أنني لم أعش تلك الحاثة. من هنا فإن أول عملية تصحيح في تحديد الأنا الجمعية لنا تنطلق من استعادة الذاكرة بكليتها والتغلب على حال الخوف من استحضار كامل الذكريات. 
في الوعي الفردي هناك ما يعرف بالاصطفاء, حيث يقوم الدماغ بطمس ذكريات ما مؤلمة كي يتمكن الفرد من العيش بهدوء, ولكن تلك الذكريات ما تلبث أن تتفجر في لحظة بضغط وقائع لا تترك للوعي الباطني أن يستمر بالتفافاته إلى ما لا نهاية. عودة تلك الذكريات بدون دراسة منهجية يسبب خلل في الحالة النفسية غانيك أن طمسها أصلا لا يدلل على بناء نفسي قوي ومتمكن من تجاوز الصعاب. 
الأمم التي تصر على الهروب من ماضيها هي أمم ضائع, الأمم ليست علاقة جينية, فلا شك أن الكلية المستعارة أو المعارة لم تعني أن الفضاء الحيوي قد فقد. لا شك أن كثرة الفقد تؤدي إلى ضعف البنية والوفاة ولكن المطالبة برئة انتقلت لشخص آخر وإن كان الانتقال قد تم عنوة يعني أن تستهلك الذات وكامل الجسد, الفضاء الحيوي, في غير المصلحة الفردية, وهذا محدد ثاني لكينونتنا. 
نحن بحاجة للتخلي عن المشروع الإمبراطوري العربي, وبحاجة إلى تعميق مفهوم الهوية العربية لا إلى حشره بين مزدوجين زمنيين. أي نحن بحاجة إلى استحضار التاريخ العربي من أول ما أمكن لتسمية عربي أن تعطي دلالة لكينونة مرورا بالتاريخ الذي صار فيه أسم العربي يعكس الإمبراطورية المترامية الأطراف وصلا إلى إنساننا المنكسر المتقوقع, و من ثم التفكير أين هو الفضاء الحيوي لكل تلك الصور المستحضرة, لفعل ذلك نحن بحاجة إلى تحديد الجملة العصبية, أي دولة مركزية قوية تشكل كثافتها مصدر الصور وفضاء حيوي يخضع للمد والجزر وفقا لمتغيرات وضرورات الواقع ولا أقصد بالعصبية هنا التعصب بل الخازن الحضاري أو الدماغ المحرك. 
الأمم ديالتيك, هي ككل الأشياء تخضع للمتغيرات, لأنها أساسا أفراد, والأفراد هم من ينشئون تلك الصور, أي أن صور الأمة متباينة كما تاريخ الفرد متنوع فيه القبيح والحسن وفيه القوي والضعيف, القول بالإنسان المثالي كذبة, والقول بالأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس كذبة أيضا, كما لا تقل عنها شعارات الخلود. الأمم كما الأفراد تفنى, وكي تبقى هي بحاجة للتجهز لصراعات البقاء والتطور, فلا استمرارية بدون تطور لأن قانون الطبيعة يسقط على الأمم, البقاء للأفضل قانون البيولوجيا والأمم شكل من أشكال تعبير المادة الحية عن ذاتها. 
أي كما أن الفرد العادي معني بتحقيق مصادر البقاء وبناء استراتيجية للحفاظ على تلك المصادر وكما انه غير معني في لحظة الطوفان بالبحث عن وسام شرف حصل عليه أحد الأجداد مهما كان هذا الوسام عظيما فإن الأمم أيضا في اللحظات الحاسمة بحاجة إلى التمسك بما يحافظ على بقائها والقيام بمفاضلة لما هو أساسي للبقاء مقارنة مع ما يمكن التعويض عنه لاحقا.  
إن الذود عن الشرف من خصائص النبلاء, ولكن الاتجاه نحو العدم هو فعل الأغبياء. يمكنك دائما أن تؤجل المعركة إلى لحظة تكون فيها المعطيات أكثر ملائمة لك. الصور التي تحرك المشاعر النهائية لا يمكن مغادرتها ولكن يمكن في حالة النضوج ضبط تلك الانفعالات كي تخدم الهدف الأهم للفرد ألا وهو البقاء وبتتالي الأولويات يكون الحفاظ على المكتسبات المعنوية جزء من شاغل العمل والجهد. 
