|
مبدأ الشيطان أو (The Lucifer Principle) هو كتاب للباحث والعالم هاورد بلووم Howard Bloom... وهو ليس -كما قد يوحي عنوانه- عن الأديان أو الشر والخير بالنظرة الدينية للموضوع.... بل إن الكتاب هو ذو محتوى علمي بحت قائم على أدلة وبراهين من نتائج آخر وأحدث العلوم البشرية... هاورد بلووم (Howard Bloom) هو محاضر في جامعة نيويورك... مؤسس علم الـ Paleopsychology الذي يلقي الضوء على آلية تطور النفسية البشرية وتغيرها. هو أيضا عضو مؤسس في جمعية التطور العلمية. عضو في أكاديمية نيويورك للعلوم. المؤسسة القومية لتطوير العلوم. مجمع علم النفس الأمريكي في نيويورك. جمعية دراسة السلوك البشري وتطوره. الجمعية العالمية لدراسة السلوكيات البشرية. أكاديمية العلوم السياسية.
مبدأ الشيطان هو كتاب ذو مهمة فريدة ومميزة، هدفه تزويد القارئ بطريقة جديدة بالنظر إلى عالمه... يأخذ هذا الكتاب معطيات من تشكيلة واسعة من آخر وأحدث معطيات العلوم ويحولها ويضيفها كحاسة جديدة للقارئ تعمل عمل العدسة التي تعيد تفسير التجارب الإنسانية بشكل مختلف. يزود هذا الكتاب القارئ بنظرة قريبة تقوم بتحليل المنظمات الاجتماعية... طريقة جديدة في فهم عمل هيكل وروابط تلك المنظمة البشرية المعقدة. يبين الكتاب بين صفحاته أن "الشر" هو منتج مصدره آليات الطبيعة الخلاقة وأنه ضمن مكوناتنا البيولوجية الأساسية... وقد قدم تلك الفكرة إلى المجتمع منذ زمن ودون أن يدري القديس بول عندما قدم مبدأ الخطيئة الأولى...مثله مثل كل الفلاسفة والأنبياء وحتى أساطير الإنسان الأولية الذين حاولوا وضع تفسير للشر بشكل إنساني أو روحاني... أعاد إحياء تلك الفكرة توماس هوبيز عندما وصف الإنسان بالتوحش والسوء. عالم الأنتربولوجي ريموند دارت قدم تلك الفكرة أيضا بشكل علمي عندما حلل مستحاثات بشرية في أفريقيا على أنها دليل على أن الإنسان هو (قرد يقتل). ورغم قدم ذلك المفهوم فقد عانى من ثورات ضمنية على نفسه... لماذا ؟ لقد كان يمثل الخطر الذي بنى عليه أناس أمثال القديس بول و هوبيس نظرتهم التراجيدية إلى العالم. يقول الكاتب في مقدمة الكتاب: "لقد حاولت أن أستعمل موضوع دراسة ما يدعى بـ (الشر الموجود في البشر) بنفس الطريقة التي تطرق إليها الناس في الماضي في محاولة مني لإعادة بناء المفهوم التي ننظر من خلاله إلى أنفسنا كبشر. وقد اعتمدت في بحثي على أدلة مثبتة من علوم حديثة متطورة لعل من أهمها علم دراسة سلوك الحيوان أو (الإيثولوجي) Ethology و علم الاجتماع البيولوجي (سوشوبيولوجي) sociobiology وعلم النفس /الأعصاب/ الهرمونات أو ما يدعى بـ سيكونيورومنيولوجي psychoneuroimmunology. ودراسة أنظمة التكيف المعقدة. وذلك لكي أقترح طريقة جديدة في النظر إلى الحضارات والمدنيات والأحاسيس والانفعالات الغامضة التي تصيب من يعيش في هذا الوحش الاجتماعي