أخبار Google
Google News العالم العربي
Google News العالم العربي
 
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

مجتمع
مواقع سورية
في سورية
البداية arrow مجتمع arrow قضايا و آراء arrow حاج تزنّ عالوتر
حاج تزنّ عالوتر Print E-mail
هلوسات - قضايا و آراء
بقلم: سومر حسن   
29 أيلول 2008 الساعة 16:50

لبناء مجمتع سليم, و هو حتى إشعار آخر و مؤخَّر في واقعنا عمل يوتوبي, أنت بحاجة لأسس سليمة, و  من المتفق عليه الآن أن الأسس السليمة تعني بالضرورة فرداً –أو إنساناً- سليماً.

و إذا كان بناء الإنسان السليم بحد ذاته معضلة, فإن التقدم على صعيد مختلف العلوم لا سيما النفسية منها يساعد على إيجاد تركيبة أقرب ما تكون إلى التركيبة الصحيحة لبناء هذا الإنسان و التي تؤكد صحتها بالتجربة.. خير البراهين.


أنا أنظر إلى الإنسان كوحدة متكاملة لديها متطلبات على صعد مختلفة, تتركز بمجملها حول فكرة الوجود, و تحقيق هذه المتطلبات أمر جوهري لبناء هذا الإنسان السليم. على رأس هذه المتطلبات الوجودية أمور تبدو بديهية بقدر ما هي جدلية و مثيرة للتناقض و الخلاف, الإنسان يحتاج بلا شك للغذاء, يحتاج للأمن, للجنس, لملء الفراغ الروحي –الذي يتبدى بنسب متفاوتة- و ذلك بعقائد أياً تكن –وبعض منكم يخالفني  هنا ... بالاتجاهين-, للتعايش مع الآخرين و ذلك وفق ما اتفقت البشرية على تسميته حتى الآن بالشرائع و الأخلاق, للحرية –أياً يكن تعريفها- , لأمور كثيرة أخرى يكفيني ماذكرت منها باعتبارها منطلقاً كافياً لبناء إنسان سليم.

إن نظرة عن قرب إلى مجتمعنا اليوم تظهر لك ببساطة و بداهة مخيفة, كم أن كثيراً من هذه الحاجات الأساسية منقوصة بطريقة مرعبة, مرعبة للوجود الإنساني بقدر ما هي مرعبة للوجود الاجتماعي للجماعة, و إذا كنّا نفخر –إلى حدا ما- أننا مازلنا من دول العالم الثالث التي تستطيع تحقيق نسبة لا بأس بها من الغذاء لشعوبها, و إذا كان يبدو لنا نسبياً أن وضعنا ممتاز لجهة المتطلبات الخاصة بأمن كل فرد مقارنة بدول الجوار, فإنني إذا اردت التعمق بقضية الأمن الفردي فإنني أستطيع أن أقول الكثير, لا سيما لجهة نظرة أفراد المجتمع إلى المستقبل, و إلى محاولة تكتلهم على شكل طوائف و مناطق و عشائر و عائلات بحثاً عن إشباع رغبة وجودية أساسية هي الأمان, سواء كان تحقيق هذه الرغبة موجوداً على ساحة الشعور –وهو الأندر برأيي- أو كان تحقيق هذه الرغبة أمراً قابعاً في اللاشعور ويتحكم بتصرفات الإنسان بصورة تبدو له إرادية في حين أنها في الحقيقة صادرة عن مصدر لا شعوري.

إذا أتينا للجنس, فلا أعتقد أن أحداً ينكر أن الجنس حاجة أساسية لكل فرد, و أن التعامل معها في المجتمع المريض الذي لدينا خاطئ بنسبة مرعبة, سواءً لجهة الكبت المطلق للرغبات الجنسية حتى الوصول إلى إنكارها بصورة تامة والادعاء بأن هذا هو الإنسان المثالي... الخلوق, أو لجهة إباحتها بصورة لا تحمل أي ضابط على الصعيد الأخلاقي –وهو أمر أساسي لبقاء الجماعة- و الادعاء بأن هذا هو الإنسان... الحرّ, و في الحقيقة, فإنني أملك قناعة في الفترة الأخيرة بأن نشر الثقافتين السابقتين –الكبت و التحرر المطلق- وجهان لعملة واحدة, و أميل إلى القول و بنفس راضية نسبياً, و مرحلياً, بأن مصدر نشر هذه الثقافات واحد أيضاً, دون الخوض بالتفاصيل التي ستكون دون شك موضوعاً للنقاش قريباً, أو بعيداً, تبعاً للـ "وضع الإقليمي".

عندما نصل إلى الفراغ الروحي, فإن كثيرين منكم –و على ضفتي النهر اليمنى و اليسرى- سيختلفون معي, سواء لجهة النفي أو أقله عدم الاعتراف بوجود هذا الفراغ, أو لجهة مقاربة طريقة ملئه, عموماً, هذا لا يمنع من إبداء الرأي من قبل الجميع, فهذه ساحة مناقشة و ليست منبر فرد واحد.
الفراغ الروحي كما أراه أنا هو أصعب العقبات التي تواجهنا في بناء الإنسان السليم, فالتعامل معه بصورة سطحية بديهية بسيطة, من حيث فرض المحتوى الذي يملأ هذا الفراغ, و الدفاع عنه بقوة جهنم و وكلائها على الأرض, تقود إلى إنسان هش خاضع للمؤثرات الخارجية و تسيطر عليه أنا عليا لا يمكن للمنطق أن يتجاوزها أياً تكن مبرراته, و تحول الإنسان إلى آلة تتلقى الأوامر الخارجية لتنفذها بعيداً عن كل مناقشة أو مراجعة, و الأمثلة في عالم اليوم كثيرة, و بالمقابل فإن ترك هذا الفراغ الروحي خاوياً من كل عقيدة فلسفية أو دينية يجعلني أصنع شكلاً من أشكال الإنسان الإله لجهة عدم وجود ضوابط تصنع أنا عليا تسمح له بالتعايش مع الجماعة و بالحفاظ على بقائه, و بالتالي فإن أناه هي الحاكم المطلق,و بنفس الوقت شكلاً من أشكال الإنسان الحيوان لجهة عدم غربلة الغرائز اللاشعورية –الحيوانية غالباً- بحيث تصبح قادرة على التعايش مع مجتمع يحمل صفة جوهرية هي "الإنسانية".