كي أكون أكثر دقة, أي كي الخص ما سبق من شرح بمطالب واضحة فنحن بحاجة إلى التالي : 
1- الانتقال بالانتماء التاريخي إلى الحقب البعيدة عن الإسلام دون أن نحذف من التاريخ تجربة الإسلام ولا أن نعصمها عن الراجعة العلمية التحليلية. 
2- أن نتوقف عن حشد الطاقات لأطراف أوطان في وقت قلوب الأوطان و عصبها في حالة خطر, إن لم نقل في لحظات قد لا يكون بعدها رجوع. 
3- نحن بحاجة لتحقيق ذلك إلى تحرير الفرد من المقدسات, كل المقدسات, القومية كما الدينية, لأن ما نحن فيه من حال لا يعطي غلبة لجهة على أخرى, فكما أفرز الإسلام بعد كل تلك القرون أوطانا ممزقة, أفرزت التجربة القومية, وفقا لما هو مطروح, فردا تائها عاجزا أمام المتغيرات الإنسانية, وأرد الكلام هنا للمفكر أنطوان مقدسي " قتلوا الإنسان ", أي أن ما صح من إخضاع الإسلام للمراجعة والتحليل يصح على الدعوة القومية كما هي اليوم. وإن كنت أقول الإسلام بالمطلق والقومية بالمقيد فلأن الإسلام بكونه دين لا يقبل تغير التعريف فيما التجربة القومية لا تخرج عن مجال التراكم الفكري لذا هي قابلة للمراجعة والمعاودة أكثر مما يمكن أن تؤدي المراجعة بالإسلام إلى العودة. مراجعة الإسلام بداية الإسقاط ومراجعة التجربة القومية بداية تصحيح الاتجاه. 
إن جزء غير قليل من حال الصراع التي يعيشها الفرد العربي في تحديده لهويته مرده ثقل الشعارات التي تجعل العربي أسطورة, أسطورة هو غير قادر على تمثلها في الواقع, ولا على الفرار من تقنين التاريخ لتحقيقها في وعيه. هذا النوع من الضغوط الأسطورية في محصلتها النهائية تنتج خللا نفسيا حين يستسلم لها الفرد, وينتج عنها حالة جمعية مريضة حين تعم الأفراد تصاب بها الأمم. 
نحبك كما أنت,شعار رفع في تربية الطفل في الغرب, رفع قبل بضعة عقود ونتج عن ذلك أن الفرد لم يعد خجلا من سقطاته بل بات يعرف أنها, أي تلك السقطات, جزء من الهوية التي شكلته حين تحول إلى مبدع أو حتى عامل عادي منطوي تحت سقف القانون. 
الفرد الذي ينتسب إلى عائلة عريقة يكون ذا حظوة, ولكنه من الناحية العملية يكون أقل جدوى, هذه حقيقة اجتماعية, تماما كالرجل القوي البنية غالبا ما يستعيض ببنيته فيقصر دور عقله في الإبداع, ومن النادر أن تكون المرأة الجميلة مهتمة بالتعمق الفكري, فحضورها الأنثوي الطاغي يغني عن الكثير, وطبعا لكل قاعدة شواذها. 
إذن توصيف الحال انطلاقا من الصراحة التامة بداية الحل, والاستعجال في النتائج هو ما يقبر الحلول أيضا. 
أول شريعة انطلقت من الفرد لا من المجتمع كأساس وضعت عام 1629م كتبها الماي فلوريين أسسوا بالاستناد إليها مستعمرة صغيرة في ولاية مساشوستس حكموا بمثالية أفلاطون. تطلب الأمر قرنا ونصف حتى تقتنع ولاية, أي دولة وحكومة, بصوابية عقدهم المؤسس لتعلن كل الولايات الأميركية اعترافها بذلك العقد عام 1789م. 