الكبير." "إن الهدف هو فتح الطريق أمام علم اجتماع جديد. علم يتخطى الحدود الضيقة التي فرضتها علينا نظريات ومفاهيم دورخيم و ويبر وماركس. تلك النظريات التي أثبت عدم قيمتها عند دراسة سلوك المجتمعات البشرية وأوقعتنا في نفس النظرة التقليدية القديمة إلى المجتمعات البشرية" "إن كتاب (مبدأ الشيطان) مقدم كطبق من الحلوى لذكاء القارئ... أستطيع أن أعد القارئ بشيء واحد أكيد. وهو أنك عندما تنتهي من قراءة هذا الكتاب، فإن نظرتك للأحداث اليومية التي تجري حولك ستختلف بشكل كبير عن الطريقة القديمة التي كنت تعتمدها." ( الكل أكبر من مجموع الأجزاء المكونة له) ((هناك مفهوم غريب في فلسفة العلم يدعى بالـ (الكلية – من الكل) (الكلية) هي شيء معقد ينتج من اجتماع عدد كبير من العناصر البسيطة.. إذا فحصت قطرة ماء بسيطة في أنبوب مفرغ من الهواء فستمل من نشاطها الملل والضعيف... ضع كمية من تلك القطرات في كأس ستجد ظاهرة جديدة وهي الدوائر الناتجة على سطح الماء من سقوط قطرات الماء عليها... واذا جمعت عددا كافيا من كؤوس الماء في وعاء ضخم.. فستحصل على شيء مختلف كلياً.. محيطاً أو بحراً... إذا أخذنا أحرف اللغة الإنكليزية كمفردات فكل حرف منها يمثل مقطعاً صوتيا يصدره الإنسان أما جمع ملايين منها سيشكل كتاباً لشكسبير مثلاً... هذا ما يدعى بالـ (الكلية). قد تكون مدينة.. أو حضارة أو أسطورة .. قد تتمثل بشكل مجرد في أغنية عالمية مشهورة مثلاً... أو نكتة...لأن كل ما ذكرت هو بالنهاية نتائج المفهوم الكلي للأشياء. إذا أخذنا إنسانا واحدا وقمنا بعزله في غرفة من وقت ولادته وحتى موته فسينجد بين يدينا مخلوقاً غير قادر على استخدام اللغة وبمخيلة ضعيفة جداً.. وحطام من الأحاسيس البسيطة بلا قدرة فيزيائية أو جسدية تذكر... ولكن وضع طفل بين خمسين فرداً سيعطي في النهاية حضارة بأكملها في ذلك الإنسان. إن الحضارات تظهر للوجود فقط عندما تكون الجماعة كبيرة كفاية. الحضارات هي ظواهر تكتسح وجه الجماعات كالأمواج... تلك الظواهر التي أوجدت البيتلز .. أو هتلر... تلكك الظواهر أوجدت الفلسفة كالمسيحية الأصولية أو الشيوعية.. إن كل ذلك هو نتاج عمل مبدأ الـ( الكلية) ليست إلا أمواج كبيرة تمشي على سطح المجتمع . إن جمع كل حركة أو فعل صغيرين يقوم بهم الكائن البشري بشكل متعدد ومتنوع في قوة كبيرة هي كجمع قطرات الماء الصغيرة لتكون بحراً عظيماً. إن المد والجذر الدائم والمستمر تقودهم جاذبية القمر ولكن السؤال هو ما الذي يحث ويسير المد الحضاري للبشر؟)) ((ما الذي يدفع جماعة همجية هائمة في صحارى شبه الجزيرة العربية على الإلتمام حول قيادة رجل واحد لتنتشر عبر أنحاء العالم مشكلة إمبراطورية عظمى؟ كيف تستطيع فكرة غير ملموسة مقدمة من إنسان مثل (آية الله الخميني) جمع الناس حولها وتحويلهم إلى مؤمنين جاهزين أن يقتلوا أو يُقتلوا لأجل الحقيقة؟ لم تتحول جماعة كانت تدعو إلى إعطاء الخد الآخر عندما تُضرب (المسيحية) إلى محاربين جاهزين للخوض في الدماء بشكل كبير. ما الذي يجعل بلداً مثل بريطانيا الفيكتورية تغزو نصف العالم ثم تنحط وتنتهي قوتها ورخائها كموجة على الصخر... مالذي يدفع أميركا إلى اتخاذ النهج نفسه في أيامنا الحالية... ؟ )) الطبيعة، تلك العاهرة الشريرة... "نحن لا نرى أن الطيور اللطيفة المغنية بهدوء حلولنا تعيش على البذور والحشرات، مدمرة دائما شكلا من أشكال الحياة" تشارلز داروين "البشر دائما يذبحون بعضهم البعض، ألا ترى أن الصقور تعيش على قتل الحمام؟ وطالما ان الصقور لن تغير طباعها تلك، فمالذي يجعلنا نعتقد أن البشر سيغيرون طباعهم؟" فولتير ((في عام 1580 أطلق ميشيل دي مونتين فكرة (الهمجي النبيل) ملهما باكتشافات العالم لقبائل لم تصلها التعقيدات الحضارية في أوروبا. وبعد مئتا سنة تقريبا ععم ذلك المفهوم جان جاك روسو عندما قام بنشر أعماله الأربعة قائلا أن البشر يولدون بطبيعة بريئة ممتلئة بالحب والبراءة لكن قوة شيطانية تملأهم بها الحضارة الحديثة.قال روسو أن البشر لولا الحضارة الحديثة ما عرفوا الكره والأذى والقسوة. أما اليوم فإن مبدأ روسو يبدو أقوى من أي وقت مضى، إن العديد من كتاب وعلماء القرن العشرين (لم أذكر أسماءهم لطولها) قاموا بتتويج روسو أبا للعلوم الإنسانية عندما قاموا بتوجيه أكبر الاتهامات للحضارة الصناعية الحديثة، هم والعديد من منظمات نسائية وبيئية وجزء من اليمينيون المتطرفون. وقد انضمت إليهم عدة منظمات علمية أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر المؤسسة العلمية الأمريكية للعلوم الإنسانية والمؤسسة الأمريكية للعلوم النفسية. وكنتيجة فإننا نسمع يوميا أن حضارتنا الغربية بنظامها الإستهلاكي الرأسمالي، بإعلامها وتلفزتها العنيفة الطابع، بأفلامها المليئة بالدم، بتتكنولوجيتها الحديثة، كل تلك الأمور نسمع أنها تغذي العقل البشري النهم بالعنف. إنهم يفترضون أن المجتمع حاضن لكل ما يثير الرعب. ولكن الثقافة ليست هي المسؤولة الوحيدة عن العنف والحرب والقسوة. إن موروثاتنا البيولوجية تدفع بالشر للتسلل داخل أكثر المجتمعات الغير "مفسدة". الأكثر من ذلك والجدير بالملاحظة أن المعارك المنظمة لا تقتصر على البشر وحدهم. النمل مثلا ينظم معارك لذبح أو استعباد أي حشود منافسة له. سمك السيشايلد يقوم بما يسمى هجوم عصابات على أي دخيل في منطقته. قطعان الذئاب تنظم هجومها لمحاصرة الدخلاء وتمزيقهم وليس فقط الطرائد. بعض مجموعات السحالي تحكم بالموت على أحد أفرادها إن فقد ذيلاً وتقتله. إناث النحل تطارد الملكة عندما تصبح عجوزا إلى أحد زوايا الخلية لتقتلها عضا. الأمثلة كثيرة من أحياء الطبيعة، النمل لا يشاهد التلفزيون، الأسماك نادرا ما تذهب إلى السينما، ولا علاقة لكل