|
لا يمكن وصف ما حدث في غزة، وظهور إمارة حماس الإسلامية هناك، إلا بالزلزال. ووقعه سيكون على الجميع، وليس على المواطنين الفلسطينيين وحسب. التأثير سيكون على القضية نفسها، وعلى حلم الدولة الفلسطينية، وعلى العالم العربي، دولا وشعوبا. ولن يكون تأثير ظهور الإمارة الإسلامية، على عالمنا العربي مثل ظهور إمارة طالبان، بل أشد خطورة، حتى على الأمن العربي. فعوضا عن دولة فلسطينية، عدنا إلى مربع الصفر، وباتت لدينا دويلات، حيث عزلت غزة عن الضفة الغربية. وهذا يعني تلاشي حلم الدولة الفلسطينية، ليس اليوم، أو هذه السنة، بل ربما لجيل كامل! بات حلم الدولة الفلسطينية بعيد المنال.
أما البعد الأمني الآخر، أو قل الخطورة، فهو أن حماس اسمت انتصارها على فتح بالتحرير الثاني، وقامت بتدمير مباني السلطة الشرعية، وهذا تلقائيا يعني دخولنا مرحلة التحرير الثاني في العالم العربي. ومن المعروف ان التيارات الإسلامية لا تؤمن بمفهوم الدولة، أساسا، ومعاركها مع الأنظمة العربية معارك طويلة، وقد تكون هدأت لفترة، ليس بسبب النضج السياسي، بل بسبب دموية «القاعدة» والحرب على الإرهاب. وهذا يعني ان إمارة حماس ستكون بمثابة الملهم الروحي للجماعات الإسلامية، وملتقى كل من يريد العمل المسلح، حيث أن حماس ستصور كل انتقاد يطالها على أنه خيانة، ومحاباة للعدو الإسرائيلي، كيف لا ومسلحو حماس سموا فتح بـ«الكفرة» و«الخونة» و«العملاء»، وبثت لنا الوكالات صور مقاتلي حماس وهم يدوسون بأقدامهم صور ياسر عرفات وأبو مازن. وبالتالي سندخل في مرحلة انقسام فكري كبيرة حول القضية الفلسطينية، ومن له حق التصدي لها ومعالجتها، وبمجرد تديينها، أي القضية، وهذا ما حدث اليوم، فستكون المرحلة القادمة صعبة وخطرة على المنطقة كلها. بقي أمر آخر، مهم، وهو أن جاهزية مقاتلي حماس، التي رأيناها ضد السلطة الشرعية المدعومة دوليا، توضح أنه في الوقت الذي كانت فيه حماس وقياداتها تصرخ من قلة الأموال، فإنها كانت تجهز نفسها بالسلاح والعتاد، وهناك من يمولها من دون انقطاع، حيث بدت أكثر استعدادا من السلطة الشرعية، وبالطبع فإن الممول هو إيران. واليوم ليس لأحد سيطرة على حماس في العالم العربي سوى ايران الراعي المالي، وسورية التي يعيش فيها خالد مشعل، وهذا يعني أن جميع الخيوط المعقدة في المنطقة العربية باتت أطرافها في دولتين فقط، هما سورية وإيران. بعد هذا كله نستطيع أن نجزم بأن الخاسر الأكبر هو القضية الفلسطينية، مع ضياع حلم الدولة الفلسطينية جيلا كاملا على افضل تقدير. وعلينا الاستعداد لزلزال قادم في عالمنا العربي، فكريا وأمنيا وسياسيا. نقلا عن "الشرق الأوسط"
|