أول محاسبة برلمانية وقعت 1376 في بريطانيا حين اجبر مجلس اللوردات الملك على محاسبة مختلسين لتسقط كل التجربة بعد قرون على يد كروميل وليعي الشعب البريطاني أهمية المؤسسات الدستورية كنتيجة لكل تلك التراكمات. 
في اسكندنافيا اعترف قبل أكثر من خمس قرون بتمثل رابع للمجتمع هو فئة الفلاحون الأحرار لتضاف إلى مكونات سابقة للجمعية الدستورية التي كانت تتشكل من الكهنوت والنبلاء والبرجوازيين. 
تاريخ اكتمال وعي الأمم أطول من تجربة فرد أو جيل ولذا لجأ المتعجلون إلى السلطة الإلهية لكي يروا نتائج عملهم وهذه برأي أنانية, كما أن التقوقع خلف شعار " هيك شعبنا " دليل عجز وفشل أحمله مسؤولية قرن من الاستقلال ضاعت أغلبها دون انجاز حضاري على مستوى الوعي الذاتي ودليل هذا الفشل تمكن التيارات الدينية من السيطرة على كل تجربة ديمقراطية طرحت نفسها في العالم العربي وفقط قبل أسبوع أشار تقرير إلى أن أكثر من ثلثي الشعب المصري وعدد أخر من الشعوب العربية تطالب بالشريعة الإسلامية مصدرا للتشريعات جميعها. 
لاشك أن الغرب, وإحساسنا المؤكد بتفوقه, هو ما دفع إلى المقال الذي تناقشه هذه السطور, ومن هنا فإن القول باستقلال تجربتنا في استشراف الحل عن الغرب مغالطة كبيرة, نعم علينا أن ننطلق من ظروفنا ومن وقائع حياتنا ومن صورنا التي شكلت وعينا ولكننا حين نقرر أن نشيد مؤسسة اقتصادية لا نتبرأ من التجارب الأخرى بل نقيم البناء مستندين إلى آلياتها في دراسة السوق ونظامها المحاسبي في المال ونظامها الداخلي في تحديد المسؤوليات محتفظين خلال كل ذلك بهدفنا النهائي من المشروع هذا الهدف القادم من الكينونة والتصورات على أن نبقي مشروعنا الحضاري منسجم مع باقي المشاريع, فلا يقوم على حال تحدي نهائي تتطلب إلغاء الآخر حتى لا ندفعه إلى تحريك مشروعه لإلغائنا ولا أن نستسلم لمنافسة السوق. هناك دائما ذاتية تحقق تمايزك وتعطيك القدرة على إسقاطها على منتجك, فلا تعيد إنتاج الآخر, ولا تنتج ما يسهل على الآخر أن ينتجه فتصبح فريسة سهلة, ابحث دائما عن مساحات غائرة في الأعماق, وإن يكن من الصعب على الفرد المقيد الوصول إليها, ولذا تنطلق الأمم التي حررت أفرادها في سيرها الحضاري بسرعة أكبر من الأمم التي يقيد فيها الفرد. 
إن كنت بحاجة إلى أن ألخص الملخص فأنا أدعو إلى إعادة بناء الإنسان, إلى تحريره, إلى تصحيحه, فشل مشروعنا الحضاري هو انعكاس لفشل الإنسان, فقد مرت على كل أوطاننا كل أشكال الأنظمة, الملكية المطلقة, الملكية الدستورية, الجهورية التوافقية, الجهورية الثورية, الاستعمار, الاحتلال, والنتيجة واحدة : الفشل. آن الأوان كي نقف بوضوح أمام القاسم المشترك في كل تلك التجارب, أي الإنسان ذو والوعي الناقص, فدون بناء فرد ذو سوية نفسية وثقافية مناسبة لن يكون بالإمكان, لن أقول النهوض, بل ربما حتى الاستمرار.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: حسام مطلق في 2008-08-14 02:53:25

ارجو العذر فـ " الفلاحون الاحرار " كان يجب ان توضع بين قوسين كونها اسم وليست صياغة والا وجب ان تكتب الفلاحين الاحرار . مع التقدير
الاسم