تلك الأحياء بأي من الحضارة الغربية المتوحشة. إن مجموعة من الكتاب والمؤلفين كانت قد حصلت على اهتمام واسع نسبيا في التسعينيات بكتب تحتفل بمحاولات العودة إلى أمنا كرتنا الأرضية اقترحت أننا إذا قشطنا حقول الزراعة الصناعية، ودمرنا محركات الصناعة الإنفجارية، التلفزيونات، مكيفات الهواء الصناعية فإن الطبيعة ستباركنا من جديد بسلامها وهدوئها. للأسف فقد شوه هؤلاء الكتاب الشكل الحقيقي للحياة ما فبل المرحلة الصناعية، ما لا يدركه هؤلاء أن القتل ليس اختراعا بشريا، بل هو اختراعا من الطبيعة التي نعيش فيها على كل الأصعدة من حولنا. قال هيغل فيلسوف القرن التاسع عشر أن المأساة ليست عندما يصارع الخير الشر بل عندما يصارع الخير خيرا مثله. إن مأساة هيغل جسدتها وطوعتها الطبيعية من أجل بقائها دائما. الطبيعة كالتمثال الذي يقوم بالنحت دائما ليحسن عمله الفني، ولكي يتحقق ذلك فعليها دائما نحت لحوم حية للكائنات. المشكلة أن تلك الطبيعة وضعت تناقضات أخلاقية في عقولنا، إن كنت تشعر بعدة أحاسيس مختلفة تجاه شيء واحد فأنت على حق. لأن لدينا عدة عقول وتلك العقول لا تتفق دائما.)) ((أول من قدم تلك الفكرة الدكتور والباحث بول مكلين والتي دعاها "العقل الثلاثي" ففي أسفل جمجمتنا نجد جذر الدماغ الذي يخرج من الحبل الشوكي، وعلى قمة ذلك الجذر يتوضع النسيج العصبي الذي أورثته لنا الزواحف – أولى الكائنات البرية - في مسيرة التطور. عندما تركت تلك الحيوانات البحر منذ حوالي ثلاثمائة مليون سنة مضت وهامت على اليابسة كان همها الوحيد وتوجه تطورها هو البقاء والاستمرار، احتاجت للصيد، احتاجت للصيد، احتاجت لأن تجد شركاء للتزاوج، لذا فقد احتاجت لإقامة أقاليم ومناطق خاصة بها تدافع عنها. إن الآلية العصبية التي قامت بتطويرها خدمت تلك الحاجات الحيوية لبقائها على مر الزمن. أطلق على تلك الجملة العصبية الدكتور ماكلين (دماغ الزواحف). هذه الجملة العصبية لا تزال تقبع في جمجمتنا بشكل كالحجرة الموجودة في حبة مشمش. وهي مساهم قوي في نشاطاتنا العقيلة بإصدار الأوامر البدائية الغريزية في الدماغ على مدار الساعة ليلا نهارا. بعد عدة ملايين من السنين طورت أحفاد تلك الزواحف منتجات بيئية عديدة كالفراء والدم الحار، والقدرة على حضانة البيوض داخل أجسادها وتأمين الغذاء لأولادها (الحليب). لم تعد تلك الأحياء تدعى (زواحف) بعد تلك التغييرات. لقد أصبحت ما ندعوها (ثدييات). إن قدرة الثدييات الكبيرة على البقاء جعلتها قادرة على ترك المناطق الاستوائية والتوجه شمالا إلى المناطق الباردة. إن امتلاكها لميزة الدم الحار جعلها قادة على البقاء في أكثر العصور برودة (العصر الجليدي). لكن تلك الميزة تطلبت منها أن لا تضع بيضها وتتركها للطبيعة بل تحضن تلك البيوض ( الأجنة) في أجسادها لمدة طويلة لحمايتها . تطلبت تلك الظروف أيضا نشوء