الآن نأتي إلى المنظومة الاجتماعية, أو إلى جزء منها و هو الأخلاق, و لست بحاجة هنا إلى الخلاف معكم أو حتى إلى الاختلاف, فمما لا شك فيه أن المنظومة الأخلاقية بمعناها الشامل غائبة تماماً في المعنى الجماعي, و إن كانت موجودة على بعض الصعد الفردية فأنا لا أنظر إليها إلا كبقايا أو كفتات لمنظومة بائدة منذ مئات –حتى لا أقول أكثر- السنين, و غياب هذه المنظومة -و هي كما ذكرت حاجة اجتماعية- لا شك يجبرنا على الالتفات إلى الاختلاطات المترتبة على مرض كهذا.

و أما النظرة الأخيرة إلى الحرية, فلا يخفى على أحد أنها غدت مطلباً نخبوياً بعيداً عن رغبة جماعية و هذا موضوع لا أظن أنني مخول لنقاشه "هنا و الآن".

الآن:

انظروا معي بلمحة سريعة أو بنظرة تمحصية إلى أي منتج جماهيري اليوم, أي منتج, من الدراما, إلى الموسيقى, إلى الدين كما يُقدَّم أحياناً اليوم, إلى السلع التجارية.. الخ. إن نظرة عن قرب إلى كل واحد من هذه المنتجات الجماهيرية –وليس بالضرورة الناجحة فكرياً- توضح بصورة مرعبة كيف تملأ هذه المنتجات الفراغات السابق ذكرها في هذا المقال, الأمن, الجنس, الفراغ الروحي, الأخلاق و الحرية.

إن هناك فيما يبدو يداً عليا في هذا العالم (؟), تسعى بكل طاقتها لتشكيل الإنسان المنقوص لجهة هذه الركائز, تربيه بحيث تنزع أجزاء من كل ركيزة, ثم تقدم له منتجاً يطابق شروطها هي –بطبيعة الحال- و يسكب شيئاً من المحتوى في فراغ كل ركيزة من هذه الركائز, و هنا تكمن الخطورة, إن هذا المحتوى في حقيقة الأمر هو محتوى سطحي, خبيث الهدف, و يسبب بسبب هذه السطحية مزيداً من التعطش لملء الفراغات, إن هذه المنتجات الجماهيرية تشبه فنجاناً من الماء –المالح غالباً- يُقدَّم لإنسان يسير في صحراء حارقة منذ شهر بدون قطرة ماء.
والمشكلة أن المنتجات هذه تظهر في اتجاهين يبدوان متناقضين للوهلة الأولى (والثانية .. ربما), يبدو هذان الاتجاهان قمة في الخلاف و التناقض, و لكن نظرة متأنية لنقاشهما و رؤية أسباب نجاحهما جماهيرياً تؤكد أنهما يلعبان أو يزنّان على وتر واحد, و أستطيع أن أقول, مرحلياً كما ذكرت, أنهما ينشآن من مصدر واحد.

إن كل منتج جماهيري في مجتمعنا المريض يزنّ على وتر واحد –على الأقل- من هذه الركائز, و حيث أن كل واحدة منها تشكل وتراً حساساً –لأنها حاجات فطرية بشرية- فإن الإنسان المريض يتفاعل مع هذه المنتجات بطريقة غرائزية, و حيث أن كل واحد من هذه المنتجات مالح غالباً فإنه لا يسبب إشباعاً بأي شكل من الأشكال لهذه الحاجات, و بالتالي فهو كلما تكرر بشكل جديد أو بتجلٍ حديث فإنه سيبقى يزنّ عالوتر.

باب الحارة – نور,  أسامة بن لادن – هيفا,  كوكاكولا- بطاطا شيبس حلال, روتانا كافيه - الفتوى على الهواء, ميلودي هيتس – فتوى اللحيدان الأخيرة ... و البقية.

إن نظرة متأنية –أو ثالثة- إلى هذه الثنائيات من المنتجات الجماهيرية اليوم, تؤكد أن كل واحدة منها تزن على وتر, و تؤكد ربما فيما هي بهذ التصنيف على أن اليد التي تربي الأجيال هي التي تدفعها إلى تبني خيارات تبدو متناقضة و لكنها في الحقيقة جميعاً تزن على وتر واحد, بنغمات مختلفة, تعددت المنتجات و التطرف واحد.

الحل ليس أبداً بعبارة "وترك حساس, حاج تزن عالوتر" فـ "هو" سيزن طالما أن الوتر حساس, الحل برفع عتبة حساسية هذا الوتر, بحيث لا يزن الماء المالح على الوتر, و ذلك بإشباع الحاجات الأساسية –أو الركائز- بكميات كافية -فلا منع و لا إسراف- من الحاجات الفطرية, عندها لن يزن على الوتر إلا الماء العذب.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: ميس في 2008-10-07 00:49:28

أعتقد أن الحل في ان ندرك تمام الادراك ملوحة الماء ونبحث عن واحة مائنا العذب لنروي العطش .
الاسم