أخبار Google
Google News العالم العربي
Google News العالم العربي
 
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

مواقع سورية
في سورية
البداية arrow مرصد الطائفية arrow موقف باص arrow رسالة إلى جدتي ..!
رسالة إلى جدتي ..! Print E-mail
هلوسات - موقف باص
بقلم: المحامي موسى شناني   
04 تشرين الأول 2008 الساعة 13:49
  أعرف يا " ستي " أنك ستفاجأين برسالتي هذه ، وأنت ( يا دوب ) تفكين الخط ، لا أظلمك فأنا أعرف أن التعليم ( على دوركن ) لم يكن متاحا للرجال فضلا عن النساء ، وأعرف أنك الآن في العالم الآخر ، العالم الذي فنيت عمرك وأن تقولين " اللهم أحسن آخرتنا " وكان رضا جدي عليك هو المدخل للسعادة في الدار الآخرة التي تنعمين بها الآن ، لا أدري إن كانت رسالتي ستعبر كبد السماء إليك أم أنها سترمى بشهاب حارق ، ولكني أحببت أن أكتب لك لأطمئنك أن كل شيء عاد كما كان . كنت أسمعك تشكين بكثرة من هذا الزمان الذي أصبح فيه للمرأة بعض الحقوق وأصبح لها رأي وتخرج للعمل وتنال التعليم العالي ، كنت أراك تتحسرين على أيام زمان وبنات أيام زمان ورجال أيام زمان وحارات أيام زمان ، رأيتك وأتذكر كيف بكيت حنينا حينما رأيت الببور الصامت في مسلسل " باب الحارة " وكيف تذكرت جدي حين جلب لك مثله وضربك " منية " ولم يقل لك بأن صوت الببور القديم مزعج له .


    كان جدي يفعل الكثير من الأشياء من أجل راحته ، وأنت يا " ستي " كنت طيبة القلب كثيرا وتشكرينه على أي عمل وتعتبرينه فضلا عليك حتى لو كان مجرد أن يسمح لك بزيارة بيت أخيك أو أمك . لقد رحلت عن هذه الدنيا يا " ستي " وأنت راضية مرضية ، بالفعل كان جدي راضيا عنك حين وفاتك لدرجة أنه لم يسمح لضرتك بأن تستعمل أيا من أشيائك الخاصة ، والحقيقة لا أعرف إن كان لديك شيء خاص غير سروالك الداخلي يا جدتي ، ولكني في آخر زيارة لجدي في الضيعة رأيت كم هو حزين وحساس من أجلك لدرجة أنه عرفني على امرأة غريبة لم أرها من قبل وقال لي هذه هي جدتك الجديدة يا " جدو " .. تخيلي يا " ستي " لم يرد جدي أن يجرح إحساسي بفقدك فسرعان ما جلب لي جدة جديدة ولو أنها أصغر منك بالعمر ..

    وبينما كانت ضرتك ( جدتي الثانية القديمة ) تصنع له " القريشة " دخل هو وجدتي الجديدة إلى الغرفة لوحدهما وتركني لوحدي ، ولكني سمعت أصواتا من داخل الغرفة تشبه الأصوات التي تصدر عن سيارة جارنا العسكرية التي ( صوتها أكثر من فعلها ) وسرعان ما تتعطل وتخرج دخانا يزعج الناس ويعمي العيون .. ولكن جدي وقتها لم يشأ أن يطيل علي وسرعان ما خرج وهو يسعل بشكل حاد وسمعت جدتي الجديدة تقول في سرها : ( يالله ظل راجل ولا ظل حيطة ) .. عرفت بذكائي الخارق يا " ستي " أن ظل جدي ليس مثل ظل الحائط لأنه متحرك ومتغير ولا يظل " واقفا " مثل الحائط ..