تنظيمات اجتماعية أقوى لتساعد الأطفال على البقاء ( بقاء الأم مع الأطفال). كل تلك المتطلبات أدت إلى بناء نسيج عصبي إضافي زيادة عن النسيج العصبي للزواحف. أحاط هذا النسيج الدماغ (الزاحف) كنسيج حبة فاكه حول البذرة. دعا ماكلين هذا النسيج بـ (الدماغ الثديي). وهو الدماغ الثاني. هذا النسيج الدماغي قاد وظائف جديدة لتلك الأحياء كالأمومة، واللعب, وبعض الأحاسيس. ومجموعات حيوية راعية للفصيلة. وبعد زمن، حاول بعض تلك الأحياء (الثدييات) حركات جديدة كالوقوف بانتصاب على الطرفين الخلفيين والنظر حولهم. فقامت بتوظيف أيديها (أطرافها الأمامية) وعقولها لاستكشاف العالم الذي حولها أكثر فأكثر. إنهم البشر تماما. إن الإنسان المفكر، ورغم زيادة قدرته على بناء العاطفة بقي يستمع إلى ذلك الصوت الغريزي في الدماغ الأول الذي ورثه عن الزواحف، على صوت الدماغ الذي حصل عليه عندما أصبح من الثدييات أيضاً. ريتشارد ليكي العالم والباحث في العصور الحجرية يقول أن الحروب لم تنشأ إلا عندما بدأ الإنسان بالزراعة وبدا يبحث عن ممتلكات وأراض ليزرعها. وكأنه يقول لنا أن الحروب ستزول إن تخلى الإنسان عن الزراعة (أو عن البحث عن أرض). لكنه مخطئ تماما إن كان يقصد ذلك. فالعنف ليس نتاج عقلنا الحديث ولا نتاج عصاة وبذرة نزرعها في الأرض. يعيش (كالاكاري) في صحاري أفريقيا مجموعات بدائية لا تعتمد الزراعة ولم تصلها أي تطور أو تكنولوجيا. يعيشون على الفاكهة والنباتات وتجمع نساؤهم الحيوانات التي يصطادها الذكور. هذه المجموعات تعيش بشكل بدائي عمره آلاف السنين حتى الآن مما دفع علماء الإنسان لدراستها بشكل معمق وكبير. في بدايات تلك الدراسات دهش العلماء لأن تلك المجموعة في أفرييا لم تكن تمارس أي من العنف وظهر استنتاج خاطئ بأن البشر إن عادوا لحياة الصيد التي تعيشها تلك المجموعة فيتخلون عن عنفهم وشرهم. لكن لاحقا اكتشف العلماء شيئا مهما. إن تلك ذكور تلك القبيلة كانت تعاقب الخيانة الجنسية بالقتل. وكانت نسبة القتل لذلك السبب أعلى من نسبتها في مدينة نيويورك بكاملها بالنسبة للتعداد. ذلك العنف كان يأخذ مجراه بين أفراد لا جماعات. بينما أشد أشكال العنف غالبا تكون بين مجموعات سواء على المستوى البشري أو الحيواني درست الباحثة دايان فوسي غوريلا الجبال في المناطق الأفريقية لمدة تسعة عشر عاماً ولاحظت أن تلك الحيوانات كانت مسالمة إلى حد كبير لكن عندما كانت قبائلها تصطدم ببعضها ببعض فإنها تتحول إلى قتلة بلا رحمة. لاحظت الجروح الخطيرة على أجسادها وفقدانها بعضا من أسنانها خلال صراعاتها عن محاولتها عض خصومها. حتى أنها رأت ندبا في جماجمها على شكل أنياب. بعضها كان يفقد أجزاء من اللحم على أطرافها بشكل خطير، ورؤوسها بشكل خطير، كانت المشاهد تذكر بمشاهد عودة الجنود من الحروب. المثير للاهتمام أنها كانت تفتعل تلك الحروب