    ما علينا يا "ستي " .. أريد أن أخبرك وأبشرك بأن الحارة التي كنت تحنين إليها عادت .. والمدينة التي كنا نطمح لبنائها والعيش فيها نحن الجيل الواعد لم تبن وما بني منها سرعان ما تدمر وكل مظاهر المدنية يا " ستي " اختفت واندثرت حتى معالم الدولة الوليدة لم تعد واضحة ، فأنا لا أعلم إن كنت أعيش في قبيلة أو عشيرة أو حلبة أو في دولة دينية أم علمانية أم داخل الطائفة أم في حمى العشيرة أم في حظيرة حمير ، ، لقد فتح " باب الحارة " على مصراعيه يا جدتي ، ودخلت منه كل فتوحات القبائل مجرجرة وراءها التاريخ من رقبته ، وكل الماضي ، وكل السلاسل ، وكل الجلادين ، وهاهي البداوة تعيد بناء أبوابها وأسوارها .. بدأ مسلسل باب الحارة يا جدتي ، وهو مستمر ، في كل مكان ، منذ سنين طويلة ، ونحن باعتبارنا شعب واحد ، ولدينا شعور واحد ، وإحساس واحد ، فنحن ليس بيننا اختلاف والعياذ بالله يا جدتي ، كلنا متشابهون ، متماثلون ، مقرفون لحد التطابق ، نحن أصحاب رأي واحد ، وليس هناك من داع لإعمال الفكر والعقل ، لأن التفكير رجس من عمل الشيطان يا جدتي كما تعلمين ، أعرف أنك تحنين للحارة يا جدتي ، وكنت تودين لو تعود أيامها ( على حياتك وعلى عينك ) وهآنذا أكتب لك حتى أطمئن قلبك بأن حارتك عادت وسادت ومادت ..

    اطمئني يا جدتي .. لقد طلبت مني أمي أن أخبرك بذلك .. هل تذكرين كيف زوج جدي أمي حين كانت في الثالثة عشرة من عمرها .. كانت تلعب في الشارع مع رفقاتها البنات .. زوجها لأبي الذي يكون ابن عمها .. إنها لم تكن تحبه .. ولكن كان يجب أن تحبه .. ومع ذلك .. أنجبت منه أحد عشر ولدا .. هل تذكرين كم تحملت وصبرت على معاملته الصعبة .. كانت أمي مثل أرض الضيعة بل وأفضل إنتاجا .. لأن أرض الضيعة كانت تخضع لنظام التبوير ( سنة زراعة وسنة راحة ) إلا أن أمي لم ترتح سنة من الحمل ، رغم أن أبي كان يضربها ويحقرها ويصفها بأنها " بنص عقل " ولكنه مع ذلك كان يضاجعها ويحبلها وينجب منها البنات والبنين .. أتذكر يا " جدتي " كيف ( خربط ) أبي وطهرني مرتين !! نعم .. لقد نسي أنه طهرني سابقا .. ثم عاد وطهرني مرة ثانية وكان يقصد أخي وليس أنا ..تذكرين : كنت ألعب في الشارع .. ونادوني .. وفجأة انقض علي ثلاثة رجال وطرحوني أرضا ورفعوا رجلي الاثنتين حتى لامستا رأسي ، ولم أشعر إلا وبشفرة الحلاقة تقص قطعة من قلبي .. بعدها انتبه أبي أنه طهر الابن الخطأ .. ولكنه لم يعتذر لي ولم يضمني إلى صدره .. بل صرخ في وجهي وقال : ( ولاك يا جحش يا ابن الجحش ليش ما قلت إنك تطهرت من قبل ..) ...

    آخ يا " ستي " ذكريات مضحكة .. نعم .. لقد كبرت وتزوجت .. وفي كل مرة تسألني فيها زوجتي سؤالا محرجا أروي لها هذه القصة كي تغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر .. بالحقيقة أحيانا تعذرني وتحن علي .. ولكن في الغالب الأعم أسمعها تقول في سرها ( شو ألله بلاني بواحد مطهر مرتين ) ..

    المهم .. الغرض من رسالتي يا " ستي " هو تنفيذ رغبة أمي بأن أطمئنك فقط عن الحارة وبأنها عادت كما كانت ، بل و( أدق رقبة ) .. نعم يا ستي .. تخيلي يوم الخميس الماضي كان عرس " جاسم " ابن أبو " كدرو " على " بديعة " بنت أبو سالم الشختوري " وكما تعلمين العريس يذهب إلى الحمام في ليلة العرس كي يتم تلميعه .. ولكن العريس " جاسم " يومها ( عصي ) بالحمام ولم يذهب للعرس ، وحتى لا يتم تخجيل والد العروس " أبو سالم الشختوري " أمام الناس ، فقد تطوع شاب من الحارة للحلول محل " جاسم " العريس وهكذا يا " ستي " حلت المشكلة ومضت الليلة على خير والحمد لله رب العالمين ..أنت تعرفين يا ستي أن الناس لبعضها بالحارة ..

    ماذا أخبرك أيضا يا ستي عن الحارة .. كل الناس طيبون والحياة هادئة ومنظمة ومدروسة إلى درجة أنه لا يوجد أي أفق آخر غير باب الحارة .. تجارة الحنطة والشعير والقماش والتوابل والصابون على خير ما يرام .. والزواج سهل جدا يا ستي وليس معقدا مثل هذه الأيام .. بمجرد أن يعطي الأب كلمة تزوج البنت .. ولا يوجد شيء يعكر صفو هذه الحياة الهادئة سوى بعض الأحداث التي لا أريد أن أذكرها لك يا جدتي حتى لا تتوتر أعصابك وأنت في عالم الراحة .. ولكن سأروي لك بعضا منها لأنك تحبين ذلك .. ذات مرة دخل جارنا " أبو حمدو " إلى بيتنا ولم يقل " ألله ألله " بصوت عال ومسموع فكادت أن تقع مجزرة لولا تدخل العناية الإلهية في الوقت المناسب ..

ولا أريد أن أزعجك أيضا يا " ستي " ذات مرة أراد جارنا " أبو حريدان " أن يفتح بابا لمنزله أمام منزل بيت جارنا " أبو طنجور " فعلقت علقة كادت تسيل فيها الدماء إلى الركب بسبب الخوف من أن تنكشف حريم أبو طنجور على بيت أبو حريدان " وبقيت المعارك والمشادات والمفاوضات مستمرة لمدة لثلاثة أشهر حتى حل الموضوع لأن أبو حريدان عطاك عمره أيضا يا ستي.

وذات مرة أيضا كان " مفعوص الرقبة " يحدث خطيبته " إم لسان " من وراء الباب فرآه شقيقها " مجحم " فلم يحجم وكر كرة " الزير سالم " على بني مرة وأوسعه ضربا وكاد أن " يشخت أخته على البلوعة " لأنها تحدثت مع خطيبها والعياذ بالله يا جدتي من وراء الباب .. ولولا فضل من الله لهدمت بيوت وصوامع ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا .. البنات عندنا بالحارة مستتات على الآخر يا ستي يحق لهن الطبخ والتعزيل والشطف وترتيب البيت وفرك رجلي الزوج وزيارة أهلها ، إذا وافق طبعا ، إنهن يعشن في أحسن حال والحمدلله