مجرد أن تشعر باقتراب مجموعة أو قبيلة أخرى منها. لم تكن الغوريلا هي الوحيدة في ذلك الخلاف . لقد درس العلماء قردة الشمبانزي لمدة جيدة وكتبوا عن طبيعتها المسالمة وهم مقتنعين أن تلك القردة لا تحمل الشر الذي يحمله البشر إلى أن بدت ظواهر غريبة في مجموعات تلك القردة. عندما ازدادت أعداد أحد المجموعات زادت خلافاتها حول الطعام وازداد التنافس بشكل كبير فقررت تلك المجموعة الانقسام إلى مجموعتين. أحدهما بقيت في موطنها الأصلي والأخرى توجهت مسافة لا بأس بها بعيدا. في البداية كانت المجموعتان تعيشان بهدوء وسلام. لكن بعد مدة بدأت بعض الذكور من المجموعة الأصلية بالخروج للاستفراد بأحد أعضاء المجموعة المنشقة وضربه بشكل وحشي إلى أن تتركه مقعدا عاجزا ليموت جوعا. واستمرت قردة الشمبانزي بتلك السياسة حتى قضت على المجموعة المنشقة بأكملها ذكورا وإناثا. إن دراسات تلك الأمثلة تؤكد أن الحروب والمذابح التي يعاني منها البشر في كل الحضارات وكل الأمم على مر التاريخ لا علاقة لها بأي ثقافة غربية أو شرقية، ولا علاقة لها بالتكنولوجيا أو التلفزيون الذي يعرض عنفاً. إن تلك الطباع ورثناها عن أجدادنا بدءا من النمل والنحل وانتهاء بالقبائل الهمجية. إن البشر حتى الآن يحلمون بتحقيق السلام وبناءه جاهدين باستخدام عقلهم الثالث، ذلك الجزء الحديث من الدماغ الذي أضافته الطبيعة على عقولهم... لكن حتى يحققوا ما يريدون فإن عليهم التغلب على ما بنته الطبيعة في عقولهم. )) ((يتبادر إلى ذهننا سؤال مهم... توجد أفلام ومسلسلات فكاهية على التلفزيون أيضاً، لم لا نجد الناس تمشي في الشارع ضاحكة متأثرة بها؟ كل وحوش العالم وسفاحي البشرية في العصر الحالي كانوا أطفالا يشاهدون أفلام ديزني للأطفال. لم لا نجدهم يتصرفون مثل تلك الشخصيات بدلا من القتل والتدمير؟)) بلا شك هذا الكتاب وتلك المفاهيم الجديدة تطرح آفاق مختلفة أبعد بكثير مما نعرفه عن أسباب الشر ومفاهيم الأخلاق. فنحن لسنا في صراع مع شر الشيطان الخرافي الذي قدمته الأديان، وليست مشكلتنا في حضارة أو علم أو بيئة أو أسباب عيش حديثة أدت إلى تلك الطبيعة الوحشية. نحن ببساطة في صراع مع مخلفات ما كان عليه أجدادنا. والبشرية تسير في طريق الرقي والتحضر لا طريق الشر والشيطان (كما تسميه الأديان)... قد ياتي يوم نتخلص فيه تماما من ذلك الأثر الوحشي تماما ولو أني أشك أن هذا اليوم بعيد نسبيا ومرتبط ببيئتنا ومستقبلنا كبشر. الجدير بالذكر أن الأديان لم تؤثر يوما في تلك الطبيعة البشرية الوحشية بل كانت نتاجا وتجسيدا لها بل وتطبيقا لها في الكثير الكثير من الأحيان، حتى في أكثر الثقافات دعوة إلى المحبة والسلم. لم تستطع عقول البشر الهرب من تلك الغريزة بل طوعتها حتى بالشكل الديني المقدس. فصار دماغ الزواحف قلماً نكتب به شرنا (الخيّر). محمد نورالله - خاص: هلوسات
|