    ماذا أخبرك يا جدتي .. الحقيقة لا أعرف شيئا عما يدور خارج باب الحارة لأخبرك عنه .. تخيلي أن العالم في القسم الغربي الكافر والمنحل يجلسون مع بعضهم البعض رجالا ونساءا .. وتركوا كل هذه النعم التي ننعم بها وراحوا يخترعون الآلات والمصانع ويعبرون المحيطات ويغزون الفضاء ويصنعون الطائرات والسفن والصواريخ والأدوية والسيارات وو .. وبيوتهم مفتوحة على بعض والنساء تجلس على الشرفات والعياذ بالله .. كنت أعتقد أن العالم كله يعيش مثلنا داخل السور .. وغطاء الرأس .. لقد عادت الحارة يا ستي .. وحافظنا على الخصوصيات والسوابت والنوابت .. تخيلي يا جدتي .. كانوا يحدثوننا عن أشياء غريبة حقا ويخوفوننا منها وأهرقوا الكثير من الوقت والدم والحبر والورق من أجل الحديث عن أشياء تافهة أرعبونا بها .. تخيلي كان البعض من المعتوهين يتحدث عن مخاطر غوريللا تسمى " العولمة " ستخرج من الغابة وتأكل أطفالنا .. أطفالنا يحملون الشبرية يا ستي ولا يهمهم شيء .. تخيلي بعض المساطيل تحدثوا عن مرض اسمه " الغزو الثقافي ... لم يعرفوا أننا لم نخرج من باب الحارة بعد .. ولم نسمع بآلة الطباعة .. ولا بالأخوين " رايت " لأننا كنا نبحث فيما إذا كانت الملائكة من الذكور أم الإناث وكيفية غسل الإناء الذي يلغ فيه الكلب وحكم مضاجعة المرأة للجان .

    كل شيء عاد يا جدتي .. الحارة عادت .. وعاد معها الزعيم .. والخصوصية والسوابت .. والرضا والقناعة والتسليم .. وعاد غشاء البكارة يرفرف كالمنارة فوق باب الحارة يا جدتي .. وعاد شرف القبيلة ليستوطن بين فخذي المرأة .. وعدنا ننضوي تحت شعار واحد .. لأننا شعب واحد .. ولدينا شعور واحد .. ورأي واحد .. وفكر واحد .. حتى زينا واحد .. نحن نحب التوحيد يا جدتي .. كلنا حراس غشاء البكارة .. كلنا باب الحارة .. يفتحونا .. ويغلقونا .. وتبقى الحارة.

دمتي بخير جدتي ، وسلمي على كل من يسأل من طرفكم.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: باسل في 2008-10-04 23:43:54

الله يرحم ستك يا حبيب .... 
بكرا ومع التطور و التحديث منصير منسمع بالباب الكهربائي .... هيداك عزيزي ما بيصير بيزعجنا وقت بيفتحوه و بيسكروه ...لأنو ببساطة ما بيطلع صوت ......... 
لكن لأنو باب مستورد ...بدك تقول أصلي شغل الصين ..... 
وساعتها بدك تترحم على جدك ..............سدقني......

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: نسرين في 2008-10-06 13:58:47

هلا مابعرف شو بدي احكي مقالاتك اكتر من اللازم بس ممتعة وما فيني اتركها لتخلص كتير حلوة 
كمان الله يرحملك ستك 
باب الحارة منيح ليش مانك حابه

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: smartevil في 2008-10-06 20:39:34

مقالاتك ممتعه فعلا  
اعتقد انه قد اقترب الوقت لبناء سور حول امة باب الحاره ومنع حتى الافكار من التسلل من خلف هذا السور  
ضحكتني من كل قلبي على الطهور لسوء حظي كنت البس كلابيه ( دشداشه ) اعاقت هروبي ليمسك بي نشامى العائله ولم ينفعني كل التهديدات والشتائم التي اطلقتها ..... ولكنه كان درسا بليغا فمنذ ان كان عمري 9 سنوات الى الآن لم البس دشداشه ابدا ابدا

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: yasser في 2008-10-07 12:01:30

عظيم استاذ موسى ... 
كتابة رائعة حقاً... 
وسلامة قلبك من الطهور مرتين...

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: mokay88 في 2008-10-19 19:53:11

عن جد قصة روعة واسلوب رائع 
 
وبصراحة حسيت حالي عمري شي 70 سنة و عم أتذكر الايام الحلوة 
 
 
 
شكرا كتييييير استاذ موسى شناني  
 
 
ننتظر ابداعاتك .............تقبل تحيتي
الاسم